
نبذة عن الكتاب:
يَتَتَبَّع الخطيب الإسكافي في كتاب «درة التنزيل وغرة التأويل» الآيات القرآنية التي تتكرر في مواضع مختلفة بألفاظ متفقة أو متقاربة، ثم يختلف نظمها في شيء من التقديم والتأخير، أو الذكر والحذف، أو الزيادة والنقص، أو التعريف والتنكير، أو الإفراد والجمع، أو الإيجاز والإطناب، أو إبدال لفظ بلفظ وحرف بحرف، فيبحث عن الحكمة التي اختص بها كل موضع، ويبين اتصال ذلك بالسياق والمعنى الذي سيقت له الآية. وينطلق الكتاب من أن اختلاف العبارة في المواضع المتشابهة ليس اختلافًا مجردًا ولا تكرارًا خاليًا من الدلالة، وإنما وراء تخصيص كل موضع بلفظه ونظمه معنى ينبغي التماسه والكشف عنه. وقد قصد الخطيب بذلك إلى رفع الإشكال عن المواضع التي قد تشتبه على القارئ، وبيان أسرار اختلافها، والرد على من اتخذ من تكرر الآيات وتفاوت صيغها سبيلًا للطعن في القرآن الكريم.
ويرتب الخطيب مسائل الكتاب على ترتيب سور المصحف، فيبدأ بسورة البقرة ثم آل عمران فالنساء، ويمضي مع السور تباعًا، ويجعل تحت كل سورة الآيات التي يرى فيها وجهًا من وجوه التشابه اللفظي، فيورد الآية ثم يجمع إليها ما يشابهها في السورة نفسها أو في غيرها، ويوازن بين ألفاظها قبل أن يتجه إلى تفسير سبب الاختلاف. وقد تناول على هذا النحو مئتين وأربعًا وسبعين آية جعلها أصولًا للمسائل، وألحق بها ثلاثمئة واثنتين وخمسين آية تشابهها، وقد يستدرك آية فات ذكرها في موضعها الأول فيوردها عند نظيرتها اللاحقة وينبه إلى أن حقها كان أن تُذْكَر قبل ذلك.
ويقوم أسلوب الكتاب في كثير من مسائله على صيغة السؤال والجواب؛ فيبدأ الخطيب بنحو قوله: «للسائل أن يسأل»، ثم يحدد موضع الإشكال تحديدًا دقيقًا: لِمَ خُصَّ هذا الموضع بلفظ دون الآخر؟ ولِمَ قُدِّم هنا ما أُخِّر هناك؟ ولِمَ جاءت الكلمة معرفة في آية ونكرة في نظيرتها؟ ثم يجيب بربط كل صيغة بسياقها وما تقدمها وما تأخر عنها. فمن ذلك موازنته بين قوله تعالى في سورة النساء: «إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا»، وقوله تعالى في سورة الأحزاب: «إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليمًا»، فيبين أن تخصيص «الخير» في الأولى جاء في مقابلة «السوء» المذكور قبلها، في حين اقتضى سياق سورة الأحزاب العموم فجاء التعبير بـ«شيء». وقد تتعدد عنده الأجوبة عن المسألة الواحدة إذا احتمل اختلاف التعبير أكثر من وجه.
ولا يقتصر الخطيب على النظر في ظاهر الألفاظ، بل يستعين بالسياق القرآني والنحو واللغة ودلالات المفردات والقراءات وما يحتاج إليه المقام من التفسير. ويكثر من الاستشهاد بالقرآن لتقرير توجيهاته، ومن ذلك بحثه اختلاف ترتيب «بالقسط» و«شهداء لله» بين سورتي النساء والمائدة وربطه كل ترتيب بالمعنى الذي يقتضيه موضعه. ويستشهد بالحديث والآثار على قلة، ومن أمثلة ذلك بيانه الفرق بين «فلا تقربوها» و«فلا تعتدوها» في آيتي حدود الله تعالى، مستعينًا بما يدل على أن النهي عن مقاربة الشيء أبلغ في الزجر عنه. ويستشهد كذلك بشعر العرب في المسائل اللغوية والنحوية، ويتناول اختلاف القراءات حين يكون له أثر في بناء المسألة، ولا يكثر من أسباب النزول إلا إذا اقتضى التوجيه ذكرها.
وتبرز العناية اللغوية في شرحه ألفاظًا قرآنية يحتاج إليها توجيه الآيات، فيبحث معاني كلمات مثل «العلي» و«الهلوع» و«الدأب»، ويفرق بين دلالات الألفاظ، كما فعل في بيان الفرق بين الضلالة والسفاهة. ويخوض في القضايا النحوية التي يتوقف عليها فهم اختلاف التركيب، ويرجح بين الأوجه ولا يكتفي بحكايتها؛ فمن ذلك اختياره مذهب سيبويه في توجيه رفع «الصابئون» في سورة المائدة وتعليله هذا الاختيار. ولا يقف موقف الناقل من الأقوال، بل يعرضها للتمحيص، فيرد بعض التوجيهات بعبارات صريحة إذا لم يستقم عنده دليلها، ويستدل بالمواضع القرآنية الأخرى على إبطالها، كما فعل في مناقشة تفسير اختلاف ذكر «بإذن الله» و«بإذني» في الآيات المتعلقة بمعجزات عيسى عليه السلام.
ويجمع الخطيب بين الاستفادة من أقوال المفسرين وأئمة العربية وبين استقلاله في النظر؛ فيذكر ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة والسدي، ويرجع في اللغة والنحو إلى الخليل بن أحمد وسيبويه والزجاج والفراء والمبرد، ويظهر أثر «كتاب سيبويه» و«المقتضب» و«معاني القرآن» للزجاج والفراء في بعض مباحثه، مع عدم التزامه دائمًا بالتصريح بمن أخذ عنه. كما لا يتقيد بمذهب نحوي تقيدًا يمنعه من قبول الوجه الذي يقوى دليله، فيورد آراء الكوفيين إلى جانب البصريين ويرجح منها ما يوافق توجيهه. ويحرص عند النقد غالبًا على مناقشة القول نفسه دون التشهير بصاحبه، فيقول: «قال بعض أهل النظر» أو نحو ذلك، ثم يتعقب الرأي بالحجة.
ويمتد البحث في «درة التنزيل وغرة التأويل» إلى طائفة واسعة من دقائق النظم القرآني، فيفسر لماذا جاء التعبير في موضع على صورة مغايرة لنظيره، ويستخرج من التقديم والتأخير، والزيادة والحذف، وتغاير صيغ الجمع والإفراد، واختلاف الحروف والفواصل، معاني تتصل بخصوص كل مقام. ومن ثم لا ينحصر الكتاب في جمع المتشابهات لإعانة الحافظ على ضبطها، بل يجعل اختلاف صيغها نفسه موضوعًا للتفسير والتعليل، ويقيم جوابه على ملاحظة السياق ودلالة اللفظ والتركيب وعلاقات الآيات بعضها ببعض. وقد كان من أوائل المصنفات المستقلة التي وصلت إلينا في توجيه المتشابه اللفظي، وانتفع به من جاء بعد الخطيب من المؤلفين في هذا الفن والمفسرين، واتخذه عدد منهم أصلًا فيما بحثوه من أسرار الفروق بين الآيات المتشابهة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:







