
نبذة عن الكتاب:
يُؤصِّل محمد بن إدريس الشافعي في كتاب «الرسالة» القواعد التي يُفهم بها القرآن الكريم والسنة النبوية وتُستنبط بها الأحكام، ويَبحث وجوه البيان، وحجية السنة، والناسخ والمنسوخ، ودلالات الألفاظ، وخبر الواحد، والإجماع، والقياس، والاجتهاد، والاختلاف بين أهل العلم. وقد ألَّف الشافعي «الرسالة» استجابةً لطلب عبد الرحمن بن مهدي أن يضع له كتابًا في معاني القرآن الكريم، وقبول الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة.
ويَجعل الشافعي «البيان» أصلًا تنتظم تحته طرق معرفة الأحكام؛ فليست دلالة الشرع عنده على صورة واحدة، بل منها ما جاء القرآن الكريم ببيانه تامًّا، ومنها ما فرضه القرآن الكريم وبيَّنت السنة كيفية أدائه ومقداره ووقته ومن يلزمه، ومنها ما بيَّنته السنة فيما لم يَرِد فيه نص خاص من الكتاب. ويُمثِّل لذلك بالصلاة والزكاة والحج والعمرة؛ فقد ورد أصل فرضها في القرآن الكريم، وبيَّن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أعداد الصلوات ومواقيتها، ومقادير الزكاة، وكيفية أعمال الحج والعمرة.
ويُفصِّل في طرائق دلالة القرآن الكريم، وما يَرِد فيه عامًا يُراد به العموم، أو عامًا تدل السنة أو السياق على إرادة بعض أفراده، وما يَظهر معناه من نفس السياق، وما لا يتضح إلا بضم بعض النصوص إلى بعض. ومن هنا يَربط معرفة الأحكام بمعرفة لسان العرب وطرائق خطابها؛ لأن اللفظ الواحد قد يَتسع لمعانٍ مختلفة، وقد يُعرَف المراد منه بالسياق أو بالسنة أو بغيرهما من وجوه الدلالة. ولهذا لا يَفصل البحث اللغوي عن الاستنباط، بل يَجعله أداة لتحديد المراد من النص قبل بناء الحكم عليه.
ويُقرر منزلة السنة في بيان القرآن الكريم وفي التشريع، ويَربط وجوب اتباعها بما فرضه الله تعالى من طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالسنة قد تُبيِّن فرضًا ورد أصله في القرآن الكريم، وقد تأتي بحكم لم يَرِد فيه نص بعينه في الكتاب، وهي في الحالتين حجة يجب امتثالها. ويؤكد أن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا تخالف كتاب الله تعالى، وإنما تجري معه في وجوه البيان التي قد يَعرفها أهل العلم بدقة النظر والجمع بين الأدلة، وإن اشتبهت على من قَصُر علمه.
ويَبحث الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم والسنة، ويُورد أمثلة تطبيقية يُبيِّن بها كيف يُعرف الحكم المتقدم والحكم المتأخر، وكيف تدل السنة على نسخ حكم أو بيان انتقاله إلى غيره. ولا يَكتفي بإثبات وقوع النسخ، بل يَستعمل الروايات المختلفة وأحوال العمل لتمييز ما بقي حكمه مما زال، ويُظهر بذلك ضرورة جمع النصوص قبل الحكم بوجود التعارض بينها.
ويُعالج ما يبدو من اختلاف الأحاديث، فيَجمع بين ما أمكن الجمع بينه، ويَحمل كل خبر على وجه يوافق غيره إذا احتمل ذلك، ويَلجأ إلى معرفة الناسخ والمنسوخ عند تعذر الجمع وقيام الدلالة على التأخر. ويُبنى هذا المسلك على أصل أن السنة لا تتناقض في حقيقتها، وأن اختلاف الظاهر لا يَكفي لإسقاط أحد الخبرين ما دام يمكن معرفة وجه يعمل بهما أو تقوم دلالة على تقديم أحدهما.
ويُفرد مساحة كبيرة لخبر الواحد، فيَبحث الحد الأدنى الذي تثبت به الحجة في خبر الخاصة، ويُقرر قبول رواية الواحد إذا استكملت شروطها حتى تنتهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويَفصل بين الخبر والشهادة، فلا يَجعل أحدهما تابعًا للآخر في جميع أحكامه، بل يَعتبر خبر الواحد أصلًا قائمًا بنفسه لا يحتاج في حجيته إلى أن يُقاس على الشهادة.
ويَشترط في ناقل الخبر ما يَحفظ به معنى الرواية ويأمن به الخطأ والتبديل، فيَبحث العدالة والصدق والضبط والعقل لما يُروى، وأن يكون الراوي مؤديًا لما سمع على وجه لا يغيّر المعنى. ويَستدل لحجية خبر الواحد بعمل الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم، ويَتتبَّع قبول أهل العلم في الأمصار لأخبار الآحاد وبناء الحلال والحرام عليها، حتى يقرر أنه لم يَحفظ عن فقهاء المسلمين اختلافًا في أصل تثبيت خبر الواحد المستجمع لشروط القبول.
ويَذكر من الوقائع ما يَدل على عمل الصحابة رضي الله عنهم بخبر الفرد، ومن أوضحها تحول أهل قباء في صلاتهم إلى القبلة الجديدة حين بلغهم الخبر، ويَستدل بذلك على أن خبر الواحد إذا ثبت وجب العمل به، إذ لم يكن لهم أن يتركوا فرضًا كانوا عليه لمجرد خبر يجوز الأخذ به وتركه. كما يَبيِّن أن طلب خبر ثانٍ مع خبر الواحد قد يكون للاحتياط وزيادة الطمأنينة، لا لأن الأول لم تقم به الحجة.
ويَفرِّق بين رد خبر الواحد لعلة معتبرة وبين رده لمجرد مخالفته قولًا سابقًا؛ فلا يَسوغ للعالم أن يقبل أخبار الآحاد في مواضع ثم يرد نظائرها بلا سبب. وإنما يَجوز العدول عن خبر إذا وُجد خبر مخالف أقوى، أو كان ناقله أوثق، أو ظهر خلل في حفظ الراوي أو عدالته أو اتصال خبره، أو احتمل الحديث وجهًا يجمعه مع دليل آخر.
ثم يَبحث الإجماع، ويَجعله من الحجج التي يُرجع إليها بعد الكتاب والسنة، مع احتياط واضح في دعوى انعقاده؛ فلا يَتوسع في نسبة الإجماع إلى العلماء بغير علم. ويتصل بذلك بحثه في أقوال الصحابة رضي الله عنهم؛ فإذا اختلفوا نَظر في القول الموافق للكتاب أو السنة أو الإجماع أو الأقوى في القياس، أما قول الواحد منهم الذي لا يُعرف له مخالف ولا موافق، فيَذكر أن أهل العلم قد يأخذون بمثله في مواضع ويتركونه في أخرى، وأن منزلته ليست منزلة الإجماع.
ويُعرِّف القياس من خلال وظيفته في رد ما لا نص فيه إلى ما ثبت حكمه في القرآن الكريم أو السنة؛ فيكون إلحاق النازلة بالنص إما لاشتراكهما في معنى عُلِّق عليه الحكم، وإما لأقرب الأشياء شبهًا بها عند عدم النص الخاص. فالقياس عنده ليس إنشاء حكم منفصل عن الوحي، وإنما طلب للدلالة على موافقة الحكم الجديد لما ثبت في الكتاب أو السنة.
ويُبيِّن في التطبيقات أن القياس لا يَجري في كل حكم ورد به النص؛ فالحكم الذي عُرفت علته ومعناه يُقاس عليه ما شاركه في ذلك المعنى، أما الحكم التعبدي الذي لم يتبين وجهه فيُتَّبع كما ورد ولا يُجعل أصلًا لإلحاق غيره به. ويُمثِّل لذلك بحكم المصراة وبحديث «الخراج بالضمان»؛ فيَتبع النص في اللبن المحبوس في المصراة لأنه حكم مخصوص مؤقت، ويَقيس على «الخراج بالضمان» ما يحدث في ملك المشتري من ثمر ونتاج لأن المعنى فيه ظاهر يمكن إلحاق النظائر به.
ويَربط الاجتهاد بالقياس وربط الجزئيات بأصولها، فلا يَفتح باب القول في الأحكام لمجرد الرأي المنفصل عن الدليل. وفي المسائل التي لا نص فيها يَبذل المجتهد وسعه في طلب الأشبه بالكتاب والسنة، ويَقبل وقوع الاختلاف بين المجتهدين إذا كانت دلالة النص محتملة وكان لكل قول وجه من التأويل أو القياس؛ أما ما ثبت بنص بيّن قامت به الحجة فلا يَسع من عَلِمه أن يخالفه.
ويُطبِّق هذا التفريق على مسائل فقهية اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، فيَبحث معنى «القروء» في عدة المطلقة، ويَعرض القول بأنها الأطهار والقول بأنها الحيض، ثم يَنظر في اللغة والسنة وسياق الحكم ويرجح ما انتهى إليه اجتهاده. كما يَناقش عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا، ويُقدِّم دلالة سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قصة سبيعة الأسلمية على ما خالفها، مؤكدًا أن القول المخالف للسنة لا تبقى له حجة بعد ثبوتها.
ويَستعمل مسألة الإيلاء نموذجًا للاستنباط من ظاهر القرآن الكريم ومن ترتيب ألفاظه؛ فيَرى أن المولي يُمهل أربعة أشهر، ثم إذا انقضت المدة طُلب منه الفيء أو الطلاق، ولا يجعل مجرد انقضاء المدة طلاقًا واقعًا من غير إنشاء. ويُقرر أثناء مناظرته أن القرآن الكريم يُحمل على ظاهره حتى تقوم دلالة من القرآن أو السنة أو الإجماع على أن المراد غير الظاهر، ثم يَستدل من جمع الفيئة والطلاق في سياق واحد على أن الحكمين يقعان بعد انقضاء الأجل.
ويَعرض الخلاف في رد فائض المواريث على ذوي الأرحام، ويَحتج بآيات المواريث على أن الأخت المنفردة جُعل لها النصف، فلا يُعطى لها الباقي باسم آخر ثم يكون حاصل الأمر توريثها جميع المال. ويُناقش الاستدلال بقوله تعالى في أولوية ذوي الأرحام، فيُبيِّن أن الآية لا تجعل مجرد الرحم سببًا لاستحقاق جميع المال؛ لأن بعض ذوي الأرحام يرث وبعضهم لا يرث، وقد يتقدم عليهم من لا رحم له كالزوج بحسب الفروض المقررة.
ثم يَبحث اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في ميراث الجد مع الإخوة، ويُصرِّح بأنه لا يعلم في المسألة نصًّا بيّنًا من كتاب أو سنة، فيَنتقل إلى القياس وموازنة وجوه القرابة. ويَرفض جعل الجد أبًا في جميع الأحكام لمجرد اشتراكهما في اسم الأبوة أو بعض آثار الميراث، ثم يَنتهي إلى إثبات الإخوة مع الجد، مستندًا إلى وجوه القياس وإلى أن هذا قول الأكثر من أهل الفقه الذين نقل عنهم.
ويَختم الشافعي ترتيب الحجج بتمييز مراتبها: فالحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها حق في الظاهر والباطن، والخبر المنفرد الثابت يُعمل به في الظاهر مع إمكان الغلط في ناقله، ثم يأتي الإجماع والقياس عند فقد ما هو أقوى منهما، ولا يَحل الانتقال إلى القياس مع وجود الخبر، كما لا يُلجأ إلى التيمم مع وجود الماء. ويُمثِّل تفاوت هذه المراتب بالقضاء؛ فقد يكون الحكم بعلم القاضي أو إقرار الخصم، ثم بالشاهدين، ثم بما هو دون ذلك من وجوه الإثبات، مع بقاء كل مرتبة حجة في موضعها وإن تفاوتت قوتها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














