
نبذة عن الكتاب:
يبحث رشدي عليان في هذا الكتاب حقيقة الإجماع ومكانته في الاستدلال الأصولي، باعتباره دليلًا يأتي بعد الكتاب والسنة في القوة والاحتجاج، ويلجأ إليه المجتهد عند عدم العثور على حكم الواقعة في النصوص قبل الانتقال إلى القياس والاستصحاب والمصلحة وغيرها من الأدلة. ويربط المؤلف هذا الأصل بما نقل عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من جمع أهل الرأي واستشارتهم فيما لا يجدان حكمه في الكتاب والسنة، ثم يبني دراسته على ركني الإجماع: الأمر المجمع عليه، والمجتهدين الذين ينعقد بهم الاتفاق، وإن كان النص المرفق يتناول المبحث المتعلق بالمجمع عليه، من تعريف الإجماع وسنده وحجيته وأنواعه وأحكام مخالفته.
ويبدأ بتحرير معنى الإجماع لغة واصطلاحًا، فيبين أن اللفظ يستعمل في العزم وفي الاتفاق، وأن الاتفاق هو المعنى الذي لا يتصور إلا من جماعة. ثم يختار تعريفه بأنه اتفاق المجتهدين من أمة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر بعد وفاته على أمر ديني، ويفصل القيود الداخلة في هذا التعريف؛ فالاعتبار باتفاق المجتهدين لا عامة الناس، ولا ينعقد الإجماع عند جمهور العلماء باتفاق الأكثر مع وجود مخالف، بل لا بد من اتفاق جميع المجتهدين في العصر. كما يشترط أن يكون الاتفاق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما يقع في حياته إن وافقه كان الحكم ثابتًا بالسنة، وإن خالفه لم يعتد به. ويميل إلى قصر حجية الإجماع على الأمور الدينية، سواء كانت أحكامًا شرعية أو مسائل دينية يدرك بعضها بالعقل أو الحس، ولا يجعل الاتفاق في الشؤون الدنيوية المحضة ملزمًا من جهة التشريع.
ويناقش بعد ذلك سند الإجماع: هل يمكن أن يستقل بإثبات الحكم، أم لا بد أن يستند إلى دليل سابق؟ فيعرض قول من أجاز انعقاده من غير مستند، ثم قول جمهور الأصوليين الذين اشترطوا له دليلًا؛ لأن المجتهدين لا ينشئون الأحكام من عند أنفسهم، وإنما يكشفون عن حكم مستند إلى الشرع. ويرجح أن اتفاق علماء الأمة في أمر ديني لا بد أن يكون وراءه دليل، وإن لم يكن لازمًا لمن جاء بعدهم معرفة ذلك السند؛ إذ يكفيه ثبوت الإجماع نفسه. كما يناقش هل يجب أن يكون مستند الإجماع قطعيًا، ويختار قول الجمهور في جواز استناده إلى دليل قطعي أو ظني، كخبر الواحد أو القياس، لأن الحكم بعد انعقاد الإجماع يكتسب قوة جديدة من اتفاق المجتهدين عليه.
ويفصل حجية الإجماع، فيعرض مذهب جمهور المتكلمين والفقهاء القائلين بأنه حجة شرعية، ويذكر ما استدلوا به من آيات القرآن التي تفيد لزوم سبيل المؤمنين، وخيرية الأمة وعدالتها والنهي عن التفرق، ثم يجمع الأحاديث الواردة في عصمة الأمة من الاجتماع على الخطأ والضلالة ولزوم الجماعة. ويبين أن قوة الاستدلال بالسنة هنا ناشئة من تضافر روايات متعددة اتفقت في معنى واحد، وهو عصمة مجموع الأمة من الاجتماع على الضلالة، وهو الطريق الذي عدّه الغزالي والآمدي وابن قدامة من أقوى أدلة حجية الإجماع.
ويقابل ذلك بأدلة من أنكر حجية الإجماع، ومن أبرزها صعوبة معرفة جميع المجتهدين والوصول إلى آرائهم مع انتشارهم في البلدان، وعدم ذكر معاذ بن جبل رضي الله عنه الإجماع عند بيان مصادر قضائه، ودعوى أن الإجماع إن استند إلى دليل قطعي استغني به عنه، وإن استند إلى دليل ظني استبعد اتفاق الأنظار عليه. ثم يجيب عن هذه الاعتراضات بأن انتشار المجتهدين لا يمنع من معرفتهم أو استفتائهم، وأن الإجماع لم يكن حجة مستقلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يذكره معاذ رضي الله عنه، وأن انعقاده عن دليل قطعي أو ظني ممكن ولا يبطل قيمته. وينتهي إلى ترجيح مذهب الجمهور، ويرى أن اعتراضات المنكرين لا تنهض في مقابلة أدلة الحجية.
ويتوسع في أنواع الإجماع، فيفرق أولًا بين الإجماع البياني والإجماع السكوتي. فالبياني يكون قوليًا بتصريح المجتهدين بالموافقة، أو عمليًا باتفاقهم في الفعل، وهو الصورة الأصلية التي تتحقق فيها الموافقة بوضوح. أما الإجماع السكوتي فينشأ حين يعلن بعض المجتهدين قولًا أو يعمل عملًا ويشتهر ذلك بين بقية أهل الاجتهاد فيسكتون، ويعرض فيه ثلاثة مذاهب: اعتباره إجماعًا وحجة، أو نفي كونه إجماعًا وحجة، أو اعتباره حجة ظنية من غير أن يسمى إجماعًا. ويرجح المؤلف عدم اعتباره إجماعًا ولا حجة؛ لأن السكوت محتمل ولا يدل دلالة صريحة على الموافقة، ولأن عصمة الأمة من الخطأ ثبتت لمجموعها لا لبعضها.
ثم يفرق بين الإجماع البسيط والمركب؛ فالبسيط هو اتفاق أهل العصر على حكم واحد، ويقرر أن حكمه ملزم للمجمعين ولمن جاء بعدهم، ولا يجوز نقضه بعد انعقاده، ولا يشترط لانعقاده انقراض عصر المجمعين؛ لأن مناط الحجية هو الاتفاق نفسه لا موت أهله. أما الإجماع المركب فيقع عندما تنحصر أقوال المجتهدين في قولين أو أكثر، فيثور السؤال عن جواز إحداث قول جديد في عصر لاحق. ويعرض المنع المطلق والجواز المطلق والتفصيل، ثم يرجح التفصيل: فإن كان القول الجديد يهدم قدرًا اتفق عليه الفريقان امتنع، وإن كان يوافق كل فريق من وجه ولا يرفع شيئًا مجمعًا عليه جاز. ويبين ذلك بأمثلة من ميراث الجد مع الإخوة، والنية في الطهارات، وفسخ النكاح بالعيوب، ومسائل المواريث.
ويبحث كذلك الإجماع المحصل والمنقول؛ فالمحصل هو الذي يقف الفقيه بنفسه على اتفاق المجتهدين فيه، أما المنقول فيعرفه بواسطة النقل. فإن بلغ النقل حد التواتر كانت حجيته كالإجماع المحصل، وإن نقل بطريق الآحاد وقع الخلاف في الاحتجاج به. ويعرض قول الجمهور بحجيته في العمل لما يفيده من غلبة الظن، قياسًا على خبر الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قول من منعه لأن الإجماع في أصله دليل قطعي وخبر الواحد لا يفيد القطع. ويميل سياق العرض إلى قوة قول الجمهور في إمكان العمل بالإجماع المنقول بطريق الآحاد من جهة إفادته الظن المعتبر في الأحكام الشرعية.
ويناقش أخيرًا دعوى تعذر الإجماع بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم بسبب انتشار المجتهدين واختلاف منازعهم الفكرية والسياسية، ويرفض جعل ذلك سببًا لإهدار قيمته التشريعية. فيستدل بما نقل من اتفاقات بقي العمل بها بين المذاهب، ويرى أن تطور وسائل الاتصال والمواصلات يجعل اجتماع المجتهدين وتبادل آرائهم أيسر من العصور السابقة، ويمكن أن يتيح الاتفاق على أحكام النوازل المستجدة. كما يقرر أن اختلاف المنازع والأنظار قد يقلل عدد المسائل التي يتحقق فيها الإجماع، لكنه لا يجعل الاتفاق مستحيلًا، وبذلك يبقى الإجماع عنده طريقًا صالحًا لمعالجة ما يستجد من وقائع متى تحقق فيه اتفاق أهل الاجتهاد على الوجه المعتبر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














