
نبذة عن الكتاب:
يُقيم أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي في كتاب «الموافقات» علمَ الاستنباط على موازنةٍ دقيقة بين نصوص الشريعة الجزئية وأصولها الكلية؛ فالحكم عنده يُفهم داخل النسق الذي تنتظم فيه أحكام الشرع ومقاصده، لا في عزلة عن ذلك النسق. ومن هنا اكتسب الاستقراء منزلةً مركزية في الكتاب؛ إذ يجمع الشاطبي الآيات والأحاديث والآثار المتفرقة التي تتجه إلى معنى واحد، ثم يستخلص منها قاعدة كلية تثبت بمجموعها، حتى يصبح هذا التضافر قريبًا من التواتر المعنوي. وبهذه الطريقة تتكون عنده كليات رفع الحرج، وحفظ المصالح، واعتبار العوائد، ومراعاة المآلات، وغيرها من الأصول التي يرجع إليها فهم الجزئيات وتنزيل الأحكام.
ويَنتظم الكتاب في مقدمات علمية، ثم مباحث الأحكام، فمقاصد الشريعة، فالأدلة، ثم الاجتهاد والتقليد. هذا الترتيب يكشف مسار النظر الذي يسلكه الشاطبي؛ فالمقدمات تضبط طبيعة العلم، ومباحث الأحكام تحدد مادة التكليف، والمقاصد تكشف الغايات الكلية للتشريع، والأدلة تبين الطريق الذي تُعرف به الأحكام، ثم يأتي الاجتهاد بوصفه المجال الذي تجتمع فيه هذه العناصر عند تنزيل الحكم على النازلة.
ويُقرِّر في مقدماته أن أصول الفقه ترجع إلى كليات قطعية، لأن الأصل الذي تُبنى عليه الأحكام لا يستقيم إذا كان مترددًا في نفسه. والطريق إلى هذا القطع قد يكون نصًا صريحًا، وقد ينشأ من استقراء نصوص كثيرة تتساند في الدلالة على قاعدة واحدة. لهذا تتجاوز القطعية عنده صورة الدليل المنفرد إلى المعنى المستقر في مجموع الشريعة.
وتظهر عنايته كذلك بتمييز المسائل الأصولية النافعة في الاستنباط من المباحث التي انتقلت إلى كتب الأصول من علوم أخرى واتسع فيها الجدل من غير أثر مناسب في العمل. فمكانة المسألة العلمية ترتبط بوظيفتها في فهم خطاب الشرع أو استخراج الحكم أو ضبط طريق المجتهد، ولهذا يتجه «الموافقات» إلى الكليات التي تحكم عملية الاستنباط أكثر من انشغاله بتكثير الخلاف النظري.
ثم يُعيد الشاطبي النظر في الأحكام الشرعية من جهة آثارها ومقاصدها. فالواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح تُدرس عنده مع ما يطرأ عليها من اعتبار الجزء والكل، والقصد الأصلي والتبعي، والدوام والانقطاع، وما يترتب على الفعل عند تحوله من تصرف فردي إلى عادة جارية. كما تتصل أحكام السبب والشرط والمانع والصحة والفساد والعزيمة والرخصة ببنية التكليف كلها، فتظهر وظيفة كل منها في انتظام علاقة المكلف بالحكم الشرعي.
ويَتسع حديثه عن المباح لأن الإباحة الجزئية قد تُنتج حكمًا مختلفًا إذا نظر إلى الفعل من جهة الاستمرار أو المآل أو تأثيره في مقصد كلي. فالعمل المباح في ذاته قد يتحول كثرةُ فعله إلى طريق يعطل مطلوبًا شرعيًا، وقد يقترن بقصد يغير موقعه من الحكم. وهذه الطريقة في النظر تمنع تجزئة الحكم عن آثاره الواقعية، وتربط الفعل بالسياق الذي يقع فيه.
ويحتل «كتاب المقاصد» قلب المشروع الشاطبي؛ إذ يقسم المقاصد إلى قصد الشارع وقصد المكلف. وقصد الشارع يتجه عنده إلى جهات متعددة: وضع الشريعة لمصالح العباد، ووضعها على أسلوب يمكن فهمه، ووضعها للتكليف بمقتضاها، وإدخال المكلف تحت سلطانها. ثم يأتي قصد المكلف ليُقاس بمدى موافقته لهذه الغايات، لأن صورة العمل وحدها لا تستنفد حقيقة التصرف الشرعي.
ويُرتِّب مصالح الشريعة في الضروريات والحاجيات والتحسينيات. فالضروريات تحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وقيام الحياة الدينية والدنيوية متوقف عليها. والحاجيات ترفع الضيق والمشقة التي لا تهدم أصل الحياة ولكنها تُوقع الناس في الحرج. أما التحسينيات فتتصل بمكارم الأخلاق وحسن العادات وجمال النظام الاجتماعي. ولكل مرتبة مكملات تخدمها، كما تتفاوت هذه المراتب عند التزاحم؛ فيُقدَّم ما يحفظ أصلًا ضروريًا على ما يحقق مصلحة دون مرتبته.
ويتحقق حفظ الضروريات بطريقين: إقامة ما يثبتها ويقوي وجودها، ودفع ما يهدمها أو يخل بها. ومن هنا تنتظم أبواب العبادات والمعاملات والجنايات وغيرها داخل شبكة المقاصد؛ فالعبادات تحفظ الدين، والقصاص يحفظ النفس، وما يتعلق بحفظ العقل والنسل والمال يجري على هذا البناء نفسه. وهكذا تصبح المقاصد تفسيرًا داخليًا لترابط أبواب الشريعة، لا بابًا منفصلًا عنها.
ويربط الشاطبي فهم الخطاب الشرعي بمعهود العرب في لغتها؛ فالقرآن والسنة وردا بلسان عربي، ودلالاتهما تُفهم من طرائق العرب في التعبير والعموم والخصوص والإجمال والبيان والقرائن. ولهذا تحتل العربية منزلةً أساسية في تكوين المجتهد؛ والمقصود ملكة تُمكِّنه من فهم تصرفات اللسان، لا مجرد معرفة مفردات متفرقة. وتعمل هذه الملكة مع إدراك المقاصد حتى لا ينفصل ظاهر اللفظ عن السياق التشريعي الذي ورد فيه.
وفي حديثه عن التكليف يربط الأمر بالقدرة والمشقة والعادة. فالشريعة جارية على طاقة البشر ومصالحهم، والمشقة المعتادة الملازمة للتكليف لا ترفع الحكم، أما المشقة الخارجة عن المعتاد فتتصل بها الرخص وقواعد التخفيف. ومن هنا تنشأ العلاقة بين العزيمة والرخصة وبين مقصد رفع الحرج، مع بقاء أصل التكليف محفوظًا.
أما دخول المكلف تحت حكم الشريعة فغايته تحرير إرادته من سلطان الهوى وإخضاع تصرفاته للمقياس الشرعي. والمصلحة المعتبرة لذلك ليست كل منفعة يتوهمها الإنسان، وإنما المصلحة الواقعة ضمن الحدود التي رسمها الشرع. كما أن سلامة النية وحدها لا تصحح طريقًا مخالفًا؛ فالموافقة المطلوبة تشمل القصد والعمل معًا.
ويُعطي الشاطبي لقصد المكلف أثرًا مباشرًا في الأحكام؛ فالنية تحدد جهة العمل، والمقاصد معتبرة في العبادات والعادات والتصرفات. وقد تتشابه صورتان في الظاهر ثم يختلف حكمهما باختلاف الغرض المقصود منهما. ومن هذا الأصل تتفرع مسائل الحيل والذرائع، لأن الوسيلة قد تحمل حكمًا مختلفًا حين تُستعمل للوصول إلى غاية تناقض مقصد الشريعة.
ويَدخل النظر في مآلات الأفعال في صميم الاجتهاد عنده؛ فالفعل يُقدَّر مع نتائجه المتوقعة متى كانت تلك النتائج ظاهرة في مجرى العادة. وقد يؤدي تطبيق حكم في صورة معينة إلى مفسدة تناقض الغاية التي جاء التشريع لحفظها، وهنا يحتاج المجتهد إلى إدراك أثر التطبيق قبل إصدار الحكم. هذه الموازنة تجري داخل حدود الأدلة والمقاصد الثابتة، فتحفظ النص من التعطيل كما تحفظ المقصد من الإهدار.
ثم يتناول الأدلة الشرعية، ويجعل الكتاب والسنة محور البحث، إذ ترجع إليهما سائر طرق الاستدلال. فالقرآن أصل كلي للشريعة، وتندرج تحته المعاني العامة التي تتفرع عنها الأحكام. ويبحث الشاطبي العلوم المتعلقة به بقدر اتصالها بالاستنباط، ويقرر أن المكي اشتمل على كليات الدين الكبرى، ثم جاء المدني بالتفصيل والتقرير والتكميل، فيُفهم التفصيل المدني داخل الأصول التي استقرت في التشريع المكي.
ويتصل بهذا نظره في النسخ؛ فالكليات العامة التي يقوم عليها نظام الشريعة ثابتة، بينما يقع النسخ في بعض الجزئيات التي تتغير أحكامها بحسب التشريع. كما يضبط فهم القرآن بطريق وسط يحفظ دلالة العربية والسياق الشرعي معًا، فيبتعد عن جمود يقطع النص عن مقاصده وعن تأويل يُخرج اللفظ عن معهود الخطاب.
وتأتي السنة مبيِّنةً للكتاب ومفصلةً لما أجمله ومقررةً لكلياته. ومن خلال هذه العلاقة يدرس الشاطبي العموم والخصوص والبيان وسائر وجوه الدلالة، ويجعل السنة جزءًا من البناء التفسيري للقرآن في التشريع، فتُقرأ أحكامها داخل الكليات التي تنتظم فيها نصوص الوحي.
ويَستخدم الاستقراء مرة أخرى عند تقرير القواعد المتعلقة بالأدلة؛ فتعدد النصوص المتجهة إلى معنى واحد يرسخ أصلًا عامًا، ومن أمثلته رفع الحرج واعتبار العرف ومراعاة المصالح. وبهذا يكتسب المعنى الكلي قوةً لا تعتمد على لفظ واحد، وإنما على امتداد الشهادة له في أبواب مختلفة من الشريعة.
ويُفرِّق بين العبادات والعادات في جهة التعليل؛ فالعبادات يغلب فيها معنى التعبد والاتباع، بينما تتسع العادات والمعاملات للنظر في المعاني والمصالح التي تدور معها الأحكام. وهذا الفرق يفسر تفاوت مجال الاجتهاد بين أبواب الشرع، مع بقاء الحكمة والمصلحة حاضرتين في الجانبين على درجات مختلفة.
ويَجعل خاتمة الكتاب للاجتهاد والتقليد، حيث تظهر ثمرة ما سبق من كليات وأدلة ومقاصد. ويتناول المجتهد من حيث أهليته للنظر، وفتواه، وإعمال قوله، ثم يفرق بين ضروب الاجتهاد بحسب دوام الحاجة إليها. ويقرر استمرار الاجتهاد في تحقيق المناط ما دام التكليف قائمًا؛ لأن الحكم الكلي قد يكون معلومًا، بينما يحتاج تعيين وجود وصفه في الشخص أو الواقعة إلى نظر متجدد.
ويُحدِّد أهلية الاجتهاد بفهم مقاصد الشريعة على كمالها والتمكن من الاستنباط على أساس هذا الفهم، مع تحصيل ما يحتاج إليه المجتهد من العربية وعلوم الأدلة بحسب نوع المسألة. فالمقاصد تمنحه القدرة على رؤية موضع الجزئي داخل الكلي، والعربية تضبط فهم الخطاب، ومعرفة الأدلة تمنحه المادة التي يقع عليها النظر.
ويتفاوت احتياج أنواع الاجتهاد إلى هذه الأدوات؛ فتحقيق المناط مثلًا يتجه أساسًا إلى معرفة انطباق الوصف الشرعي على الواقع: من هو الفقير المستحق؟ وما المثل الواجب في جزاء الصيد؟ وهل تحققت العدالة في شخص معين؟ فالحكم والأصل قد يكونان ثابتين، وتبقى معرفة محل تطبيقهما محتاجةً إلى اجتهاد يتجدد بتجدد الأشخاص والوقائع.
ويجعل من أسباب الخطأ في الاجتهاد تفكيك النص الجزئي عن كليات الشريعة، كما يقع الخطأ في الاتجاه المقابل حين تُدَّعى مقاصد لم يشهد لها الاستقراء ثم تُسلَّط على النصوص. والطريق المنضبط يجمع الدليل الخاص مع الأصل العام، ويختبر كل واحد منهما بالآخر؛ لأن الكليات استُخرجت من مجموع الجزئيات، والجزئيات تُفهم داخل تلك الكليات عند التنزيل.
وفي مسائل الخلاف يرجع الشاطبي تعدد الأنظار إلى تفاوت المجتهدين في فهم الدليل، أو تحقيق المناط، أو إدراك مقصد الحكم، مع بقاء مقصد الشارع في الواقعة واحدًا. ومن ثم يصبح الاجتهاد طلبًا لذلك المقصد بالطرق العلمية المعتبرة، وتغدو المقاصد معيارًا يضبط الخلاف ويمنع تحوله إلى اختيار مفتوح بين الأقوال بحسب الرغبات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














