
نبذة عن الكتاب:
يَربط جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي في كتاب «التمهيد في تخريج الفروع على الأصول» بين القاعدة الأصولية والمسألة الفقهية ربطًا تطبيقيًّا، فيجعل أصول الفقه أداةً لاستخراج الأحكام وفهم مآخذ الفروع، لا علمًا تُدرَس قواعده منفصلة عن نتائجها الفقهية. وينطلق من أن أصول الفقه هو العمدة في الاجتهاد، وأن معرفة شروط القياس وعلله وطرق الاستدلال من أهم ما تتفاوت فيه أنظار العلماء وتنشأ عنه وجوه كثيرة من اختلافهم؛ ولذلك أراد أن يُبيِّن عمليًّا كيف تنتقل القاعدة الأصولية من صورتها النظرية إلى أثرها في أبواب الطهارة والصلاة والزكاة والحج والبيع والوقف والنكاح والطلاق والجنايات والقضاء وغيرها.
ويُحدِّد الإسنوي غرض الكتاب منذ مقدمته تحديدًا دقيقًا؛ فيذكر أنه أراد تأليف مصنف يشتمل على غالب مسائل أصول الفقه وعلى «المقصود منه»، وهو كيفية استخراج الفروع منها. وطريقته أن يَذكر المسألة الأصولية أولًا بأطرافها منقحة مهذبة ملخصة، ثم يُتبعها بشيء من الفروع المترتبة عليها لتكون أمثلةً منبهة على غير المذكور. ولا يجعل علاقة الفرع بالقاعدة على صورة واحدة؛ فمن الفروع ما يوافق جواب فقهاء الشافعية فيه القاعدة الأصولية، ومنها ما يخالف ظاهرها، ومنها مسائل لم يقف فيها على نقل أصلًا، فيَستخرج حكمها بنفسه بمراعاة القاعدة الأصولية وقواعد المذهب والنظائر الفقهية.
ويَكشف هذا المنهج عن غرض يتجاوز جمع الفروع؛ فالإسنوي يُريد أن يَعرف القارئ مأخذ ما نص عليه فقهاء المذهب وأصّلوه، وأن يتمرن على استخراج أحكام المسائل التي لم يَنقلوا فيها نصًّا. وقد نبّه إلى أن كثيرًا من الفروع التي جمعها وجدها في كتب غريبة، أو في غير مظانها، أو استخرجها وصورها بنفسه، ثم صرَّح بأنه «مهد» بهذا الكتاب طريق التخريج لأصحاب المذاهب جميعًا، بحيث يستحضر كل صاحب مذهب قواعد مذهبه الأصولية وفروعه ويسلك الطريقة نفسها. ومن هنا يتجه الكتاب إلى تدريب المفتي والمدرس والناظر في الفقه على الانتقال من حفظ الأحكام إلى إدراك عللها ومآخذها والقدرة على التفريع عليها.
ويُمَهِّد قبل الدخول في الأدلة بمباحث الحكم الشرعي والتكليف، فيُعرِّف الحكم الشرعي والفقه، ويُناقش ما يدخل في حد كل منهما وما يخرج، ثم يَبحث علاقة الفرض بالواجب والبطلان بالفساد، وموقع المباح من الحسن والقبح، والفرق بين الأداء والإعادة والقضاء، وما يترتب على ظن المكلف فوات وقت العبادة الموسع. ومن أول هذه المسائل تظهر طبيعة الكتاب؛ فعند تعريف الفقه مثلًا لا يَقنع بتحرير الحد، بل يَنتقل إلى أثر مفهوم «الفقيه» فيمن يستحق وقفًا أو وصية موقوفة على الفقهاء، ويَقارن ما ذكره القاضي حسين والغزالي والرافعي والنووي وغيرهم في تحديد من يَصدق عليه هذا الاسم.
ويُتابع في هذه المقدمات قضايا النيابة في العبادات، والرخصة والعزيمة وأقسام الرخص، وفرض العين وفرض الكفاية، والواجب المعين والمخير، وما لا يتم الواجب إلا به، والزيادة على القدر الواجب، وهل الأمر بالشيء نهي عن ضده. ويَختبر كل قاعدة في وقائع عملية؛ فتدخل النيابة في حج العاجز والميت وصوم الولي عن الميت، وتدخل الرخصة في التيمم والفطر للمسافر والقصر وبعض المعاملات، ويُبحث فرض الكفاية من خلال الأحكام التي يكفي حصولها من بعض المكلفين، بينما تظهر قاعدة مقدمة الواجب في عشرات المسائل التي يتوقف امتثال التكليف فيها على فعل آخر.
ويَبحث كذلك أهلية التكليف وما يتصل بها؛ فيتعرض لحكم الأفعال قبل ورود الشرع، وتكليف الغافل والسكران والنائم والمجنون، ويُميِّز بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، فيقرر أن بعض الأحكام الوضعية قد تثبت في حق من لا يصح تكليفه بالفعل، كالضمان المترتب على الإتلاف. ثم يناقش اشتراط التمكن من الفعل، وأثر الإكراه، وخطاب الكفار بفروع الشريعة، ويستخرج من هذه الأصول آثارًا في العبادات والعقود والضمانات والأنكحة وغيرها.
ثم يَدخل في أدلة الأحكام، فيبدأ بالكتاب وما يرتبط بفهم خطابه من مباحث اللغة. ولا يعامل البحث اللغوي بوصفه استطرادًا، بل يَعقد له أبوابًا لأن تنزيل النصوص والعقود والأيمان والإقرارات والوصايا والطلاق وسائر التصرفات القولية متوقف على دلالة الألفاظ. فيبحث الوضع، وتقسيم الألفاظ، والاشتقاق، والترادف والتأكيد، والاشتراك، والحقيقة والمجاز، وما يَعرض للكلام من احتمالات تُخل بالفهم، ثم يُفرد قسمًا للحروف التي تشتد حاجة الفقهاء إلى معرفة دلالاتها، وقسمًا لكيفية الاستدلال بالألفاظ.
ويُفصِّل في الحقيقة والمجاز واستعمال اللفظ في أكثر من معنى، والعلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي إذا غلب أحد الاستعمالين، ودلالة الإضمار والزيادة والنقص، ثم يَجعل لهذه المباحث فروعًا في الاعتكاف والطلاق والأيمان والإقرار والوصايا وغيرها. وقد يصل إلى فرع فقهي من مسألة تبدو لغوية خالصة؛ فالبحث في إمكان استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه يترتب عليه مثلًا حكم من أراد بعبارة واحدة معنيين مختلفين، والبحث في ترجيح الحقيقة أو المجاز ينعكس مباشرة على تفسير ألفاظ المتعاقدين والحالفين والمطلقين.
ويَعتني بالحروف والأدوات عناية خاصة، فيبحث الواو ودلالتها على مطلق الجمع أو الترتيب، وغيرها مما تتغير به الأحكام بتغير الصلات بين أجزاء الكلام. ثم يَضع ترتيبًا لفهم خطاب الشارع؛ فإذا دار اللفظ بين معنى شرعي وعرفي ولغوي بَحث أيها يقدم، ويجعل لذلك آثارًا في تفسير النصوص وفي تنزيل الألفاظ على الوقائع. وهنا يظهر اتصال أصول الفقه عنده بالقواعد اللغوية من جهة، وبصياغات الفقهاء والمتعاملين في حياتهم العملية من جهة أخرى.
ويُفصِّل بعد ذلك في الأوامر والنواهي، فيَبحث صيغة الأمر ودلالتها، وهل الأمر المجرد يقتضي الفور أو التراخي أو لا يدل على واحد منهما، وهل الأمر بالأمر بالشيء يُعد أمرًا بذلك الشيء، وما يترتب على تكرار الأمر أو تعلقه بأسباب متعددة. ثم يَنتقل إلى النهي، ومن أهم مسائله دلالة النهي على فساد المنهي عنه، عارضًا الأقوال في كونه مقتضيًا للفساد مطلقًا أو غير مقتض له أو مفرقًا بين العبادات والمعاملات. ويَخرج على هذه المسائل أحكامًا في الوكالة والطلاق والعبادات والعقود وغيرها، بحيث يَظهر أثر الخلاف في دلالة الصيغة في الحكم الفقهي نفسه.
ويَستقصي في باب العموم والخصوص صيغ العموم وما تدخل تحته من أفراد، ودلالات الأسماء والجمع والشرط والنفي ونحوها، ثم الخصوص ووسائل تخصيص العام وتقييد المطلق. ويَفرِّق في المخصصات بين ما يكون لفظيًّا وما لا يكون كذلك، ويَذكر من غير اللفظ النية والعرف الشرعي والعرف الاستعمالي، ثم يطبق ذلك على الأيمان والطلاق والوقف والإقرار وغيرها. فقول الحالف مثلًا قد يَضيق عمومه بنيته، وقد يُفهم بحسب العرف الشرعي أو الاستعمال الغالب، لكن النية نفسها لا تُحمل على معنى لا يحتمله اللفظ بوجه معتبر.
ويَبحث المجمل والمبين، فيناقش ما يحتاج من الخطاب إلى بيان، ووجوه البيان، وما يترتب على تأخره أو اختلاف كيفية فهمه، ثم يَعقد للناسخ والمنسوخ مباحث تتصل بزوال الحكم السابق وبقاء ما وراءه، وأثر النسخ في الفروع. ولا يترك هذه الأبواب في مجال النصوص الشرعية وحدها، بل يَبحث نظائرها الفقهية كلما أمكن أن تكشف القاعدة عن وجه حكم من أحكام المذهب.
ويَنتقل إلى السنة من جهتين: أفعال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخباره. ففي الأفعال يَبحث ما تدل عليه أفعاله صلى الله عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة بحسب القرائن وامتناع بعض الأفعال في غير الموضع الذي وردت فيه، ويَستخرج من ذلك أحكامًا عملية. وفي الأخبار يتناول مسائل الرواية وقبول المخبر وشروطه، ومن ذلك اشتراط العدالة وأثر الفسق والستر، ثم يُقارن هذه القواعد بصور فقهية في أخبار الأطباء والمخبرين عن الماء ورؤية الهلال والدعوات وغيرها.
ثم يُخصِّص للإجماع بحثًا يبدأ بتعريفه بأنه اتفاق المجتهدين من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على حكم، ويناقش حجيته والإجماع السكوتي، وما إذا كان سكوت بقية المجتهدين بعد اشتهار قول أحدهم إجماعًا أو حجة أو لا هذا ولا ذاك، وأثر انقراض العصر. ويَبحث كذلك إمكان اتفاق أهل عصر لاحق على أحد الأقوال التي اختلف فيها من قبلهم، وهل يتحول ذلك إلى إجماع مانع من الاجتهاد، وما إذا كان تغير وصف المسألة بعد انعقاد الإجماع يُبقي حكمها السابق بمجرد الاستصحاب أو يفتح باب الاجتهاد من جديد.
ويُوسِّع الكلام في القياس ليَشمل مجالات وقوعه وطرق اكتشاف العلة وكيفية إلحاق الفروع بأصولها؛ فيبحث جريان القياس في الحدود والكفارات والتقديرات والرخص، والقياس في اللغة، ثم دلالة ترتيب الحكم على الوصف المناسب على علية ذلك الوصف، والإيماء إلى العلة، والتعليل بالمظنة، وتردد الفرع بين أصلين يشبه أحدهما في الصورة والآخر في المعنى، واعتراض الخصم على العلة المستنبطة، وتعليل الحكم الواحد بأكثر من علة، ومسألة مقارنة المعلول لتمام علته أو تأخره عنها. وهذه المباحث هي من أوضح المواطن التي يتحقق فيها عنوان الكتاب؛ لأن كل قاعدة في العلة والقياس تُتبع بفروع من أبواب فقهية متباعدة تكشف مقدار ما يمكن لقاعدة واحدة أن تنتجه من أحكام.
ويَعرض بعد القياس الأدلة المختلف فيها، فيُميِّز منها ما يقبله وما يرده. ومن أبرز ما يبحثه الأصل في المنافع والمضار بعد ورود الشرع، ثم الاستصحاب، مقررًا أن «الأصل بقاء ما كان على ما كان» وأن الحادث يقدر في أقرب زمن، ويُفرِّع على ذلك مسائل دقيقة في النكاح والوكالة والملك والشهادة والوصايا والحمل والعتق والطلاق والقصاص والسلم وغيرها. ولا يكتفي بإيراد الفروع المتفقة مع الاستصحاب، بل يَشير إلى مواضع يرى أن المنقول فيها خرج عن مقتضى القاعدة أو يحتاج إلى توجيه آخر.
ويَبحث في الجانب الآخر قول الصحابي رضي الله عنه، فيُفرِّق بين ما لا مجال للاجتهاد فيه، حيث يكون للقول أو الفعل دلالة خاصة لاحتمال التوقيف، وبين المسائل الاجتهادية التي وقع الخلاف في حجية قول الصحابي رضي الله عنه فيها. ويَنقل نصوصًا للشافعي رضي الله عنه يستند فيها إلى أقوال أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم، ويُوازن بين هذه النصوص وبين التقعيد الأصولي في حجية قول الصحابي رضي الله عنه وإمكان تقليده وتخصيص العموم بقوله.
ويُعالج التعادل والترجيح بوصفه مرحلة تالية لتعارض الأدلة؛ فيبحث إمكان تعادل الدليلين الظنيين وما يفعله المجتهد عند استوائهما، ثم يقرر أن إعمال الدليلين من وجه أولى من إسقاط أحدهما بالكلية متى أمكن الجمع. ويتناول تعارض العامين من وجه، والحاجة عندئذ إلى مرجح، ويفرع على ذلك مسائل في الصلاة والوصايا والبينات وغيرها. كما يَبحث الحالات التي يتزاحم فيها مقتضي الوجوب ومقتضي التحريم، أو المستحب والمنهي عنه، ويَنظر في تغليب جانب دفع المفسدة أو غيره بحسب قوة الأدلة والقرائن.
ولا يَتعامل الإسنوي مع المذهب الشافعي على أنه مجموعة أجوبة يجب أن تتوافق قسرًا مع القاعدة؛ بل من خصائص الكتاب أنه يَكشف مواضع التوتر بين التقعيد الأصولي والمنقول الفقهي. فقد يقول إن فرعًا «مخالف للقاعدة»، أو يعترض على ما نقله الرافعي أو النووي، أو يَذكر أن مقتضى كلام الأصحاب غير ما صححه بعض المتأخرين، ثم يناقش مستند كل جهة. ففي مسألة ترادف البطلان والفساد عند الشافعية مثلًا يَجمع الصور التي فرّق فيها الفقهاء عمليًّا بين الباطل والفاسد، ثم يَعترض على حصر النووي تلك الصور في مسائل معينة ويزيد عليها نظائر أخرى.
ويَبلغ هذا المسلك غايته حين لا يجد الإسنوي حكمًا منقولًا في المسألة؛ فلا يكتفي بالصمت، بل يصرح أحيانًا بأن الفرع «يتجه تخريجه» على قاعدة معينة، أو بأن «القياس» يقتضي حكمًا، ثم يبني الصورة الجديدة على الأصول والنظائر. ولهذا تنتشر مسائل الكتاب في أبواب فقهية شديدة التنوع: فالقاعدة اللغوية قد تُنتج حكمًا في الطلاق، والقاعدة المتعلقة بالظن قد تنتقل إلى الطهارة والقبلة وأوقات العبادات، والاستصحاب يدخل في الملك والأنساب والعقود والعدة، والتعارض والترجيح يَظهران في الصلاة والجنازة والمعاملات. وهذا الانتقال المقصود بين أبواب الفقه هو جوهر عمل التخريج الذي أراد المؤلف تدريب الناظر عليه.
ويَختم مباحثه بالاجتهاد والإفتاء، فيناقش جواز الاجتهاد في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قدرة المجتهد على العمل بالظن مع إمكان الوصول إلى اليقين في بعض الصور، وحكم تقليد المجتهد غيره، وتقليد غير المجتهد، وانتقال المقلد بين المفتين أو المذاهب، وإعادة الاجتهاد إذا تكررت الواقعة، وكيف يتصرف العامي إذا اختلفت عليه الفتاوى، وهل يجب عليه اتباع الأعلم أو الأورع، ثم قضية تصويب المجتهدين وتخطئتهم في الفروع. ويقرر في المسألة الأخيرة أن في كل واقعة حكمًا معينًا عليه دليل ظني، وأن المجتهد المخطئ معذور، ثم يَخرج على ذلك مسائل القضاء والقبلة والاقتداء بالمخالف وتنفيذ الأحكام الاجتهادية.
ويُحوِّل «التمهيد» بهذا البناء دراسة أصول الفقه إلى ممارسة مستمرة للتخريج؛ فالقارئ لا يَمر بقاعدة إلا ويرىها وهي تُختبر على أجوبة المذهب: مرةً يوافقها الفرع فينكشف مأخذه، ومرةً يخالفها فيبحث الإسنوي سبب المخالفة، ومرةً لا يكون في المسألة نقل فيستخرج هو ما تقتضيه الأصول والنظائر. ولذلك لم يَسمِّ الكتاب «التمهيد» لمجرد كونه مقدمة في علم الأصول، بل صرّح بأن مراده تمهيد طريق الوصول إلى «مقام استخراج الفروع من قواعد الأصول» والارتقاء إلى رتبة أهل التخريج؛ وهي الغاية التي ينتظم حولها الكتاب من أول تعريف للحكم الشرعي إلى آخر مسائل الاجتهاد والفتوى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














