
نبذة عن الكتاب:
يُبيِّن هبة الله بن سلامة بن نصر المُقرئ في كتاب «النَّاسخ والمنسوخ من كتاب الله عزَّ وجلَّ» مواضع النَّسخ في القرآن الكريم، ويميِّز الآيات التي بقي حكمها من الآيات التي رُفع حكمها، مستندًا إلى أقوال السَّلف والمفسِّرين وما نُقل في أسباب نزول الآيات وأحكامها. ويجعل معرفة النَّاسخ والمنسوخ من العلوم اللازمة لمن يتصدَّى لتفسير كتاب الله تعالى أو بيان أحكامه، لما يترتَّب على الجهل به من الخلط بين الأمر والنَّهي، والإباحة والحظر، ويذكر أنَّ تأليفه للكتاب جاء لما وجده من اختلاط هذا العلم في كلام بعض المفسِّرين، فقصد إلى تقريب مسائله لطالبها وتذكير من سبق له علمها.
ويبدأ بتعريف النَّسخ في كلام العرب بأنَّه الرَّفع، ثمَّ يقسِّم المنسوخ في كتاب الله تعالى إلى ثلاثة أضرب: ما نُسخ خطُّه وحكمه، وما نُسخ خطُّه وبقي حكمه، وما نُسخ حكمه وبقي خطُّه. ويسوق لكلِّ قسم ما يراه مثالًا عليه من الآثار والرِّوايات، ثمَّ يجعل القسم الثَّالث أوسع مادَّة الكتاب، إذ يتتبَّع الآيات الباقية في التِّلاوة التي يعدُّ أحكامها منسوخة.
ويصنِّف سُوَر القرآن بحسب دخول النَّسخ فيها، فيذكر السُّوَر التي لا يدخلها ناسخ ولا منسوخ، والسُّوَر التي يدخلها النَّاسخ دون المنسوخ، والتي يدخلها المنسوخ دون النَّاسخ، والتي يجتمع فيها النَّاسخ والمنسوخ. ثمَّ يناقش موضع وقوع النَّسخ، فينقل قول من قصره على الأمر والنَّهي، وقول من ألحق بهما الأخبار التي تأتي بمعنى الأمر والنَّهي، وقول من أجازه في الأخبار جميعًا، كما يذكر قول من عدَّ الاستثناء ناسخًا لما تقدَّمه، ويردُّ قول من نفى وجود النَّاسخ والمنسوخ في القرآن.
ويستدلُّ لإثبات النَّسخ بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، ويفسِّر الخيريَّة في النَّاسخ بما يكون أنفع للمكلَّف؛ فإن كان الحكم أثقل كان أوفر في الأجر، وإن كان أخفَّ كان أيسر في العمل. ويضمُّ إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾، ثمَّ يرتِّب أبرز ما وقع فيه النَّسخ في الشَّريعة، فيبدأ بالصَّلاة والقِبلة والصِّيام والزَّكاة، ويتبعها بأحكام الإعراض عن المشركين وقتالهم، وقتال أهل الكتاب، والمواريث، والحجِّ، والمعاهدات، مع ملاحظته كثرة نزول المنسوخ بمكَّة وكثرة نزول النَّاسخ بالمدينة.
ويرتِّب مادَّة الكتاب بعد ذلك على نَظْم القرآن، فيمرُّ بالسُّوَر واحدةً بعد أخرى، ويحدِّد في كلِّ سورة ما يعدُّه محكمًا وما يعدُّه منسوخًا وناسخه، ولا يقتصر على تسمية الآية، بل يورد في مواضع كثيرة اختلاف المفسِّرين في ثبوت النَّسخ أصلًا أو في تعيين النَّاسخ. ففي سورة البقرة، مثلًا، يتناول أحكام الإنفاق، والقِبلة، والصَّفا والمروة، وكتمان العلم، والقصاص، والوصيَّة، والصِّيام، والقتال، والزَّكاة، والخمر، والنِّكاح، والطَّلاق، والرَّضاع، وعِدَّة المتوفَّى عنها زوجها، والإشهاد في المعاملات، وما يتعلَّق بمحاسبة الإنسان على ما في نفسه، مبيِّنًا الآيات التي يعدُّها ناسخةً أو منسوخةً وما ورد فيها من اختلاف.
ويكشف هذا التَّطبيق عن عنايته بالتَّفريق داخل الآية الواحدة بين المحكم والمنسوخ؛ فقد يحكم ببقاء بعض ألفاظ الآية وأحكامها، ويخصُّ النَّسخ بجزءٍ منها، كما يذكر مواضع يرى أنَّ الاستثناء فيها رفع عموم الحكم السَّابق. وينقل كذلك الخلاف إذا عدَّ فريق من المفسِّرين الآية محكمةً وعدَّها آخرون منسوخة، أو اختلفوا في الآية التي نسختها، فيورد الأقوال وأسماء القائلين بها، ويستعين أحيانًا بسبب النُّزول أو الخبر المتعلِّق بالحكم لبيان وجه الانتقال من الحكم الأوَّل إلى الحكم اللاحق.
ويتتبَّع النَّسخ في العبادات والمعاملات والأحوال الشَّخصيَّة، فيذكر انتقال أحكام الصِّيام من حالٍ إلى حال، وما يتعلَّق بالتَّخيير بين الصِّيام والفدية، وتحويل القِبلة إلى المسجد الحرام، وفرض الزَّكاة وما يعدُّه ناسخًا لصورٍ سابقة من الإنفاق والصَّدقة، وأحكام الوصيَّة والمواريث، وعِدَد النِّساء والطَّلاق والرَّجعة والرَّضاع. كما يتناول ما يراه من تدرُّج تحريم الخمر، فيجمع الآيات المتعلِّقة بها ويتتبَّع انتقال الحكم حتَّى الأمر باجتنابها.
ويُكثر في أبواب القتال والعلاقة بالمشركين وأهل الكتاب من ردِّ آيات الصَّبر والصَّفح والإعراض والموادعة إلى ما يسمِّيه «آية السَّيف»، فيعدُّها ناسخةً لطائفة كبيرة من تلك الأحكام. ويطبِّق هذا الأصل في سُوَر متعدِّدة، فيذكر عند كلِّ موضع ما يراه من انتقال الأمر من الصَّبر أو التَّرك أو الإعراض إلى القتال، كما يجعل آية قتال أهل الكتاب ناسخةً لجملةٍ من المواضع المتعلِّقة بالصَّفح عنهم.
ويمضي على ترتيب السُّوَر حتَّى المفصَّل، فيصرِّح عند السُّوَر التي لا يرى فيها نسخًا بأنَّها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، ويعيِّن في غيرها الآية أو الجزء الذي يحكم عليه بالنَّسخ. ويتناول في أواخر القرآن سورًا مثل المزَّمِّل والمدَّثِّر والقيامة والإنسان والتَّكوير والطَّارق والغاشية والكافرون، مع بيان ما يراه من ناسخها، في حين يحكم بإحكام سورٍ أخرى كاملةً مثل نوح والجنِّ والمرسلات والانفطار والبروج والفجر والكوثر والفلق والنَّاس.
ويجمع في آخر الكتاب أصولًا عامَّة استخلصها من تطبيقاته، فيجعل أوامر الإعراض والصَّبر والصَّفح وما شابهها منسوخةً عنده بآية السَّيف، ويردُّ ما يتعلَّق بالصَّفح عن أهل الكتاب إلى آية قتالهم، ويجعل بعض أحكام الشَّهادة منسوخًا بما ورد في الائتمان، وبعض أحكام المواريث والعقود منسوخًا بتقديم أولي الأرحام، وما كان من الصُّلح والعهد والموادعة منسوخًا بما نزل في سورة براءة. ثمَّ يفرِّق في الأمر الوارد في القرآن بين أمر الحتم الذي لا بدَّ من فعله، وأمر النَّدب، وأمر التَّخيير، وأمر الإباحة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














