
نبذة عن الكتاب:
يَجمع عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتاب «الفوائد الأصولية» جملةً من المباحث والتنبيهات المتفرقة في أصول الفقه، استخرجها من النظر في الأحاديث وكتب الأصول والفقه وشروح السنة، وليست مصنفةً على هيئة كتاب أصولي مرتب يستوعب أبواب العلم من أولها إلى آخرها. وإنما تأتي في صورة فوائد مستقلة قصيرة أو مطولة، يَعرض في كل واحدة منها مسألة أصولية محددة، أو دليلًا عليها، أو اعتراضًا على قاعدة مشهورة، أو تصحيحًا لتخريج أصولي، أو مناقشةً لعبارة في كتاب من كتب الأصول. ومن أبرز ما يميزها كثرة الاستدلال المباشر بالنصوص الحديثية، ثم اختبار القاعدة الأصولية في ضوء تلك النصوص لا الاكتفاء بنقل تقريرات المتأخرين.
ويَبدأ بفوائد في دلالات الألفاظ، فيستدل بحديث النهي عن نبيذ الجر الأخضر وسؤال الراوي عن الأبيض على العمل بالمفهوم، ثم يَبحث المراد بلفظ «الواجب» في كلام الشارع، ويستدل بمقابلته بالتحريم على أن الوجوب حقيقة شرعية في الفرض، ويَذكر من آثار ذلك الاستدلال على فرضية غسل الجمعة. كما يستخرج من اقتران شهادة الزور بالشرك، واقتران الكفر بالدَّين في الاستعاذة، ما يؤيد اعتبار دلالة الاقتران في مواضعها.
ويَعترض على إطلاق القاعدة المشهورة: «لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة» بما ورد في تفسير آية الخيط الأبيض والخيط الأسود، إذ عمل بعض الصحابة رضي الله عنهم بظاهر الآية قبل نزول قيد {مِنَ الْفَجْرِ}، فكانوا يربطون خيطين حتى يتبين أحدهما من الآخر، ثم جاء البيان بعد ذلك بأن المراد بياض النهار وسواد الليل. ولا يَفصل المعلمي النص عن القاعدة، بل يضع الرواية مباشرةً في مقابل الإطلاق الأصولي داعيًا إلى إعادة النظر في مدى عمومه.
ويَستدل بتحول أهل قباء إلى الكعبة بخبر الواحد على إمكان أن يكون خبر الواحد كافيًا في العمل بما يرفع حكمًا متواترًا، ثم يلفت إلى حجية «تروك» النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الاستدلال، ويُمثِّل بعدم أمر الحائض بقضاء الصلاة مع أمرها بقضاء الصيام؛ فترك الأمر بالقضاء مع تكرر الواقعة واستقرار البيان ذو دلالة في الحكم.
ويَناقش قاعدة الشاطبي في «الموافقات» أن الأمر بالمطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد، وأن تخصيص هيئة أو وقت أو صفة لعبادة مطلقة يحتاج إلى دليل. ويُطبِّق ذلك على مسألة الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند الذبح، فيَفرق بين من يصلي عليه مطلقًا في هذا الموطن لعموم فضل الصلاة عليه، وبين من يلتزمها التزامًا خاصًّا معتقدًا أن هذا الموضع مطلوب على جهة الخصوص. فإذا كان المنع منصبًا على الالتزام الخاص أو على ما يوهم مشروعية هيئة مخصوصة بلا دليل، ظهرت وجهته، أما مجرد الفعل الداخل في أصل مشروع عام فلا يكفي لمنعه هذا التعليل.
ويُورد فائدةً في نقد الاحتجاج بعمل أهل المدينة، مستدلًّا بما ورد في التكبير في الصلاة عند الخفض والرفع؛ إذ خفيت هذه السنة أو ضعف العمل بها حتى استنكرها بعض من سمعها ثم نسبها الصحابة رضي الله عنهم إلى صلاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويَضيف إلى ذلك السلام من الصلاة مرتين، ليُبيِّن أن اندراس سنة أو ضعف ظهورها في المدينة في زمن لاحق يمنع من جعل مجرد العمل المتأخر فيها حجةً معارضةً للنقل الصحيح.
ويُحرِّر الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب؛ فيرد جعل الاحتجاج بحديث «وجعلت تربتها طهورًا» على اختصاص التيمم بالتراب من باب مفهوم اللقب، ويَجعله من مفهوم الصفة؛ لأن لفظ «تربة» قيد للأرض، بخلاف الاسم العلم في قول نحو «على زيد زكاة»، فالاسم هناك لا يمكن حذفُه مع بقاء كلام تام يؤدي المقصود، أما القيد الوصفي فيمكن حذفُه وتبقى الجملة مستقيمة. ويَربط حجية مفهوم الصفة بكون ذكر القيد زائدًا على ما يحتاج إليه أصل صحة الكلام، فإذا لم تظهر لذكره فائدة سوى التخصيص قويت دلالته على نفي الحكم عما عداه.
ويَطيل في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة، فيناقش أهم ما استدل به القائلون بصحتها من القياس والإجماع. ويَرفض القياس على عبد أمره سيده بالخياطة ونهاه عن دخول الدار، فدخلها وخاط فيها؛ لأن الخياطة مصلحة محسوسة يحصل مقصودها بمجرد وقوع الفعل ولو لم يقصد العبد الامتثال، بينما الصلاة عبادة لا تكتمل بحركاتها الظاهرة وحدها، بل يقوم معناها على الطاعة والقصد. ومن ثم لا يُسلِّم بأن تحقق صورة الصلاة في المكان المغصوب نظير تحقق الخياطة فيه.
ثم يَناقش دعوى الإجماع على صحة صلاة الغاصب في الأرض المغصوبة، ويَجعل استدلالهم بعدم نقل أمر السلف بقضاء الصلوات غير كافٍ لإثبات الإجماع؛ لأن عدم النقل لا يساوي نقل الاتفاق، وربما وُجد خلاف ثم اندرس. كما يرد إلزام الغزالي للإمام أحمد بأن القول ببطلان الصلاة في المغصوب يقتضي بطلان معاملات من كان في ذمته مظلمة؛ لأن فعل الصلاة في الدار نفسها استعمال للعين المغصوبة، بينما البيع أو الزواج أو الصلاة مع بقاء دين أو مظلمة في الذمة ليست هي نفس فعل ترك رد المال، فلا يستوي البابان.
ويَتعرض لمسألة موافقة الشافعي لزيد بن ثابت رضي الله عنه في الفرائض، فيرفض أن تكون الموافقة الواسعة دليلًا لازمًا على التقليد المحض؛ لأن مسائل الفرائض الخلافية محدودة، ويمكن أن تتفق فيها أنظار المجتهدين أكثر من أبواب واسعة كالصلاة. ويَجعل موافقة الشافعي لزيد رضي الله عنه مبنيةً على الترجيح بالدليل وما لزيد من مزية في هذا العلم، لا على التسليم بقوله لمجرد شخصه، مع تقرير أن ظاهر منهج الشافعي لا يَمنع مخالفة الصحابي رضي الله عنه إذا قام الدليل على غير قوله.
ويَبحث مفهوم العدد من حديث «أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كن لها حجابًا من النار»، ثم سؤال المرأة عن الاثنين وإثبات الحكم لهما. ويَنقل استدلال ابن التين وعياض بذلك على أن مفهوم العدد ليس حجة، ثم اعتراض ابن حجر بأن دلالته ليست قطعية وإنما محتملة. ويَرجِّح المعلمي ما ذهب إليه ابن التين وعياض، مع مناقشة الاستدلال بمفهوم الموافقة في الروايات التي وقع فيها السؤال عما دون العدد المذكور.
ويُفصِّل بصورة منهجية في تعارض قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم وفعله، فيبني صور المسألة بحسب أمور متعددة: هل القول خاص به صلى الله عليه وسلم أو خاص بالأمة أو يعمه ويعمها؟ وهل للقول مفهوم؟ وهل مع الفعل دليل خاص على التأسي به أو لا يوجد إلا دليل التأسي العام؟ وهل قام دليل على اختصاص الفعل به؟ ثم يوزع الأحكام بين النسخ والتخصيص والترجيح والوقف وعدم التعارض بحسب كل صورة ومعرفة المتقدم والمتأخر. وهذا من أكثر مواضع الكتاب تركيبًا؛ إذ لا يكتفي بقاعدة واحدة من قبيل «القول مقدم على الفعل»، بل يجعل الحكم تابعًا لطبيعة الدلالتين والخصوص والعموم ودليل التأسي والاختصاص.
ويَتناول الوصف المناسب ومسالك تقسيمه، فيَنبه إلى اضطراب عبارات الأصوليين في تعريف «المؤثر» و«الملائم» و«الغريب»، ويقارن بين «جمع الجوامع» وابن الحاجب والإسنوي والآمدي والبيضاوي. ويَرجِّح في تفسير المؤثر أن يكون الوصف المناسب قد ثبت بنص أو إجماع أنه علة للحكم، ثم يُعيد ترتيب صور الملاءمة بالنظر إلى اتحاد عين الوصف أو جنسه، واتحاد عين الحكم أو جنسه، مع التمييز بين النظر إلى الأصل والفرع والنظر إلى أصل آخر يشهد للوصف بالاعتبار.
ويَعيد صياغة مراتب المناسب بطريقة تطبيقية؛ فإذا وجدت مناسبة لحكم في صورة لم يرد فيها الحكم، فإما أن يَشهد الشرع بخلافها فتكون ملغاة، أو لا يشهد لها ولا عليها فتدخل في المصالح المرسلة، أو يشهد باعتبارها في صورة أخرى. فإذا ثبت بنص أو إجماع أن عين الوصف علة لعين الحكم كان مؤثرًا، وإلا نُظر إلى مدى اتحاد الوصف والحكم أو جنسهما، ثم إلى وجود أصل آخر يشهد لهذا الوصف بالاعتبار؛ فإذا لم يوجد كان غريبًا، وإذا وجد كان ملائمًا. ويُمثِّل لذلك بالإسكار في الخمر والنبيذ، وولاية الأب على الصغير والمجنون، والقوت والادخار، ونظائرها.
ويَستدل في آخر فوائده على أن صيغة «افعل» موضوعة للوجوب بحديث غزوة الفتح، حيث قيل أولًا للصحابة رضي الله عنهم إن الفطر أقوى لهم فعدَّه الراوي رخصة، ثم جاء الأمر الصريح «فأفطروا» فوصفه الراوي بأنه عزيمة؛ فاستفاد المعلمي من انتقال الوصف من الرخصة إلى العزيمة دلالة الصيغة الآمرة على الإلزام عند تجردها مما يصرفها.
ويَختم بالتعليق على حكاية أوردها الشاطبي عن مناظرة ابن سريج لأبي بكر بن داود الظاهري في ظاهر قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، حيث ألزمه بما دون الذرة. ويَستبعد صحة الحكاية؛ لأن الظاهرية لا يَحصرون مدلول النص في صورة تؤدي إلى إنكار ما تثبته القواطع العقلية والنقلية والإجماع، فلا يصح تصوير منهجهم في الأخذ بالظاهر على هذا الوجه الساذج.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:













