يعالج أبو البقاء العكبري في «إتحاف الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث» المواضع اللغوية والنحوية التي يلتبس وجهها في روايات الحديث، ولا سيما الألفاظ التي قد يقع الرواة في الخطأ أو اللحن عند نقلها وضبطها. وقد أملى الكتاب استجابةً لجماعة من طلبة الحديث سألوه مختصرًا يبيّن إعراب الألفاظ المشكلة، مؤكدًا براءة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من اللحن. واعتمد في اختيار مادته على «جامع المسانيد» لابن الجوزي، ورتبها بحسب أسماء الصحابة رضي الله عنهم على حروف المعجم، فصار الكتاب ملتقى بين رواية الحديث وصناعة النحو، غايته صيانة ألفاظ الحديث من التحريف، والكشف عن الوجوه العربية التي تستقيم عليها الرواية.
ولا يسوق العكبري الأحاديث كاملة في الغالب، وإنما ينتخب من الحديث اللفظة أو الجملة التي تحتاج إلى بيان، ثم يحدد وجه إعرابها وما يتعلق بها من رفع أو نصب أو جر أو جزم، ويقدّر ما حذف من الكلام عند الحاجة، ويبين مرجع الضمائر، ومواقع الأحوال والصفات والتمييز والمفاعيل، وأعمال الحروف والأفعال، وما يجوز في التركيب من أكثر من وجه. فإذا تعددت الأوجه النحوية ذكرها وفاضل بينها، فيقول أحيانًا إن وجهًا أجود أو أقوى، أو يصرح بأن وجهًا لا يجوز، وقد يقبل الرواية على أكثر من تخريج إذا احتملتها العربية. ومن ذلك تحليله لمعاني «أنّى» بين دلالتها على المكان والكيفية، وتوجيهه حذف المبتدأ أو القول أو حرف الجر، وبيانه تعليق بعض الأفعال عن العمل بسبب الاستفهام، وتقديره العامل المحذوف في مواضع لا يستقيم الإعراب إلا به.
ويتجاوز عمله الإعراب المحض إلى ضبط بنية اللفظة وصيغتها، فيتعرض لما قد يختل في الرواية من حركة أو حرف أو صيغة صرفية، ويفرق بين الصحيح من وجوه النطق وما لا تجيزه العربية. فيبين مثلًا ضبط «خُلوف» فم الصائم بالضم، ويتناول حذف حروف العلة وإثباتها، والإدغام والتخفيف والتشديد، وما يطرأ على الضمائر وأسماء الإشارة وأدوات الشرط والاستفهام. ويعرض أيضًا للروايات التي تختلف فيها حركة الكلمة فتتغير وظيفتها النحوية، كإجازة الرفع والنصب في بعض المواضع مع اختلاف التخريج، أو ترجيح إحدى الروايتين لسلامتها من التكلف. وإذا وجد لفظًا لا يستقيم على وجه من وجوه العربية، نسب اللحن إلى طريق الرواية، انطلاقًا من الأصل الذي قرره في المقدمة من سلامة كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من اللحن.
ويستند العكبري في توجيهاته إلى شواهد القرآن الكريم وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والشعر العربي واستعمال العرب، فيقيس التركيب المشكل على نظائره ويستدل بما يثبت الوجه الذي يختاره. كما يستحضر الخلاف بين البصريين والكوفيين في عدد من القضايا، فيذكر مذاهبهم ويختار أحيانًا أحدها، وقد يورد القولين إذا صح عنده تخريج الرواية عليهما؛ ومن ذلك الخلاف في استعمال «مِن» لابتداء غاية الزمان، وفي حقيقة «رُبَّ»، وبعض مسائل الحذف والعمل والتقدير. ولذلك لا يقف الكتاب عند تسمية الموقع الإعرابي للكلمة، بل يكشف علة الإعراب وصلته بالمعنى، ويبين لماذا يمتنع وجه ويصح آخر، وما الذي يترتب على تغيير الحركة أو تقدير المحذوف في فهم الجملة.
ويمتد بحثه أحيانًا من الصناعة النحوية إلى حل الإشكال في معنى الرواية نفسها، ولا سيما حين يكون لاختلاف التوجيه اللغوي أثر في فهم الحديث، كما يتناول ألفاظًا وردت في أثناء الرواية وإن لم تكن من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي نفسه، متى كان فيها إشكال يحتاج إلى ضبط أو تفسير. ومن هنا يجمع بين إعراب التراكيب، وبيان دلالات الحروف، وتوجيه الحذف والتقديم والتأخير، وضبط الصيغ، والتنبيه على لغة القبائل وما يحتمله الاستعمال العربي، مع الاستعانة بالشواهد لإثبات ذلك.
ويجري ترتيب الكتاب على مسانيد الصحابة رضي الله عنهم، فيبدأ بما اختاره من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، ثم يتتابع في أسماء الرواة، ويورد تحت كل مسند المواضع المشكلة وما يتعلق بها من تحليل. ويختم بمسانيد النساء، ثم يجعل قسمًا لمن عُرفن بكناهن، كأم أيوب وأم جندب وأم كلثوم رضي الله عنهن، ثم يورد مسانيد نساء لم تُعرف أسماؤهن، وتنتهي مسائله عند حديث امرأة من غفار رضي الله عنها. وبهذا يقدّم الكتاب تطبيقًا مباشرًا للنحو والصرف على ألفاظ الحديث، لا بوصفه كتابًا نظريًا في قواعد العربية، وإنما مصنفًا يرصد مواضع الإشكال واحدًا واحدًا، ويكشف وجوهها المحتملة، ويصحح ما لا يستقيم منها، بما يعين على ضبط الرواية وفهم تركيبها على سنن كلام العرب.