مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب التلخيص في أصول الفقه لأبي المعالي الجويني PDF
كتاب التلخيص في أصول الفقه لأبي المعالي الجويني PDF

نبذة عن الكتاب:

يحرر أبو المعالي الجويني في كتاب «التلخيص في أصول الفقه» مسائل هذا العلم بدءًا من حقيقته ومقدماته العقلية، ثم ينتقل إلى الأحكام والتكليف ودلالات الألفاظ والبيان وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والأخبار والنسخ والإجماع والقياس والاجتهاد والتقليد والفتوى، مع حضور واسع لاختيارات القاضي أبي بكر الباقلاني؛ فينقل تقريراته ويناقشها ويوافق بعضها ويخالف بعضها الآخر. ويعرّف الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية، وأصول الفقه بأنها أدلته، ثم يميز بين نفس الأدلة الأصولية وبين النتائج الفقهية الظنية المستفادة منها؛ فإثبات خبر الواحد والقياس طريقين يجب العمل بهما من مسائل الأصول لقيامه على أدلة قاطعة، أما الحكم الجزئي المستنبط منهما فموضعه الفقه.

ويقدم قبل المسائل الفقهية مباحث في العلم والعقل والدليل والنظر والاستدلال، لأن بناء الأصول عنده متوقف على تحرير مراتب الإدراك وطرق الوصول إلى الأحكام. فيناقش حد العلم، ثم حقيقة العقل، وينقل اختيار الباقلاني أنه بعض العلوم الضرورية، ويختصر ذلك في كونه علومًا ضرورية باستحالة المستحيلات وجواز الجائزات. ثم يعرف الدليل بأنه ما يصح التوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم اضطرارًا، ويفرق بين الدليل والدال والمدلول والمستدل والاستدلال، ويقرر إمكان الاستدلال بالوجود والعدم والحدوث والقدم جميعًا.
ويفرق بين الأدلة العقلية والوضعية؛ فالعقلي يدل من جهة وصف قائم به لا يفتقر إلى اصطلاح، كدلالة الحدوث على المحدث، أما الوضعي فيستمد دلالته من المواضعة، ومنه ألفاظ اللغات. كما ينبه إلى أن الدليل لا يخلق مدلوله ولا يوجبه إيجاب العلة العقلية لمعلولها، وإنما يدل عليه كما هو، ولذلك يتحفظ من إطلاق عبارات من قبيل «الدليل يوجب الحكم» إلا على سبيل التجوز. ويصل ذلك بمبحث النظر، فيعرفه بأنه الفكر الذي يطلب به معرفة الحق في العلوم وغلبات الظنون، ويرفض قول من جعله مولدًا للعلم بذاته؛ فحصول العلم عقب النظر الصحيح لا يعني أن النظر خلقه أو أوجده.
ويجعل وجوب النظر ثابتًا بالسمع لا بمجرد العقل، موافقًا أصله في أن التحسين والتقبيح والوجوب والحظر أحكام شرعية لا تستقل العقول بإنشائها. ومن هنا يميز كذلك بين «الدليل» الذي اصطلح المحققون على تخصيصه بما يفضي إلى العلم، و«الأمارة» التي يتعلق بها العمل وغلبة الظن، مع إقراره بأن هذا التفريق اصطلاحي وأن جمهور الفقهاء يطلقون الدلالة على القسمين. ثم يقسم المعارف إلى ما يدرك بالعقل وحده، وما يدرك بالسمع وحده، وما يجوز إدراكه بكليهما، ويجعل الأحكام الشرعية من الوجوب والندب والإباحة والحظر من القسم الذي لا يعرف إلا بالسمع.

ويفصل بعد ذلك في التكليف، فيعرفه بإلزام الله تعالى العبد ما فيه كلفة، ثم يبحث من يصح تعلقه به. ويخرج النائم والمجنون ومن زال تمييزه من حال التكليف؛ لأن من لا يعقل الخطاب لا يتصور منه قصد الامتثال، ويفرق بين عدم التكليف في حال النوم وبين ترتب حكم بعد الاستيقاظ بسبب وقع أثناء النوم، كقضاء الصلاة أو ضمان المتلف. ويطرد ذلك في الساهي والغافل، لأن الأمر بقصد فعل مع استمرار السهو عنه يجمع بين متناقضين. وفي المقابل يجيز تعلق التكليف بالمكره إذا بقي له الاختيار والقدرة والقصد، ويستدل على ذلك بتوجه النهي عن القتل إلى من أكره عليه. كما ينفي التكليف عن الصبيان وإن ثبتت في أموالهم أو أفعالهم أسباب تترتب عليها أحكام بعد ذلك.
ويبحث الأمر والنهي من جهة حقيقة الخطاب وصيغته وما يثبت بها من وجوب أو ندب وفور أو تراخ وتكرار، ولا يفصل مباحث الألفاظ عن أصله في أن المقصود معرفة مراد المتكلم بالقرائن وطرق التوقيف، لا تحميل الصيغ معاني كلية لم يثبت وضعها لها. ويتصل بهذا موقفه من العموم؛ إذ يميل مع الباقلاني إلى الوقف في كثير من الصيغ التي ادعي وضعها للاستغراق، ويرى أن المراد من الكلام قد يعرف بالقرائن الحالية والمقالية ولو لم تكن الصيغة في ذاتها نصًا في العموم. ولذلك يطرد أصل الوقف في جملة من مسائل الأمر والنهي والأخبار والاستثناء إذا لم يثبت نقل لغوي يفصل أحد الاحتمالات من غيره.
ويعالج العام والخاص والتخصيص والاستثناء والمطلق والمقيد على هذا الأساس، فيركز على الفرق بين صلاحية اللفظ لمعنى ما وبين القطع بأن المتكلم أراده. ويجعل على المجتهد عند ورود خطاب يحتمل التخصيص أن يبحث عن المخصص بحسب قدرته من غير أن يتحدد ذلك بزمن مضبوط؛ لأن استيفاء النظر يختلف باختلاف سرعة الفهم وكثرة الأدلة، وإنما المطلوب ألا يقصر الناظر ولا يألو جهده. وفي رجوع الاستثناء بعد جمل متعددة لا يلتزم حمله دائمًا على الجملة الأخيرة ولا صرفه دائمًا إلى جميع ما سبق، بل يميل إلى الوقف لعدم ثبوت نقل لغوي يقتضي أحد الوجهين في جميع الاستعمالات.
ويفرد للبيان والإجمال بحثًا مطولًا، ويجيز تأخير البيان إلى وقت الحاجة ما لم يدخل وقت الامتثال الذي يتوقف الفعل فيه على البيان. ويرفض تشبيه الخطاب المجمل بخطاب العربي بلغة لا يفهمها؛ لأن المجمل قد يفهم منه أصل التكليف وإن خفي تفصيله، بخلاف الكلام الذي لا يعرف المخاطب لغته أصلًا. كما لا يفرق في أصل جواز التأخير بين الأوامر والنواهي والأخبار والوعد والوعيد، ويستدل بوقائع التشريع التي لم تبين فيها جميع تفاصيل الصلاة والزكاة والصيام والحج دفعة واحدة، وإنما جاء البيان على مراحل مع بقاء أصل الأمر السابق جامعًا لهذه التفاصيل.
ويتناول أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وما تدل عليه في حق الأمة، فينبه إلى أن أفعاله تشمل الواجب والمندوب والمباح، فلا يصح جعل مجرد صدور الفعل منه دليلًا عقليًا على وجوب مثله أو ندبه في حق الأمة. ويناقش الاحتجاج بقوله تعالى في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقرر أن وصف الأسوة بالحسن لا يحسم وحده جهة الحكم؛ لأن الواجب كما يوصف بالحسن يوصف به المندوب، فلا بد من دليل يبين الصفة التي وقع عليها الفعل ومحل متابعة الأمة فيه.
ويفصل في الأخبار من جهة حقيقتها ومراتبها وطرق العلم بصدقها، ثم في المتواتر وخبر الواحد. ويعرف خبر الواحد في اصطلاح الأصوليين بما لم يحصل القطع بصدقه ولا بكذبه، سواء رواه شخص واحد أم جماعة محصورة، ولذلك لا يعد خبر النبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبتت نبوته من هذا الباب وإن كان الناقل في صورة الفرد، لأن صدقه معلوم بالدليل القاطع. ويقرر أن خبر الواحد لا يوجب العلم بنفسه، وإنما يثبت وجوب العمل به بدليل قطعي نصب هذا النوع من الخبر أمارة شرعية يجب اتباعها.
ويبحث شروط الرواة والجرح والتعديل وما يؤثر في قبول الخبر، ويربط بين صدق الخبر ووجوب العمل به من غير أن يجعلهما أمرًا واحدًا؛ فقد يكون طريق العمل ظني الثبوت في نفسه مع كون وجوب اتباعه ثابتًا بطريق قطعي. كما يرفض طرح الخبر الصحيح لمجرد مخالفته قياسًا مستنبطًا؛ لأن الخبر المستوفي لشروطه نقل مصرح به عن صاحب الشريعة، أما القياس فمبناه على أن المجتهد يظن وصفًا قد نصبه الشارع علة، فالمصرح به أولى من هذا التقدير الاجتهادي عند التعارض.

ويبحث النسخ تحريرًا لحقيقته والفرق بينه وبين البيان والتخصيص، فيجعل أركانه الناسخ والنسخ والمنسوخ والمنسوخ عنه، ويقرر أن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، وأن المنسوخ هو الحكم الذي رفع بعد ثبوته. ولذلك حتى إذا قيل بنسخ تلاوة آية فإن جهة النسخ ترجع إلى حكم متعلق بالتلاوة، لا إلى انقلاب نفس الآية من وجود إلى عدم بالمعنى الذي يتوهمه اللفظ. ويخالف من جعل النسخ مجرد بيان لانتهاء مدة الحكم، ويصر على الفرق بين بيان أن الحكم لم يرد أصلًا فيما بعد وقت معين وبين رفع حكم كان ثابتًا حقيقة. ومن ثم يمنع النسخ الحقيقي في الأخبار؛ لأن الخبر يدخله الصدق والكذب، بخلاف الأوامر والنواهي التي يجوز تغير حكمها من غير لزوم خلف في الخبر.
ثم يتناول الإجماع من جهة إمكانه وحجيته ومن ينعقد بهم ومستنده وطرق نقله، ويجعله عند تحققه حجة قاطعة. ولا يشترط أن يكون مستنده نصًا صريحًا فقط، بل يناقش إمكان استناد أهل الإجماع إلى القياس؛ إذ إن القياس نفسه ثبتت حجيته بأدلة قاطعة، فلا يمتنع أن يجتمع المجتهدون على حكم مستنبط بطريقه ثم يكون إجماعهم بعد انعقاده حجة قاطعة، وإن كان الطريق الاجتهادي الذي سبق الاتفاق ظنيًا في أصله.

ويستفيض في القياس والعلة ومسالك إثباتها وما يرد عليها من الاعتراضات، ويعامل العلل الشرعية باعتبارها أمارات نصبها الشارع على الأحكام، لا أسبابًا عقلية توجب معلولاتها بذواتها. ولذلك لا يشترط فيها ما يشترط في العلل العقلية من اقتران ذاتي بين العلة والمعلول، ولا يرى أن تقدم الحكم تاريخيًا على ظهور وصف استعمل بعد ذلك في القياس يقدح في التعليل. ويبحث العلة القاصرة والمتعدية، والطرد والعكس، ويقرر أن المقصود أن يثبت الوصف أمارة للحكم بالطريق الشرعي، لا أن تتحول العلة إلى قوة موجبة للحكم استقلالًا.
ويجمع الاعتراضات على العلل ويناقش صحيحها وفاسدها، فيذكر إنكار علة الأصل وإنكار وجودها في الفرع وغير ذلك من القوادح، ويضرب لذلك أمثلة فقهية من الزكاة واللعان والطهارة والنكاح والأشربة. كما ينبه إلى فساد اعتراضات شاعت في مناظرات الفقهاء إذا لم تمس الجامع الذي أقيم عليه القياس؛ فافتراق الأصل والفرع في حكم آخر لا يمنع اجتماعهما في الحكم المقيس متى ثبتت علته. ويتصل بهذا بحث القلب والمعارضة وطرق فسادها، ويكشف من خلال هذه التطبيقات أن باب القياس عنده ليس عرضًا نظريًا لأركانه فحسب، بل تدريب على بناء الحجة ونقدها.
ويبحث ما يسمى بالاستحسان من خلال معيار الدليل، فيقبل العدول من دليل إلى دليل أقوى منه إذا أمكن إظهار وجه قوته ومناقشته، لأن هذا في الحقيقة من الترجيح بين الأدلة لا من إنشاء حكم بغير حجة. أما ترك القياس أو غيره لمجرد ما يستحسنه الناظر من غير أمارة شرعية فيرده، ويقرر أن الأمة أجمعت على بطلان القول في الأحكام بلا دليل أو أمارة وعلى فساد اتباع الهوى، وإلا أمكن لكل أحد أن يدعي الاستحسان من غير حد يضبطه.
ويصل في مباحث الاجتهاد إلى العلاقة بين المجتهد والتقليد، فيقرر أن جواز رجوع العالم إلى قول عالم مثله ليس مستحيلًا عقلًا لو ورد الشرع به، لكنه لا يثبته شرعًا لعدم قيام الدليل الذي ينصب قول المجتهد حجة في حق مجتهد آخر، فيبقى المجتهد ملزمًا بالطريق الذي ثبت له قطعًا، وهو بذل وسعه في النظر والاستدلال. ويفرق بذلك بين العامي والعالم؛ فقول المفتي قد جعله الشرع علمًا في حق العامي، أما المجتهد فلم يثبت في حقه مثل ذلك، فلا يترك ما ثبت من وجوب الاجتهاد لما لم يثبت دليل على اعتباره.
ويبحث قول الصحابي رضي الله تعالى عنه، فينقل اختلاف أقوال الشافعي في الاحتجاج به وتقديمه أو تقديم القياس عليه، ثم يرفض إثبات حجيته المطلقة في حق المجتهدين من غير دليل قاطع. فلا تكفي عنده فضيلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم وشهودهم التنزيل وقرائن الأحوال لإخراج أقوالهم الاجتهادية عن إمكان الخطأ، كما أن اختلافهم يسقط دعوى إلزام المجتهد بقول واحد منهم. ولذلك يجعل طريق الحكم في هذه المسألة هو نفسه طريق الحكم في سائر الأدلة: لا ينتصب قول أحد حجة شرعية ملزمة إلا بما يثبت انتصابه كذلك.
ويحدد شروط المفتي والمجتهد، فيشترط العلم بأصول الفقه وطرق الأدلة ودلالات الخطاب والعموم والخصوص والإجمال والتفسير، ومعرفة آيات الأحكام وما يتعلق بالأحكام من السنة، والقدر الكافي من اللغة والعربية لفهم الكتاب والسنة، ومعرفة ما يحتاج إليه من أحوال الأخبار، والإحاطة بمعظم مذاهب السلف حتى يأمن خرق الإجماع، مع الورع في الدين. لكنه يخالف الباقلاني في اشتراط التبحر في علم الكلام للمجتهد، ويقرر أن أئمة الفقه في العصور السابقة كانوا يفتون ويجتهدون من غير استكمال طرائق المتكلمين في الحجاج، وأن الفقهاء لم يجعلوا هذا التبحر شرطًا للاجتهاد.

ويجعل فرض العامي سؤال المفتي لا استنباط الأحكام الجزئية بنفسه، لأن تكليف الناس جميعًا بلوغ مرتبة الاجتهاد يؤدي إلى تعطيل المعايش وتعذر قيام جماعة منهم بطلب العلم نفسه. ومع ذلك لا يعفي المستفتي من كل نظر، بل يلزمه أن يتحرى أهلية من يسأله حتى يثبت لديه أنه ممن بلغ رتبة الاجتهاد. وإذا وجد في البلد عدة مجتهدين فلا يوجب عليه قصد أعلمهم، مستدلًا بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تفاوتوا في الفضائل ومع ذلك لم يلزموا المستفتين بالرجوع إلى واحد بعينه. كما يرد القول بأن المستفتي يأخذ دائمًا بأشد الفتاوى، لأن الشدة ليست علامة الحق، وإذا وردته فتويان معًا جاز له عنده الأخذ بأيهما شاء.
وينتهي «التلخيص» بمسألة الحظر والإباحة قبل ورود الشرع، فيردها الجويني إلى أصله في أن العقل لا ينشئ الأحكام الشرعية ولا يحسن فعلًا أو يقبحه بمعنى الإيجاب والتحريم. ويعرض قول من جعل الأشياء قبل الشرع على الإباحة وقول من جعلها على الحظر، ثم يقرر مذهب أهل الحق في نفي الحكم أصلًا قبل ورود السمع، ويبين أن المراد بـ«الوقف» هنا ليس حكمًا ثالثًا بين الحظر والإباحة، بل انتفاء الحكم الشرعي؛ لأن الإباحة نفسها إذن يحتاج إلى مبيح، والحظر خطاب منع يحتاج إلى حاظر، فإذا لم يتصل بالمكلف شرع لم يثبت واحد منهما. ولهذا يواجه أصحاب الإباحة باحتمال الضرر الذي لم يقم دليل على انتفائه، ويواجه أصحاب الحظر بأن تحريم الفعل وضده قد يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، ثم يعيد الفريقين إلى أصل واحد: إن لم تكن الإباحة والحظر أوصافًا ذاتية للأفعال، فلا مصرف لهما إلا خطاب الله تعالى، ولا سبيل إلى إثبات خطاب قبل ورود الشرع. وعند هذه النتيجة ينتهي الكلام في الكتاب.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أبو المعالي الجويني
الإمام الكبير، شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك ابن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيُّويه الجُوَيْنِي، ثم النيسابوري، ضياء الدين الشافعي، صاحب التصانيف. ولد في أول سنة تسع عشرة وأربعمائة. وسمع من أبيه، وأبي سعد النَّصْرَوِي، وأبي حسان محمد بن أحمد المُزَكِّي، ومنصور بن رامِش، وعدة. وقيل: إنه سمع حضورًا من صاحب الأصم علي بن محمد الطَّرَازِي. وله أربعون حديثًا سمعناها. روى عنه: أبو عبد الله الفَرَاوِي، وزاهر الشَّحَّامِي، وأحمد بن سهل المَسْجِدِي، وآخرون. وفي «فنون» ابن عقيل: قال عميد الملك: قدم أبو المعالي، فكلم أبا القاسم بن بَرْهَان في العباد: هل لهم أفعال؟ فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي ذا فالحجة لك. فتلا: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾، ومد بها صوته، وكرر: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾، وقوله: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: كانوا مستطيعين. فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل، فقال: والله إنك بارد، تتأول صريح كلام الله لتصحح بتأويلك كلام الأشعري. وأكله ابن بَرْهَان بالحجة، فبهت. قال أبو سعد السَّمْعَانِي: كان أبو المعالي إمام الأئمة على الإطلاق، مجمعًا على إمامته شرقًا وغربًا، لم تر العيون مثله. تفقه على والده، وتوفي أبوه ولأبي المعالي عشرون سنة، فدرس مكانه، وكان يتردد إلى مدرسة البيهقي، وأحكم الأصول على أبي القاسم الإسفراييني الإِسْكَاف. وكان ينفق من ميراثه ومن معلوم له، إلى أن ظهر التعصب بين الفريقين، واضطربت الأحوال، فاضطر إلى السفر عن نيسابور، فذهب إلى المعسكر، ثم إلى بغداد، وصحب الوزير أبا نصر الكُنْدُرِي مدة، يطوف معه، ويلتقي في حضرته بكبار العلماء، ويناظرهم، فتحنك بهم، وتهذب، وشاع ذكره، ثم حج، وجاور أربع سنين يدرس، ويفتي، ويجمع طرق المذهب، إلى أن رجع إلى بلده بعد مضي نوبة التعصب، فدرس بنظامية نيسابور، واستقام الأمر، وبقي على ذلك ثلاثين سنة، غير مزاحم ولا مدافع، مسلَّمًا له المحراب والمنبر والخطبة والتدريس، ومجلس الوعظ يوم الجمعة، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر والجمع العظيم من الطلبة، كان يقعد بين يديه نحو من ثلاثمائة، وتفقه به أئمة. أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، أخبرنا الحافظ أبو محمد المُنْذِرِي، قال: توفي والد أبي المعالي، فأقعد مكانه ولم يكمل عشرين سنة، فكان يدرس، وأحكم الأصول على أبي القاسم الإِسْكَاف، وجاور، ثم رجع. إلى أن قال: وسمع من محمد بن إبراهيم المُزَكِّي، وأبي سعد بن عَلِيك، وفضل الله بن أبي الخير المِيهَنِي، وأبي محمد الجوهري البغدادي، وأجاز له أبو نعيم الحافظ، وسمع من الطَّرَازِي. كذا قال. وقال السَّمْعَانِي: قرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي: سمعت أبا إسحاق الفيروزآبادي يقول: تمتعوا من هذا الإمام، فإنه نزهة هذا الزمان، يعني أبا المعالي الجُوَيْنِي. وقرأت بخط أبي جعفر أيضًا: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجُوَيْنِي. قلت: كان هذا الإمام، مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته، لا يدري الحديث كما يليق به، لا متنًا ولا إسنادًا. ذكر في كتاب «البرهان» حديث معاذ في القياس، فقال: هو مدون في الصحاح، متفق على صحته. قلت: بل مداره على الحارث بن عمرو، وفيه جهالة، عن رجال من أهل حمص، عن معاذ. فإسناده صالح. قال المَازَرِي في شرح «البرهان» في قوله: إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات: وددت لو محوتها بدمي. وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحًا، بل ألزم بها؛ لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة، فالله أعلم. قلت: هذه هفوة اعتزال، هجر أبو المعالي عليها، وحلف أبو القاسم القُشَيْرِي لا يكلمه، ونفي بسببها، فجاور وتعبد، وتاب، ولله الحمد، منها، كما أنه في الآخر رجح مذهب السلف في الصفات وأقره. قال الفقيه غانم المُوشِيلِي: سمعت الإمام أبا المعالي يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اشتغلت بالكلام. قال أبو المعالي في كتاب «الرسالة النظامية»: اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق فحواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في القرآن، وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى. والذي نرتضيه رأيًا، وندين الله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب. فليجر آية الاستواء والمجيء، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، و﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، و﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وما صح من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره، على ما ذكرناه. قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب، وكان يختلف إلى درس الأستاذ أبي المعالي في الكلام، فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به. وحكى الفقيه أبو عبد الله الحسن بن العباس الرُّسْتَمِي، قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه، قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور. قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهَمَذَانِي مجلس وعظ أبي المعالي، فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه. فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها، ما قال عارف قط: يا ألله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي، ما ثم إلا الحيرة. ولطم على رأسه، ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهَمَذَانِي. لأبي المعالي كتاب «نهاية المطلب في المذهب» ثمانية أسفار، وكتاب «الإرشاد في أصول الدين»، وكتاب «الرسالة النظامية في الأحكام الإسلامية»، وكتاب «الشامل في أصول الدين»، وكتاب «البرهان في أصول الفقه»، وكتاب «مدارك العقول» لم يتمه، وكتاب «غياث الأمم في الإمامة»، وكتاب «مغيث الخلق في اختيار الأحق»، وكتاب «غنية المسترشدين» في الخلاف. وكان إذا أخذ في علم الصوفية وشرح الأحوال أبكى الحاضرين، وكان يذكر في اليوم دروسًا، الدرس في عدة أوراق، لا يتلعثم في كلمة منها. وصفه بهذا وأضعافه عبد الغافر بن إسماعيل. توفي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب والده، وكسروا منبره، وغلقت الأسواق، ورثي بقصائد، وكان له نحو من أربعمائة تلميذ، كسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا حولًا، ووضعت المناديل عن الرؤوس عامًا، بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه، وكانت الطلبة يطوفون في البلد نائحين عليه، مبالغين في الصياح والجزع. قلت: هذا كان من زي الأعاجم، لا من فعل العلماء المتبعين. وقال أبو الحسن البَاخَرْزِي في «الدمية» في حقه: الفقه فقه الشافعي، والأدب أدب الأصمعي، وفي الوعظ الحسن البصري، وكيف ما هو فهو إمام كل إمام، والمستعلي بهمته على كل هام، والفائز بالظفر على إرغام كل ضِرْغَام، إن تصدر للفقه، فالمُزَنِي من مُزْنَتِه، وإذا تكلم، فالأشعري شعرة من وفرته. أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه في كتابه، عن عبد القادر الحافظ، أخبرنا أبو العلاء الهَمَذَانِي، أخبرني أبو جعفر الحافظ، سمعت أبا المعالي، وسئل عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾، فقال: كان الله ولا عرش. وجعل يتخبط، فقلت: هل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما معنى هذه الإشارة؟ قلت: ما قال عارف قط: يا رباه، إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فتنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟ وبكيت، وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير، وصاح بالحيرة، ومزق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل يقول: يا حبيبي، الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة. المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب التلخيص في أصول الفقه لأبي المعالي الجويني PDF - مكتبة الكتب الإسلامية