
نبذة عن الكتاب:
يجمع يحيى بن شرف النووي في كتاب «الأصول والضوابط» طائفة من القواعد الجامعة والضوابط الفقهية والمسائل المتشابهة التي يحتاج إليها طالب المذهب وطالب العلوم، ويصرح بأن مقصوده جمع النظائر المتفرقة تحت أصول تضبطها، والتمثيل للفروع المستخرجة من أصل واحد أو المبنية عليه، وحصر جملة من الأحكام المتفرقة وبيان شروط بعض الأصول المشهورة، مع الحرص على تقريبها بعبارة واضحة. ولذلك لا يسير الكتاب على ترتيب أبواب الفقه المعهودة، بل ينتقي مسائل كلية يندرج تحت كل واحدة منها عدد من الفروع والتطبيقات.
ويفتتح بمسألة عقدية تتعلق بالإيمان بالقدر وإثبات أن جميع الكائنات خيرها وشرها واقعة بالقضاء والقدر، ثم يعرض الخلاف الذي حكاه إمام الحرمين وغيره من المتكلمين في إطلاق المحبة والرضا على المعاصي مع ثبوت الإرادة، وما استند إليه كل اتجاه في تفسير العلاقة بين الإرادة والمحبة والرضا.
ثم ينتقل إلى ضبط عقود المعاملات بحسب اللزوم والجواز، فيقسمها إلى أربعة أقسام: ما هو جائز من الطرفين كالقرض والشركة والوكالة والوديعة والعارية والقراض وبعض صور الهبة والجعالة، وما هو لازم من الطرفين كالبيع بعد انقضاء الخيار والسلم والصلح والحوالة والمساقاة والإجارة، وما يلزم أحد الطرفين دون الآخر كالرهن والكتابة والضمان والكفالة، ثم ما يلزم أحدهما مع وجود خلاف في لزومه من جهة الآخر، ويمثل له بالنكاح وما قيل في جهة الزوج. ويبين داخل هذه الأقسام ما يترتب على الفسخ أو القبض أو الشروع في العمل، فلا يقف عند مجرد تسمية العقد بالجواز أو اللزوم.
ويجمع بعد ذلك أسباب الفسخ الطارئة على البيع بعد انعقاده، فيحصرها في خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الخلف عند تخلف الصفة المشروطة، والإقالة، والتحالف، وتلف المبيع قبل القبض. ثم يبحث الصور التي قد يقوم فيها الفعل مقام اللفظ، ولا سيما الوطء، فيفرق بين ما يعد فسخًا أو رجوعًا وما لا يعد كذلك، وما اختلف فيه بحسب اختلاف محل التصرف؛ فيبحث وطء البائع في زمن الخيار، ووطء الرجعية، وما يقع بعد تعيين إحدى زوجتين أو أمتين، والرجوع في الجارية المبيعة أو الموهوبة أو الموصى بها، مبينًا أن الأثر القانوني للفعل لا يثبت بمجرد وقوعه بل يتغير تبعًا للسياق الذي وقع فيه.
ويقرر في العقود الفاسدة قاعدة موجزة مؤثرة، وهي أن ما ضمن صحيحه ضمن فاسده، وما لم يضمن صحيحه لم يضمن فاسده، ثم يذكر ما حكي من خلاف في بعض التطبيقات كالْهِبة الفاسدة، مع تقرير المذهب فيها بناء على حكم صورتها الصحيحة.
ويخصص مساحة واسعة للمقدرات الشرعية، فيقسمها إلى ثلاثة أنواع: ما تقديره تحديد لا يقبل الزيادة والنقصان في تحقيق الحكم، وما تقديره تقريب، وما وقع الخلاف في كونه تحديدًا أو تقريبًا. ويمثل للتحديد بأعداد الطهارة، ومدد مسح الخف، وعدد أحجار الاستنجاء، وغسل ولوغ الكلب، وبعض مدد الحيض والطهر، وأوقات الصلاة، وعدد من يشترط للجمعة، ومقادير الزكوات والكفارات، والعدد، والديات، والرضاع، والحدود ونصاب السرقة. ويجعل من التقريب ما يتعذر ضبطه على وجه المطابقة التامة، كإسناد سن تقريبي إلى رقيق عند السلم أو الوكالة في الشراء.
أما المقادير المختلف فيها فيذكر منها القلتين، وسن الحيض، والمسافة بين الصفين، ومسافة القصر، ونصاب المعشرات، ثم يبين مواضع الترجيح بين التحديد والتقريب في كل منها. ويقرر أن وجه التقريب قائم على أن التقدير فيها اجتهادي، فيلحق القريب من المقدار بالمقدار نفسه، بخلاف ما ورد النص بتحديده. كما يعرض الخلاف في سن البلوغ بخمس عشرة سنة، وينقل أن المذهب القطع بكونه تحديدًا.
ويقسم الرخص إلى ثلاثة أقسام بحسب حكم الأخذ بها: رخصة يجب فعلها، كما في بعض صور الاضطرار إلى الطعام أو الشراب المحرم عند توقف حفظ النفس عليه؛ ورخصة يستحب الأخذ بها، كالقصر في السفر والفطر لمن شق عليه الصوم؛ ورخصة يكون تركها أفضل، كمسح الخف أو بعض صور التيمم والفطر عند عدم الضرر. ويقف عند مسألة الجمع بين الصلاتين في السفر، فينقل إدراج بعض الأصحاب لها في الرخص التي تركها أفضل، ويفسر ذلك بما يترتب على الجمع من إخلاء وقت العبادة الأصلي وبما ورد في دلالة النصوص على أصل الجواز دون لزوم الاستحباب.
ويفصل رخص السفر نفسها، فيجعلها ثمانيًا: ثلاثًا تختص بالسفر الطويل، وهي القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثة أيام، واثنتين لا تختصان به، وهما ترك الجمعة وأكل الميتة عند الاضطرار، وثلاثًا وقع فيها قولان، وهي الجمع بين الصلاتين، والتنفل على الدابة، وإسقاط الفرض بالتيمم، مع بيان الراجح في كل منها. ثم يضبط مسافة السفر الطويل بثمانية وأربعين ميلًا هاشميًا، ويجمع النصوص المختلفة اللفظ المنقولة عن الشافعي في هذه المسافة، كالتعبير بستة وأربعين أو بأكثر من أربعين أو بمسيرة يومين أو ليلتين أو يوم وليلة، ويبين طريقة الأصحاب في حملها جميعًا على قدر واحد.
ويميز كذلك بين العاصي بسفره والعاصي في سفره؛ فمن أنشأ السفر نفسه لمعصية لا يباح له من رخص السفر شيء حتى يتوب، مع تفصيل خاص في التيمم، لأنه قادر على إزالة سبب الحرمان من الرخص بالتوبة في الحال. أما من كان أصل سفره مباحًا ثم ارتكب أثناءه معصية فتبقى له رخص السفر، لأن المعصية لم تكن هي منشأ السفر الذي تعلقت به الرخصة.
ويعالج في آخر مسائله تعارض الأصل والظاهر أو تعارض أصلين، رافضًا تحويل المسألة إلى قاعدة آلية مطردة بأن يقال دائمًا بتقديم أحدهما. فيذكر صورًا يعمل فيها بالظاهر من غير خلاف، كقيام البينة على الدين أو إخبار الثقة بنجاسة مع بيان سببها، وصورًا يجزم فيها بالأصل، كالشك في الطهارة والحدث وعدد الركعات والطلاق والعتق. ثم يجعل الضابط في ذلك قوة المرجح: فإن وجد ما يرجح أحد الأصلين أو يرجح الظاهر جزم به، وإن لم يوجد بقي مجال القولين، مع تقرير أن الأخذ بالأصل هو الأصح في معظم الصور؛ فتتحول المسألة من حفظ قاعدة مجردة إلى موازنة بين درجات الدلالة واليقين في كل واقعة بعينها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














