يفرد أبو علي الفارسي «التكملة» لمسائل التصريف وما يطرأ على بنية الكلمة من تغيير، متممًا به ما سبق أن تناوله في «الإيضاح العضدي» من أبواب النحو والإعراب. وينطلق في ترتيب مادته من التمييز بين ما يلحق أواخر الكلمات من تغيّر لا ينشأ عن اختلاف العوامل، وما يلحق ذوات الكلمات وأنفسها، ثم يبني على هذا التقسيم أبوابًا تمتد من التقاء الساكنين والوقف والهمز إلى التثنية والجمع والنسب والتصغير والمصادر والمشتقات والإعلال والإبدال والإدغام.
ويعرّف النحو بأنه علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، ثم يقسم التغير اللغوي إلى ما يلحق أواخر الكلم وما يلحق ذواتها وأنفسها. ويميز في النوع الأول بين الإعراب، الذي يتغير تبعًا لاختلاف العوامل، وبين تغيرات أخرى لا صلة لها بتغير العامل؛ كتحريك الساكن، وإسكان المتحرك، وإبدال حرف من حرف، وزيادة حرف أو نقصانه. وبهذه القسمة يحدد مجال «التكملة» قبل الدخول في تفصيل أبوابها، رابطًا مسائل الصرف والوقف والأصوات بأصل جامع يقوم على تفسير ما يعرض لبنية اللفظ.
ويفتتح التفصيل بباب التقاء الساكنين، فيبحث وقوعهما في كلمة واحدة أو كلمتين، وما يترتب على ذلك من تحريك أو إدغام، واختلاف العرب في بعض صوره. ثم تتوالى المسائل المتعلقة بالتغيير في أواخر الكلمات، فيتناول همزة الوصل ومواضع إثباتها، وما يلحق الأسماء منها، وأحكام الوقف على الصحيح والمعتل والمهموز والمقصور، وما قد يحدث في الوقف من حذف أو زيادة أو نقل للحركة. ويتبع ذلك بتخفيف الهمزة، فيبحث إلقاء حركتها على ما قبلها، وحكمها إذا تحركت وتحرك ما قبلها، وما يقع عند اجتماع همزتين.
ثم ينتقل من التغيير العارض في أواخر الكلمات إلى التغيير الواقع في بنائها، فتتسع مادة الكتاب للتثنية والجمع والنسب وإضافة الاسم إلى ياء المتكلم، والمقصور والممدود، والعدد، والتذكير والتأنيث، وجمع التكسير، والتصغير، والمصادر والمشتقات، والإمالة، وأحرف الزيادة، والإبدال والإعلال والإدغام. ولا يسوق هذه الموضوعات متفرقة، بل يرد كلًّا منها إلى ما يحدثه في صورة الكلمة، ويقسم الباب إلى أصول وفروع بحسب صحة الحروف واعتلالها وزيادتها وحذفها.
وفي التثنية والجمع يركز خاصة على ما تتغير معه بنية الاسم، فيفرق بين الصحيح والمعتل والمهموز، ويبحث ما يحدث لحروف العلة والهمز عند التثنية والجمع، ثم يفرد الأسماء المبهمة بما لها من أحكام. ويتصل بذلك بحث إضافة المنقوص وغيره إلى ياء المتكلم، وما يلحق آخر الاسم عند الإضافة من حذف أو قلب أو حركة، فتظل العناية منصبة على تعليل الصورة التي انتهى إليها اللفظ لا على مجرد تقريرها.
ويفصل النسب في أبواب متعددة، فيتناول النسب إلى الصحيح والمعتل والمهموز، وإلى الاسم المحذوف بعض أصوله، وما يرد من الحروف عند النسب وما يبقى محذوفًا، ثم النسب إلى المؤنث والمثنى والجمع والمركب. ويوازن في هذه المسائل بين المطرد والشاذ، فيجعل القياس أصلًا لتفسير الأبنية، ثم يثبت ما خرج عنه إذا صح سماعه. ويأتي العدد بعد ذلك بما يتصل بإفراده وتركيبه، وصوغ اسم الفاعل منه، وعلاقة العدد بالمعدود من جهة التذكير والتأنيث.
ويخص المقصور والممدود ببحث يجمع القياس والسماع؛ فيميز ما يعرف قصره أو مده بالمقياس مما لا يعرف إلا بالنقل عن العرب، ويرتب ألفاظه بحسب أبنيتها وحركات أوائلها، ويذكر ما يختلف معناه باختلاف القصر والمد. وينبه في هذا الموضع إلى أنه سبق أن صنف للخزانة كتابًا مبسوطًا في مقاييس المقصور والممدود، لكنه أثبت في «التكملة» من مسائله ما يجعل الكتاب مستقلًا بنفسه في موضوعاته.
وتأتي أبواب المذكر والمؤنث في مساحة واسعة، فيقرر فيها أصل التذكير وفرعية التأنيث، ويفرق بين التأنيث الحقيقي وغير الحقيقي، وبين المؤنث بعلامة والمؤنث الخالي منها. ويبحث علامات التأنيث بالتاء والألف وما ينقلب عن الألف همزة، وأبنية «فَعْلى» و«فِعْلى»، ودخول تاء التأنيث للفرق بين المذكر والمؤنث أو بين الواحد والجنس، ودخولها للمبالغة أو لأغراض لا يراد بها التأنيث الحقيقي. ويختم هذا المجال بالأسماء التي تستعمل مذكرة ومؤنثة.
ويستوعب جمع التكسير عددًا كبيرًا من الأبواب، فيتتبع أبنية الجموع بحسب بناء المفرد وعدد حروفه وزوائده، من الثلاثي إلى الرباعي وما زاد عليه، ويفرق بين الأسماء والصفات، ويتناول أسماء الأجناس، وما يجمع على غير بناء واحده، وجمع الجمع، والألفاظ المفردة التي تدل على الجماعة. وتقوم طريقته على رد صيغة الجمع إلى مفردها، والنظر في الحروف الأصلية والزائدة، ثم تفسير ما وقع فيها من حذف أو قلب أو تغير في الحركات والبناء.
ويعالج التصغير بالطريقة نفسها، فيبدأ بحقيقته بوصفه وصفًا للاسم بالصغر، ثم يتتبع تصغير الثلاثي الصحيح والمعتل والمحذوف، وما لحقته علامة التأنيث، وما ختم بألف ونون زائدتين، وما اجتمعت فيه زيادات تتزاحم عند بناء التصغير. ويمتد البحث إلى الرباعي والجمع والترخيم والأسماء المبهمة، فيكشف من خلال التصغير عن أصول حروف قد تكون محذوفة في الاستعمال، أو يبين أي الزوائد يبقى وأيها يحذف حتى يستقيم بناء المصغر.
ثم ينتقل إلى المصادر وما يشتق منها، ويقرر أصلية المصدر واشتقاق الأفعال منه، ويتناول مصادر الأفعال الثلاثية المتعدية واللازمة، ومصادر المزيد والرباعي، ثم ما يشتق من المصادر من أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الزمان والمكان. وبعد ذلك يبحث الإمالة وأسبابها وأحكامها، ويخص الراء ببعض مسائلها، جامعًا بين بنية الكلمة والأثر الصوتي للحركات والحروف المتجاورة.
ويأخذ البحث الصرفي صورة أدق عند حديثه عن أصول الحروف وزوائدها؛ فيقسم حروف الأسماء والأفعال إلى أصل وزيادة، ويبحث حروف الزيادة التي يجمعها في «اليوم تنساه»، ويبين مواضع زيادة الهمزة والألف والياء والميم والتاء والهاء وغيرها، ويستعين بتصاريف الكلمة واشتقاقاتها لمعرفة الحرف الأصلي من الزائد. ثم ينتقل إلى الإبدال، فيفرق بين إبدال يقع لأجل الإدغام وإبدال لا يتصل به، ويدرس أحوال حروف العلة في الفاء والعين واللام، وما يطرأ عليها من قلب أو حذف أو تصحيح بحسب الوزن والحركة والموقع.
ويختم الكتاب بأبواب الإدغام، فيبحث أصل الإدغام، ثم إدغام الحروف المتقاربة، وإدغام النون فيما يقاربها، وينتهي إلى الإدغام في حروف طرف اللسان وأصول الثنايا. وتظهر في هذه الأبواب الصلة الوثيقة بين التصريف والأصوات؛ إذ يعلل الإدغام والإظهار بقرب المخارج وصفات الحروف والثقل والخفة وإمكان النطق وخشية الالتباس.
وتقوم «التكملة» في مختلف أبوابها على تضافر القياس والسماع؛ فأبو علي يقيس الأبنية بعضها على بعض، ويستدل بالأصل والفرع والنظير، ويكثر من التعليل والتخريج والتأويل، لكنه لا يجعل القياس مغنيًا عن اللغة المنقولة. ولذلك يستشهد بالقرآن الكريم والقراءات والشعر وكلام العرب وأمثالهم، وينقل مذاهب الخليل وسيبويه والأخفش والمازني والمبرد وثعلب وغيرهم، ثم يناقش الأقوال ويختار بينها. ويظل أثر كتاب سيبويه ظاهرًا في ترتيب جانب كبير من الموضوعات وفي عدد من المسائل والشواهد، مع بروز اختيارات أبي علي وتحليلاته الخاصة.
وبذلك تتصل «التكملة» اتصالًا وثيقًا بـ«الإيضاح العضدي» من غير أن تكرر مادته؛ فبعد أن عالج الأول أبواب النحو والعوامل والإعراب، يتجه هذا الكتاب أساسًا إلى الكلمة في بنيتها وتحولاتها، من التقاء الأصوات والوقف والهمز إلى الجمع والتصغير والنسب والاشتقاق والإعلال والإبدال والإدغام. ولا يقف أبو علي عند وصف الصورة الصرفية، بل يردها إلى أصلها، ويبين سبب انتقالها عنه، ويوازن بين القياس والسماع في تفسير ما استقر في كلام العرب.