
نبذة عن الكتاب:
يَشرح محمد بن محمود البابرتي الحنفي في كتاب «الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب» مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه شرحًا يقوم على تحليل عباراته ومناقشة أدلته وأجوبة شراحه، مع عناية خاصة بمواضع الخلاف بين الأصوليين والحنفية. وقد بيَّن البابرتي في مقدمته أن ابن الحاجب اختصر كتاب «الإحكام» للآمدي اختصارًا اشتدت معه كثافة العبارة، ثم صرَّح بأن من مقاصد شرحه نقد المواضع التي اعترض فيها ابن الحاجب وغيره على أصحاب أبي حنيفة، والكشف عن صحة كثير من تأويلاتهم وأجوبتهم التي استبعدها مخالفوهم.
ولا يَقف البابرتي عند بيان مراد ابن الحاجب، بل يَختبر العبارة نفسها من جهة صحة الحد، ودقة التقسيم، ولزوم الدليل، وسلامة الجواب عن الاعتراض. ولذلك تتكرر في شرحه صيغ مثل «وفيه نظر»، و«ولقائل أن يقول»، و«وأقول»، ويَرد بها على المصنف والشراح معًا، وقد يَرى أن الإيجاز أخلَّ بالمعنى أو جعل التركيب قريبًا من الإلغاز. ومن أمثلة ذلك اعتراضه في أول الكتاب على حصر مباحث المختصر في المبادئ والأدلة والاجتهاد والترجيح، ومناقشته إدخال الإجماع والقياس تحت اسم «الأدلة السمعية»، وتنبيهه إلى أن الترجيح نفسه داخل في الاجتهاد من جهة استفراغ الفقيه وسعه في معرفة الأقوى من الأدلة.
ويَبدأ بمبادئ أصول الفقه وتعريف هذا العلم وموضوعه وغايته واستمداده، فيَناقش حد أصول الفقه وحد الفقه، وما يَدخلهما وما يخرج عنهما، ويَعرض اعتراضات الشراح على قيود التعريف ثم يَضيف اعتراضاته الخاصة. ويَبحث معنى القواعد، والاستنباط، والأحكام الشرعية الفرعية، والأدلة التفصيلية، والاستدلال، ويَناقش هل المراد بالعلم في حد الفقه اليقين أو التصديق الأعم أو التصور، ثم يَقترح صياغة يَراها أدق في بيان حقيقة الفقه.
ويَتناول استمداد أصول الفقه من الكلام والعربية والأحكام، ويَناقش وجه توقف الأصول على كل واحد منها. ففي الكلام يَبحث علاقة معرفة الله تعالى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم بحجية الأدلة، وفي العربية يَربط الاستنباط بفهم دلالات الألفاظ من العموم والخصوص والاشتراك والترادف والحقيقة والمجاز، لكنه يَعترض على بعض طرق التعبير عن هذا الاستمداد ويَنبّه إلى أن الاجتهاد والاستنباط كانا معروفين قبل تدوين علوم النحو والتصريف والبيان بصورتها الاصطلاحية.
ثم يَبحث الدليل والنظر والعلم، فيَعرض التعريفات المختلفة للدليل عند الفقهاء والمتكلمين والمتقدمين والمتأخرين، وما إذا كان الدليل يشمل ما يفيد الظن أو يختص بما يفيد العلم، ويناقش التعريفات المبنية على اصطلاحات المنطق. ويُفصِّل في إمكان تعريف العلم، وأدلة القائلين بأنه ضروري أو مكتسب، وحده بأنه صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، وما يَرد على هذا الحد من اعتراضات، ثم يَبحث تقسيم العلم إلى تصور وتصديق، والضروري والمكتسب، وعلاقة الحد بالتصور والدليل بالتصديق.
ويَتوسع بعد ذلك في المباحث اللغوية التي ينبني عليها فهم الخطاب، فيَبحث الوضع والاستعمال والحقيقة والمجاز والاشتراك والنقل والترادف والاشتقاق، ثم صيغ العموم والخصوص وما تفيده الألفاظ بحسب الوضع والقرائن. ويَعرض أدلة من جعل بعض الصيغ حقيقة في العموم، ومن جعلها للخصوص، ومن توقف فيها، ثم يَناقش حجج كل فريق من جهة اللغة والاستعمال والأصل في الحقيقة والمجاز والاشتراك.
ويُفصِّل في الأمر والنهي ودلالاتهما، وما يقتضيه الأمر من وجوب أو ندب، والفور والتراخي والتكرار، وما يتصل بتكليف ما لا يطاق والأمر بالمعدوم ومقدمات المأمور به. ثم يَبحث النهي من جهة مقتضاه، وما يترتب عليه من فساد المنهي عنه أو عدمه بحسب محل النهي وتعلقه بذات الفعل أو وصفه.
ويَشرح العموم والخصوص والتخصيص، ويَبحث صيغ العموم، والجمع المنكر، وأسماء الشرط، والنكرة في سياق النفي، والعام المخصوص، وأنواع المخصصات. وتبرز في هذه المواضع مناقشته لأصول الحنفية، ولا سيما قوة دلالة العام؛ فهو يَنقل الخلاف بين من يجعل العام ظاهرًا ظني الدلالة ومن يَقرر له قوة أعلى قبل التخصيص، ثم يَبني على ذلك مسائل تعارض العام والخاص، وتخصيص العموم بالقياس، وكيفية الجمع بين النصوص.
ويَبحث المطلق والمقيد وأحوال حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم أو السبب أو اختلافهما، ويَعرض مذهب الشافعي وأصحابه في الحمل ومذهب أبي حنيفة في إبقاء المطلق على إطلاقه إذا أدى الحمل إلى إبطال دلالته في العمل. كما يُناقش الفرق بين التقييد والتخصيص وعلاقتهما بالنسخ، ويَعترض على بعض الحجج التي سوت بين رفع الإطلاق ورفع العموم.
ويَتناول المجمل والمبين والظاهر والنص والتأويل وطرق البيان، ويَبحث تأخير البيان عن وقت الخطاب وعن وقت الحاجة، فيَعرض مذهب ابن الحاجب في جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، ومذهب الصيرفي والحنابلة في المنع، وتفصيل الكرخي وأبي الحسين بين المجمل وغيره، ثم يُناقش أدلة الأقوال واعتراضاتها.
ثم يَبحث النسخ من حيث حقيقته وشروطه وأقسامه وما يجوز نسخه وما لا يجوز، وعلاقة النسخ بالبيان والتخصيص والتقييد، ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة أو العكس، ونسخ الأصل وأثره في الفرع المقيس عليه. وفي هذه الأخيرة يَخالف البابرتي اختيار ابن الحاجب في بعض المواضع دفاعًا عن الحنفية؛ فعندما قرر المصنف أن نسخ حكم أصل القياس يقتضي سقوط حكم الفرع، اعترض البابرتي بأن العلة هي الموجبة لحكم الأصل، ولا يلزم من ارتفاع حكم الأصل زوال العلة عن الفرع.
وبعد استكمال المبادئ يَنتقل إلى الأدلة الشرعية، ويَذكرها في ترتيب المتن: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال. ويُقدِّم البحث فيها على الاجتهاد والترجيح؛ لأن معرفة كيفية الاستنباط والموازنة بين الأدلة متوقفة على تصور الأدلة نفسها وحجيتها.
ويَبحث القرآن الكريم من جهة حده ونقله ودلالته، وما يتعلق بالقراءات والألفاظ والدلالات الداخلة في الاستنباط، ثم يَنتقل إلى السنة، فيَبحث أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وحجية الفعل النبوي وما يَدل عليه إذا عُرفت صفته أو جُهلت. ويَعرض أقوال الأصوليين في وجوب التأسي بالفعل النبوي أو ندبه أو إباحته، ويَناقش أدلتهم من القرآن الكريم والسنة والإجماع والقياس.
ويُفصِّل في الأخبار، فيَبحث المتواتر والآحاد وشروط قبول الرواية، والمرسل، ومراتب الرواة، وما يوجب العمل بخبر الواحد. ويَتناول شروط الراوي من البلوغ والعقل والعدالة والضبط وغيرها، ويناقش طرق معرفة هذه الصفات وما يقدح فيها، ثم يَعرض اختلاف الأصوليين في الأخبار التي تعارض القياس أو تخالف الأصول العامة.
ويَبحث الإجماع من حيث حقيقته وحجيته وشروط أهله وإمكان انعقاده ونقله، وما إذا كان اتفاق أهل عصر بعد خلاف سابق إجماعًا، وحكم الإجماع السكوتي، واتفاق أهل المدينة، ومسائل انقراض العصر. ويَتناول كذلك قول الصحابي رضي الله عنه، فيَذكر الاتفاق على أنه ليس حجة على صحابي آخر، ثم يَعرض الخلاف في حجيته على غير الصحابة، وأقوال الشافعي وأحمد وغيرهما، وأدلة من قدَّمه على القياس أو نفى حجيته.
ويُعطي القياس عناية واسعة، فيَشرح حقيقته وأركانه وشروط الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، ويَعرض صور القياس المركب والاعتراضات التي ترد عليه، مع أمثلة فقهية من مسائل الحنفية والشافعية يظهر فيها اختلاف تعيين العلة أو منع حكم الأصل.
ثم يَستقصي مسالك العلة، فيَبدأ بالإجماع والنص الصريح، ثم الإيماء والتنبيه، والسبر والتقسيم والمناسبة والشبه والدوران وغيرها، ويَشرح كيف يَثبت بكل طريق كون الوصف علة للحكم، وما يَرِد على كل مسلك من الاعتراض. كما يَتناول تنقيح المناط وما يرتبط بحذف الأوصاف غير المؤثرة، والفرق بين الوصف المناسب والطردي.
ويَعرض الاعتراضات على القياس بتفصيل، مثل منع حكم الأصل، ومنع وجود العلة، والمطالبة، والنقض، وعدم التأثير، والقلب، والقول بالموجب، والمعارضة. ويَقسم عدم التأثير إلى ما يقع في الوصف أو الأصل أو الحكم أو الفرع، ويُبيِّن إلى أي اعتراض أصولي يرجع كل قسم، وهو ما يجعل مباحث القياس في الكتاب مرتبطة مباشرة بصناعة المناظرة وإقامة الحجة ودفعها.
ويَتناول ضمن الأدلة المختلف فيها الاستصحاب وما يتصل بالبراءة الأصلية واستمرار الحكم السابق، ويناقش هل عدم الحكم نفسه يُعد مدركًا شرعيًّا، ويَعترض على إطلاق ذلك إذا كان المراد به دليلًا يُدرك به حكم شرعي، لأن الأدلة عنده لا تختلط بمجرد عدم الحكم السابق.
ثم يَنتقل إلى الاجتهاد، فيَبحث حقيقته وشروطه، وإمكان وقوع الخطأ فيه، وتجزي الاجتهاد، وحكم اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهل يجوز عليه الخطأ في الاجتهاد مع عدم الإقرار عليه. ويَعرض أدلة القائلين بالجواز من القرآن الكريم والسنة والمعقول، ثم يَناقش الاعتراضات المتعلقة بعصمة النبوة ووجوب الاتباع والفرق بين الخطأ في الاجتهاد والخطأ في التبليغ.
ويَبحث كذلك حكم النافي وهل يطالب بالدليل، ويختار المصنف مطالبته به في الحكم العقلي والشرعي إذا لم يكن النفي ضروريًّا، ثم يَشرح البابرتي وجوه الاستدلال بالنفي عن طريق الاستصحاب أو انتفاء اللازم أو فقد الشرط ووجود المانع، ويناقش حدود استعمال القياس في إثبات الأحكام السلبية.
ثم يَتناول التقليد بوصفه مقابلًا للاجتهاد، فيَبحث حقيقته، والفرق بين التقليد وبين اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم أو الإجماع أو رجوع العامي إلى المفتي، ثم يَناقش التقليد في العقليات والفروع. ويَقرر أن غير المجتهد يلزمه التقليد في الفروع، ويَعرض شروط من يجوز استفتاؤه، وحكم استفتاء مجهول الحال، وتقليد المفضول مع وجود الفاضل، وانتقال العامي من مجتهد إلى آخر، والتزام مذهب معين.
ويَبحث إفتاء غير المجتهد بمذهب إمام مجتهد، فيَعرض الأقوال في جوازه، ويَنقل اختيار جوازه لمن كان مطلعًا على مآخذ المذهب وأهلًا للنظر، ويميز بين مجرد نقل قول الإمام وبين الإفتاء به وفهم مأخذه. كما يُناقش حكم تكرار الاجتهاد عند تكرر الواقعة، وجواز خلو العصر من المجتهد، وتقليد المفضول، والانتقال بين أقوال المجتهدين.
ويَختم مباحث الأصول بالترجيح، فيُعرِّفه باقتران الأمارة بما يقويها على معارضها، ويَجعل مجاله الأدلة الظنية؛ إذ لا تعارض بين دليلين قطعيين، ولا بين قطعي وظني. ثم يَقْسم الترجيح بحسب نوع المتعارضين إلى منقولين، أو معقولين، أو منقول ومعقول.
وفي ترجيح المنقولين يَبحث المرجحات المتعلقة بالسند والمتن والمدلول والأمور الخارجية. فمن مرجحات السند كثرة الرواة، وزيادة العدالة والضبط والعلم والورع والفطنة، وقرب الراوي من الواقعة، وكونه صاحب القصة أو مباشرًا لها، وعلو الإسناد، واتفاق الرواية، وكون الحديث في كتاب عُرف بالصحة. ولا يَنقل البابرتي هذه المرجحات بلا مناقشة، بل يعترض على عدد منها؛ فيَنبه مثلًا إلى أن قرب الراوي من الواقعة لا يكفي وحده إذا عارضته قوة أخرى في العدالة والعلم والضبط.
ويَبحث في المتن ترجيح النهي على الأمر في بعض الصور، والحقيقة على المجاز، والأقل احتمالًا على الأكثر، ومفهوم الموافقة على المخالفة، والاقتضاء على الإشارة والإيماء، والخاص على العام، والعام الذي لم يخصص على المخصوص، والمقيد والمطلق. ثم يَتناول الترجيح بحسب المدلول، مثل الحظر والإباحة والوجوب والندب والإثبات والنفي، ويَعرض وجوه كل ترجيح والاعتراضات الممكنة عليه.
ويَنتقل إلى المرجحات الخارجية، مثل موافقة دليل آخر، أو عمل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، أو قوة دليل التأويل، أو التصريح بعلة الحكم، أو معرفة سبب ورود الخبر، أو القرائن الدالة على تأخره. ثم يَبحث ترجيح القياسات بعضها على بعض بحسب قوة حكم الأصل والعلة ومسلك إثباتها ووضوحها وانضباطها وتعديها، ويُرتب المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، ويَذكر الضروريات المتعلقة بالدين والنفس والنسب والعقل والمال ضمن وجوه الترجيح بالمناسبة.
ويَظهر موقف البابرتي من مادة الكتاب في اعتراضاته المتكررة حتى داخل مباحث الترجيح نفسها؛ فلا يَعتبر كل مرجح أورده ابن الحاجب مسلَّمًا، بل يَختبر مقدار تأثيره في قوة الظن، ويفرق بين ما يَزيد الدلالة فعلًا وما لا يَثبت له هذا الأثر. ومِن ثمَّ يمتد اسم «الردود والنقود» إلى طريقة الشرح كلها: شرحٌ لعبارة المختصر، ثم تحرير لمحل النزاع، فعرض لحجج المذاهب، وردود متبادلة بينها، ثم نظر جديد من البابرتي في قوة الدليل وصحة الاعتراض، مع حضور واضح لأصول الحنفية في مسائل العام والمطلق والنسخ والقياس والتعارض والترجيح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














