مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب التبصرة في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي PDF
كتاب التبصرة في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي PDF

نبذة عن الكتاب:

يفصّل أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي في كتاب «التبصرة في أصول الفقه» مسائل هذا العلم من خلال بناء جدلي يقوم على تحرير محل النزاع ثم إثبات المختار بالدليل ومناقشة حجج المخالفين والجواب عنها، ولذلك تتتابع مسائله في صورة دقيقة تبدأ بتقرير الحكم الأصولي ثم حكاية الأقوال المقابلة وسوق الأدلة والاعتراضات. ويبدأ الشيرازي بمسائل الأمر والنهي، فيعرف الأمر بأنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، ويفصل بين حقيقة الأمر وبين إرادة الآمر للفعل، مستدلًا بقصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل عليه السلام، كما يعتمد في تحرير دلالات الصيغ على استعمال العرب وتقسيم أهل اللسان للكلام إلى أمر ونهي وخبر واستخبار.
ويقرر أن للأمر صيغة موضوعة في اللغة هي «افعل»، وأنها إذا تجردت من القرائن اقتضت الوجوب، ثم يتتبع ما يعرض لهذه الدلالة من أحوال؛ فيبحث الأمر بعد الحظر، وهل يقتضي التكرار أو تكفي فيه مرة واحدة، وهل يقتضي الفور، وما يتعلق بالأمر المؤقت، والقضاء بعد فوات الوقت، ودلالة الأمر على إجزاء المأمور به وسقوط الطلب عند الإتيان بالفعل على الوجه الذي تناوله الخطاب. ولا يعالج هذه الفروع اللفظية منفصلة عن آثارها الفقهية، بل يختبر كل أصل بالأمثلة من الصلاة والصوم والحج والوكالة وسائر الأحكام، مع التفريق المستمر بين ما تدل عليه الصيغة بنفسها وما يثبت بقرينة أو بدليل زائد.
ويتوسع في دلالات الألفاظ من خلال العموم والخصوص، فيثبت للألفاظ العامة مقتضاها ويبحث وجوه تخصيصها بالكتاب والسنة وخبر الواحد والقياس والأدلة العقلية، ويفرق بين التخصيص والنسخ؛ فالتخصيص عنده بيان لما أريد باللفظ العام لا إسقاط له من أصله. ويقرر أن اللفظ العام الوارد بسبب خاص يبقى على عمومه إذا كان مستقلًا بنفسه ولا يقتصر حكمه على سببه، وإذا تقابل خاص وعام بُني العام على الخاص ما دام الجمع بينهما ممكنًا. ويتناول كذلك الاستثناء وشروط اتصاله وما يصح استثناؤه، ثم ينتقل إلى المجمل والمفصل والحقيقة والمجاز، مثبتًا وقوع المجاز في القرآن ومبينًا صوره من الزيادة والنقص والتقديم والتأخير والاستعارة.
ويبحث البيان من جهة وقته وصلته بالمجمل والعام، ويميز بين ما يجب اتصاله بالكلام كالاستثناء وبين الدليل المستقل الذي يمكن تأخيره إلى وقت الحاجة، لأن البيان إنما يجب عند الحاجة إلى العمل حتى يقع الفعل على الوجه المراد. ثم يعالج المطلق والمقيد، فلا يجعل مجرد ورود القيد في حكم سببًا لغويًا كافيًا لنقله إلى حكم آخر مختلف، بل يفتقر الجمع بينهما عند اختلاف الحكم إلى دليل. ويناقش «دليل الخطاب» فيقرر أن تعليق الحكم على صفة يدل على مخالفة ما عداها، ويستدل لذلك باستعمال الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبما تقتضيه إضافة الصفة في كلام العرب من التمييز بين الموصوف وغيره.
ويفرد لأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم مسائل تبين كيفية الاستدلال بها، فيقرر أن ما عُلم أنه فعله على وجه الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة تشاركه الأمة فيه ما لم يقم دليل على الخصوص، مستندًا إلى الأمر بالاتباع وإلى رجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى أفعاله في معرفة الأحكام. أما الفعل الذي لم يعلم الوجه الذي صدر عليه فيتوقف في تحديد حكمه حتى يقوم الدليل، فلا ينقل بمجرد وقوعه إلى الوجوب أو الندب دون مستند يبين صفته.
ويعالج النسخ بوصفه أصلًا مستقلًا، فيثبت جوازه عقلًا وشرعًا، ويناقش الاعتراض القائل بأن تغير الحكم يقتضي البداء، فيقرر أن الناسخ لا يكشف علمًا حادثًا لله تعالى وإنما يرفع الحكم في الوقت الذي سبق العلم بتحديده. ويجيز أن يكون النسخ إلى مثل الحكم الأول أو إلى أخف منه أو أشد، كما يجيز نسخ الأمر قبل حلول وقت فعله، ويعود في ذلك إلى قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وإلى إمكان تعلق التكليف بالاعتقاد والعزم قبل وقوع الفعل. ويفصل بعد ذلك في الأدلة التي يقع بها النسخ، فلا يجيز نسخ القرآن بالسنة ولو كانت متواترة، ويجيز في أحد القولين نسخ السنة بالقرآن، ولا يجيز النسخ بالقياس، كما يناقش أثر نسخ الأصل في الفروع المقيسة عليه ويفرق بين الزيادة على النص وبين حقيقة نسخه.
وينتقل إلى الأخبار فيبدأ من دلالة صيغة الخبر نفسها، ثم يبحث المتواتر وما يحصل به العلم، وأخبار الآحاد وشروط قبولها ووجوب العمل بها. ويفرق بين كون مضمون خبر الواحد ظنيًا وبين كون وجوب العمل بالخبر المقبول ثابتًا بالدليل، ولذلك لا يرى في العمل به إزالة لليقين بمجرد الشك. ويقرر قبول خبر الواحد ولو انفرد بروايته شخص واحد، محتجًا بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم رسله وعماله وقضاته أفرادًا، وبعمل الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأخبار الآحاد، ولا يشترط العدد الذي اشترطه بعض المخالفين.
ويمضي في تفصيل أحوال الرواية، فيقبل خبر الواحد في المسائل التي تعم بها البلوى كما يقبله في غيرها، ويقدمه على القياس عند التعارض لأن الخبر تصريح بالنقل عن صاحب الشرع والقياس استنباط لقصده بطريق الظن. كما يقبل زيادة الثقة إذا لم تناف رواية غيره، ولا يجعل إرسال أحد الراويين للحديث أو وقفه قادحًا في رواية من وصله أو رفعه. وفي المقابل لا يحتج بمراسيل غير الصحابة رضي الله تعالى عنهم لجهالة حال الواسطة، ويقبل مراسيل الصحابة رضي الله تعالى عنهم على المذهب الذي يقرره، ويعامل قول الصحابي رضي الله تعالى عنه «أمرنا» أو «نهينا» أو «من السنة كذا»، وكذلك قوله «كنا نفعل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، معاملة الرواية المسندة في دلالتها على السنة.
ويثبت في مسائل الإجماع أن اتفاق العلماء على حكم الحادثة حجة مقطوع بها، ويناقش منكري حجيته من النظام والإمامية، مستدلًا بالنصوص وبما يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين. ثم يفصل فيمن ينعقد بهم الإجماع وما يقع فيه الإجماع وما يترتب على استقرار أقوال المجتهدين، ومن ذلك أنه إذا استقر خلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؛ لأن حصرهم الخلاف في القولين يتضمن إبطال ما عداهما، وإن بقي الاجتهاد جائزًا في طلب الصواب من أحد القولين.
ويبحث التقليد ابتداءً من التفريق بين أصول الدين وفروعه، فيمنع التقليد في أصول الديانات لأن المطلوب فيها العلم والقطع، ولا يحصل ذلك بمجرد قول المقلَّد، بينما تقوم الفروع في كثير من طرقها على الظن ويشق إلزام العامة بالإحاطة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس وطرق الاستنباط. كما يمنع العالم القادر على النظر من تقليد عالم آخر، لأن امتلاكه آلة الاجتهاد يوجب عليه الرجوع إلى الدليل لا العدول عن نظره إلى نظر غيره، ويفصل في دعوى جواز تقليد الأعلم وفي الفرق بين حال المجتهد وحال العامي الذي لا يملك طريق الاستقلال بالنظر.
ويجعل القياس من أوسع مباحث الكتاب، فيبدأ بإثبات النظر والاستدلال طريقًا للتمييز بين الحق والباطل، ثم يثبت جواز التعبد بالقياس في الأحكام الشرعية ويرد اعتراضات النظام ومن وافقه. ويقرر أن العلل الشرعية ليست عللًا موجبة للأحكام بذواتها على نحو العلل العقلية، وإنما هي أمارات نصبها الشرع للدلالة على الأحكام، ومن ثم يجوز أن تعرف العلة بدليل ثم يحمل الفرع على الأصل عند تحققها. وبعد تقرير الجواز يثبت وقوع التعبد بالقياس فعلًا، مستدلًا بحديث معاذ، وباجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبكتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه في قياس الأمور ومعرفة الأشباه والنظائر، ويفسر ما ورد عن السلف في ذم الرأي بأنه ذم للرأي المخالف للنص لا للقياس المستند إلى أصول الشرع.
ولا يقف عند إثبات أصل القياس، بل يتوغل في صناعة العلة وشروطها وطرق الاعتراض عليها؛ فيقرر أن القياس لا يصح حتى تثبت علة الأصل، وأن تنصيص صاحب الشرع على العلة يقتضي إجراء الحكم حيث وجدت. ويجيز القياس في الحدود والكفارات والمقدرات متى ثبتت العلة بطريق معتبر، كما يجيز ابتداء حكم بالقياس وإن لم يسبق نص على جنسه إجمالًا إذا لم يصادم نصًا أو إجماعًا. ثم يناقش تأثير العلة وطردها ونقضها وتخصيصها، فيرفض تخصيص العلة المستنبطة ويعد وجودها دون حكم نقضًا لها، ويتتبع دقائق المناظرة من المعارضة والنقض والقلب وقلب التسوية، وما يجوز للسائل والمسؤول الاحتجاج به على أصول كل منهما.
ويفصل في تعارض العلل ومراتب الترجيح بينها، فيبحث تقديم العلة الناقلة عن حكم الأصل على المبقية عليه، وما إذا تعارضت علة للحظر وأخرى للإباحة، أو علة لإثبات الحد وأخرى لإسقاطه، ويرجح بعض العلل بكثرة فروعها أو قلة أوصافها أو تعدد الأصول التي تشهد لها، كما يناقش المفاضلة بين الصفات الذاتية والأحكام في بناء العلل. ومن خلال هذه المسائل يظهر أن الترجيح عنده ليس اختيارًا ذوقيًا، وإنما طلب لمزية معتبرة تزيد أحد الدليلين قوة على الآخر.
ويناقش الاستحسان بقدر كبير من التحرير، فيبطل منه ما فسر بأنه ترك القياس لما يستحسنه الإنسان من غير دليل، لأن ذلك يفتح الحكم الشرعي للرأي المجرد ويجعل العالم والعامي في الاستحسان سواء. لكنه يقرر أنه إن أريد بالاستحسان العدول عن حكم النظائر لدليل يخص المسألة أو العمل بأقوى الدليلين فلا نزاع في صحة المعنى، إذ يجب ترك الدليل الأضعف للأقوى، وإنما يبقى الخلاف في تحقق هذا الدليل في التطبيقات التي تسمى استحسانًا.

ويعقد بعد ذلك مسائل الاجتهاد، فيقرر أن الحق في أصول الديانات واحد، ثم يطرد هذا الأصل في الفروع فيجعل الحق من أقوال المجتهدين واحدًا له دليل يجب طلبه، خلافًا لمن جعل كل مجتهد مصيبًا. ولهذا لا يجيز تكافؤ دليلين في الحادثة تكافؤًا تامًا، بل لا بد عنده من مزية ترجح أحدهما. ويتصل بذلك بحثه الدقيق لأقوال الشافعي رحمه الله؛ فيبين أن تخريج المسألة على قولين لا يعني اعتقاد قولين متضادين في وقت واحد، فقد يكون أحدهما قديمًا رجع عنه في الجديد، أو يذكر القولين ويبين ترجيح أحدهما، أو يذكرهما لكون وجوه النظر قد تزاحمت ولم يتبين له الترجيح قبل وفاته. ويرفض نسبة قول إلى الشافعي رحمه الله لمجرد إمكان تخريجه على أصوله إذا لم ينص عليه أو يدل عليه بما يقوم مقام النص، مؤكدًا أن القول لا ينسب إلى ساكت.
ويتناول الاجتهاد بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيجيزه، كما يقرر جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام في الحوادث التي لها مجال للاجتهاد، ويناقش إمكان وقوع الخطأ في اجتهاده صلى الله عليه وسلم مع عدم إقراره عليه وتنبيه الوحي إليه. ثم يبحث استصحاب حكم الإجماع في موضع الخلاف فلا يجعله دليلًا، لأن محل الخلاف غير المحل الذي انعقد فيه الإجماع، ويفرق بين ذلك وبين استصحاب براءة الذمة حيث يبقى دليل العقل قائمًا. ويقرر كذلك أن من يقطع بنفي حكم فعليه دليل كما أن المثبت يحتاج إلى دليل، وقد يكون عدم الدليل نفسه طريقًا إلى نفي الوجوب إذا كان من شأن التكليف الشرعي أن ينصب طريقًا لمعرفة ما أوجبه.
ويصل في آخر مسائله إلى حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، فيختار الوقف فلا يحكم لها بالإباحة ولا بالحظر، لأن الإباحة والحظر حكمان شرعيان ولا مزية لأحدهما قبل ورود الدليل. ويرد القول بالحظر والقول بالإباحة معًا، مبينًا أن ورود الشرع تارة بالتحريم وتارة بالإباحة يدل على أن العقل لم يوجب قبل الشرع واحدًا منهما، وأن الوقف ليس حكمًا ثالثًا من جنس التحليل والتحريم، وإنما هو امتناع عن إثبات واحد منهما حتى يرد ما يكشف الحكم.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أبو إسحاق الشيرازي
الشيخ الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفَيْرُوزَابَادِي الشيرازي الشافعي، نزيل بغداد، قيل: لقبه جمال الدين. مولده في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. تفقه على: أبي عبد الله البَيْضَاوِي، وعبد الوهاب بن رَامِين بشيراز، وأخذ بالبصرة عن الخَرْزِي. وقدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمائة، فلزم أبا الطيب، وبرع، وصار معيده، وكان يضرب المثل بفصاحته وقوة مناظرته. وسمع من أبي علي بن شَاذَان، وأبي بكر البَرْقَانِي، ومحمد بن عبيد الله الخَرْجُوشِي. حدث عنه: الخطيب، وأبو الوليد البَاجِي، والحُمَيْدِي، وإسماعيل بن السَّمَرْقَنْدِي، وأبو البدر الكَرْخِي، والزاهد يوسف بن أيوب، وأبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، وأبو الحسن بن عبد السلام، وأحمد بن نصر بن حَمَّان الهَمَذَانِي، خاتمة من روى عنه. قال السَّمْعَانِي: هو إمام الشافعية، ومدرس النظامية، وشيخ العصر. رحل الناس إليه من البلاد، وقصدوه، وتفرد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المرضية. جاءته الدنيا صاغرة فأباها، واقتصر على خشونة العيش أيام حياته. صنف في الأصول والفروع والخلاف والمذهب، وكان زاهدًا، ورعًا، متواضعًا، ظريفًا، كريمًا، جوادًا، طلق الوجه، دائم البشر، مليح المحاورة. حدثنا عنه جماعة كثيرة. حكي عنه، قال: كنت نائمًا ببغداد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر، فقلت: يا رسول الله، بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك حديثًا أتشرف به في الدنيا، وأجعله ذخرًا للآخرة. فقال لي: يا شيخ، وسماني شيخًا، وخاطبني به، وكان يفرح بهذا: «قل عني: من أراد السلامة، فليطلبها في سلامة غيره». قال السَّمْعَانِي: سمعت هذا بمرو من أبي القاسم حيدر بن محمود الشيرازي، أنه سمع ذلك من أبي إسحاق. وعن أبي إسحاق: أن رجلًا أخسأ كلبًا، فقال: مه! الطريق بينك وبينه. وعنه: أنه اشتهى ثريدًا بماء باقلاء، قال: فما صح لي أكله لاشتغالي بالدرس وأخذي النوبة. قال السَّمْعَانِي: قال أصحابنا ببغداد: كان الشيخ أبو إسحاق إذا بقي مدة لا يأكل شيئًا، صعد إلى النَّصْرِيَّة، وله بها صديق، فكان يثرد له رغيفًا، ويشربه بماء الباقلاء، فربما صعد إليه وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال أبو بكر الشاشي: أبو إسحاق حجة الله على أئمة العصر. وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء. قال القاضي ابن هانئ: إمامان ما اتفق لهما الحج، أبو إسحاق، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدَّامَغَانِي. أما أبو إسحاق فكان فقيرًا، ولو أراده لحملوه على الأعناق. والآخر لو أراده لأمكنه على السندس والإستبرق. السَّمْعَانِي: سمعت أبا بكر محمد بن القاسم الشَّهْرَزُورِي بالموصل يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: أي سكتة فاتتك. قال: وكان يتوسوس، يعني في الماء. وسمعت عبد الوهاب الأَنْمَاطِي يقول: كان أبو إسحاق يتوضأ في الشط، ويشك في غسل وجهه، حتى يغسله مرات، فقال له رجل: يا شيخ، ما هذا؟ قال: لو صحت لي الثلاث ما زدت عليها. قال السَّمْعَانِي: دخل أبو إسحاق يومًا مسجدًا ليتغدى، فنسي دينارًا، ثم ذكر، فرجع، فوجده، ففكر، وقال: لعله وقع من غيري، فتركه. قيل: إن ظاهرًا النيسابوري خرج لأبي إسحاق جزءًا، فقال: أخبرنا أبو علي بن شاذان. ومرة: أخبرنا الحسن بن أحمد البزاز. ومرة: أخبرنا الحسن بن أبي بكر الفارسي. فقال: من ذا؟ قال: هو ابن شاذان. فقال: ما أريد هذا الجزء، التدليس أخو الكذب. قال القاضي أبو بكر الأنصاري: أتيت أبا إسحاق بفتيا في الطريق، فأخذ قلم خباز، وكتب، ثم مسح القلم في ثوبه. قال السَّمْعَانِي: سمعت جماعة يقولون: لما قدم أبو إسحاق نيسابور رسولًا، تلقوه، وحمل إمام الحرمين غاشيته، ومشى بين يديه، وقال: أفتخر بهذا. وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلامذته وأتباعه، وكفاهم بذلك فخرًا، وكان ينشد الأشعار المليحة، ويوردها، ويحفظ منها الكثير. وعنه قال: العلم الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالمًا ولا يكون عاملًا. وقال: الجاهل بالعالم يقتدي، فإذا كان العالم لا يعمل، فالجاهل ما يرجو من نفسه؟ فالله الله يا أولادي! نعوذ بالله من علم يصير حجة علينا. قيل: إن عبد الرحيم بن القُشَيْرِي جلس بجنب الشيخ أبي إسحاق، فأحس بثقل في كمه، فقال: ما هذا يا سيدنا؟ قال: قرصي الملاح، وكان يحملهما في كمه للتكلف. قال السَّمْعَانِي: رأيت بخط أبي إسحاق رقعة فيها نسخة ما رآه أبو محمد المَزِيدِي: رأيت في سنة ثمان وستين ليلة جمعة أبا إسحاق الفَيْرُوزَابَادِي في منامي يطير مع أصحابه في السماء الثالثة أو الرابعة، فتحيرت، وقلت في نفسي: هذا هو الشيخ الإمام مع أصحابه يطير وأنا معهم. فكنت في هذه الفكرة، إذ تلقى الشيخ ملك، وسلم عليه عن الرب تعالى، وقال: إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول: ما تدرس لأصحابك؟ قال: أدرس ما نقل عن صاحب الشرع. قال له الملك: فاقرأ علي شيئًا أسمعه. فقرأ عليه الشيخ مسألة لا أذكرها. ثم رجع الملك بعد ساعة إلى الشيخ، وقال: إن الله يقول: الحق ما أنت عليه وأصحابك، فادخل الجنة معهم. قال الشيخ أبو إسحاق: كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت، أخذت قياسًا آخر على هذا، وكنت أعيد كل درس ألف مرة، فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به، حفظت القصيدة التي فيها البيت. كان الوزير ابن جَهِير كثيرًا ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد عصره، وفريد دهره، ومستجاب الدعوة. قال السَّمْعَانِي: لما خرج أبو إسحاق إلى نيسابور، خرج معه جماعة من تلامذته، كأبي بكر الشاشي، وأبي عبد الله الطبري، وأبي معاذ الأندلسي، والقاضي علي المَيَانِجِي، وقاضي البصرة ابن فِتْيَان، وأبي الحسن الآمِدِي، وأبي القاسم الزَّنْجَانِي، وأبي علي الفَارِقِي، وأبي العباس بن الرُّطْبِي. قال ابن النجار: ولد أبو إسحاق بفَيْرُوزَابَاد، بليدة بفارس، ونشأ بها، وقرأ الفقه بشيراز على أبي القاسم الدَّارَكِي، وعلى أبي الطيب الطبري صاحب المَاسَرْجِسِي، وعلي الزَّجَّاجِي صاحب ابن القاص، وقرأ الكلام على أبي حاتم القَزْوِينِي صاحب ابن الباقلاني، وخطه في غاية الرداءة. قال أبو العباس الجرجاني القاضي: كان أبو إسحاق لا يملك شيئًا، بلغ به الفقر حتى كان لا يجد قوتًا ولا ملبسًا. كنا نأتيه وهو ساكن في القَطِيعَة، فيقوم لنا نصف قومة؛ كي لا يظهر منه شيء من العري. وكنت أمشي معه، فتعلق به بَاقِلَّانِي، وقال: يا شيخ، كسرتني وأفقرتني! فقلنا: وكم لك عنده؟ قال: حبتان من ذهب أو حبتان ونصف. وقال ابن الخَاضِبَة: كان ابن أبي عقيل يبعث من صُور إلى الشيخ أبي إسحاق البذلة والعمامة المثمنة، فكان لا يلبس العمامة حتى يغسلها في دجلة، ويقصد طهارتها. وقيل: إن أبا إسحاق نزع عمامته، وكانت بعشرين دينارًا، وتوضأ في دجلة، فجاء لص، فأخذها، وترك عمامة رديئة بدلها، فطلع الشيخ، فلبسها، وما شعر حتى سألوه وهو يدرس، فقال: لعل الذي أخذها محتاج. قال أبو بكر بن الخَاضِبَة: سمعت بعض أصحاب أبي إسحاق يقول: رأيت الشيخ كان يصلي عند فراغ كل فصل من «المهذب». قال نظام الملك، وأثنى على أبي إسحاق، وقال: كيف حالي مع رجل لا يفرق بيني وبين نَهْرُوز الفراش في المخاطبة؟ قال لي: بارك الله فيك. وقال له لما صب عليه كذلك. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانِي: حكى أبي، قال: حضرت مع قاضي القضاة أبي الحسن المَاوَرْدِي عزاء، فتكلم الشيخ أبو إسحاق واجلًا، فلما خرجنا، قال المَاوَرْدِي: ما رأيت كأبي إسحاق! لو رآه الشافعي لتجمل به. أخبرني الحسن بن علي، أخبرنا جعفر الهَمَذَانِي، أخبرنا السِّلَفِي: سألت شجاعًا الذُّهْلِي عن أبي إسحاق، فقال: إمام أصحاب الشافعي، والمقدم عليهم في وقته ببغداد. كان ثقة، ورعًا، صالحًا، عالمًا بالخلاف علمًا لا يشاركه فيه أحد. قال محمد بن عبد الملك الهَمَذَانِي: ندب المقتدي بالله أبا إسحاق للرسلية إلى المعسكر، فتوجه في آخر سنة خمس وسبعين، فكان يخرج إليه أهل البلد بنسائهم وأولادهم، يمسحون أردانه، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به، وخرج الخبازون، ونثروا الخبز، وهو ينهاهم، ولا ينتهون، وخرج أصحاب الفاكهة والحلواء، ونثروا على الأساكفة، وعملوا مداسات صغارًا، ونثروها، وهي تقع على رؤوس الناس، والشيخ يعجب، وقال لنا: رأيتم النثار، ما وصل إليكم منه؟ فقالوا: يا سيدي، وأنت أي شيء كان حظك منه؟ قال: أنا غطيت نفسي بالمحفة. قال شِيرَوَيْه الدَّيْلَمِي في «تاريخ همذان»: أبو إسحاق إمام عصره، قدم علينا رسولًا إلى السلطان ملكشاه، سمعت منه، وكان ثقة، فقيهًا، زاهدًا في الدنيا على التحقيق، أوحد زمانه. قال خطيب الموصل أبو الفضل: حدثني أبي، قال: توجهت من الموصل سنة 459 إلى أبي إسحاق، فلما حضرت عنده رحب بي، وقال: من أين أنت؟ فقلت: من الموصل. قال: مرحبًا، أنت بلديي. قلت: يا سيدنا، أنت من فَيْرُوزَابَاد. قال: أما جمعتنا سفينة نوح؟ فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبب إلي لزومه، فصحبته إلى أن مات. توفي ليلة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة ببغداد، وأحضر إلى دار أمير المؤمنين المقتدي بالله، فصلى عليه، ودفن بمقبرة باب أَبْرَز، وعمل العزاء بالنظامية، وصلى عليه صاحبه أبو عبد الله الطبري، ثم رتب المؤيد بن نظام الملك بعده في تدريس النظامية أبا سعد المُتَوَلِّي، فلما بلغ ذلك النظام، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة من أجل الشيخ. وعاب على من تولى، وأمر أن يدرس الإمام أبو نصر عبد السيد بن الصَّبَّاغ بها. قلت: درس بها الشيخ أبو إسحاق بعد تمنع، ولم يتناول جامكية أصلًا، وكان يقتصر على عمامة صغيرة وثوب قطني، ويقنع بالقوت، وكان الفقيه رافع الحمال رفيقه في الاشتغال، فيحمل شطر نهاره بالأجرة، وينفق على نفسه وعلى أبي إسحاق، ثم إن رافعًا حج وجاور، وصار فقيه الحرم في حدود الأربعين وأربعمائة. ومات أبو إسحاق، ولم يخلف درهمًا، ولا عليه درهم. وكذا فليكن الزهد. وما تزوج فيما أعلم. وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا، كـ«المهذب»، و«التنبيه»، و«اللمع في أصول الفقه»، و«شرح اللمع»، و«المعونة في الجدل»، و«الملخص في أصول الفقه»، وغير ذلك. ومن شعره: أحب الكأس من غير المدام وألهو بالحسان بلا حرام وما حبي لفاحشة ولكن رأيت الحب أخلاق الكرام وقال: سألت الناس عن خل وفي فقالوا: ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت بود حر فإن الحر في الدنيا قليل ولعاصم بن الحسن فيه: تراه من الذكاء نحيف جسم عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعاني فليس يضيره الجسم النحيل ولأبي القاسم بن نَاقِيَاء يرثيه: أجرى المدامع بالدم المهراق خطب أقام قيامة الأماق خطب شجا منا القلوب بلوعة بين التراقي ما لها من راق ما لليالي لا تؤلف شملها بعد ابن بجدتها أبي إسحاق إن قيل مات فلم يمت من ذكره حي على مر الليالي باق وعن أبي إسحاق، قال: خرجت إلى خراسان، فما دخلت بلدة إلا كان قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من أصحابي. قال أَنُوشْتَكِين الرِّضْوَانِي: أنشدني أبو إسحاق الشيرازي لنفسه: ولو أني جعلت أمير جيش لما قاتلت إلا بالسؤال لأن الناس ينهزمون منه وقد ثبتوا لأطراف العوالي المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب التبصرة في أصول الفقه لأبي إسحاق الشيرازي PDF - مكتبة الكتب الإسلامية