يبحث ابن هشام الأنصاري في «إعراب لا إله إلا الله» الأوجه النحوية التي يحتملها الاسم الواقع بعد «إلا» في كلمة التوحيد، مستجيبًا لسؤال بعض أصحابه في وضع رسالة مستقلة لهذه المسألة. ويبدأ بتقرير جواز الرفع والنصب فيما بعد «إلا»، مع بيان أن الرفع أكثر في الاستعمال، ثم يجعل مدار الرسالة على استقصاء وجوه الإعراب الممكنة ومناقشة أصولها، وما يرد عليها من اعتراضات، وما يترتب عليها من اختلاف في تقدير الخبر والعامل والعلاقة بين «لا» واسمها وما بعد «إلا». ولا يكتفي بعرض الوجه الإعرابي، بل يستحضر أقوال أئمة النحو ويوازن بينها، ولا سيما سيبويه والأخفش والشلوبين والزمخشري وابن عصفور وابن الحاجب وابن خروف وابن الضائع وابن عمرون وأبي حيان وغيرهم.
ويفصل أوجه رفع لفظ الجلالة بعد «إلا» في ستة أوجه. أولها، وهو المشهور عند جماعة من المتقدمين وأكثر المتأخرين، أن خبر «لا» محذوف، وأن ما بعد «إلا» بدل من موضع «لا» مع اسمها، أو من موضع اسمها قبل دخول «لا». ويتوسع في مناقشة هذا الوجه بسبب القاعدة التي تقضي بأن البدل على نية تكرار العامل وأنه ينبغي أن يصح إحلاله محل المبدل منه، فيعرض أجوبة الشلوبين وابن عصفور وابن الضائع وغيرهم، ويناقش الفرق بين البدل من موضع الاسم والبدل من موضع «لا» مع اسمها، وصلته بالابتداء العامل في المحل. ويقارن ذلك بمسائل نظيرة من باب «ما» الحجازية والبدل بعد النفي والاستثناء، ليستخلص الاحتمالات التي يصح بها توجيه الرفع.
والوجه الثاني أن يكون خبر «لا» محذوفًا أيضًا، ويكون ما بعد «إلا» بدلًا من الضمير المستكن في ذلك الخبر المحذوف؛ وهو تخريج يتجاوز بعض الإشكالات الواردة على البدل من موضع اسم «لا»، لأن البدل حينئذ مرفوع من ضمير مرفوع يعود على اسمها. أما الوجه الثالث فيجعل ما بعد «إلا» صفة لـ«إله» باعتبار المحل، إما محل «لا» مع اسمها، وإما محل الاسم قبل دخولها، مستندًا إلى مجيء «إلا» بمعنى «غير» في باب الوصف. ويتصل بهذا بحث تقدير خبر «لا» المحذوف، فيعرض تقديرات من نحو «في الوجود» و«كائن» و«لنا»، ويناقش ما يترتب على كل تقدير من جهة دلالة كلمة التوحيد وشمول النفي، وما أثير حول تقييد النفي بالوجود أو تركه على العموم، جامعًا بذلك بين الصناعة النحوية ودقة المعنى الذي يؤدي إليه التقدير.
ويجعل الوجه الرابع أن يكون الاستثناء مفرغًا، وأن يكون «إله» اسم «لا» المبني معها، وما بعد «إلا» خبرًا، وهو وجه منقول عن الشلوبين، ونقل ابن عمرون نسبته إلى الزمخشري. ويبحث ابن هشام الاعتراضات الموجهة إليه، ومنها القول بأن «لا» لا تعمل في الموجب أو في المعرفة، ثم يربط صحة تلك الاعتراضات بالخلاف في عمل «لا» في الخبر بعد تركيبها مع اسمها؛ فمذهب سيبويه وجمهور البصريين أنها لا تعمل في الخبر في هذه الصورة، في حين يجعل الأخفش ومن وافقه الخبر مرفوعًا بها. ومن هنا يتوسع في أثر هذا الخلاف في توجيه الجملة، وفي إمكان أن يكون خبر واحد متعلقًا بأكثر من تركيب مع «لا»، ويعرض حجج المانعين والمجيزين ولا يمر عليها من غير مناقشة.
ويعرض في الوجه الخامس تخريجًا منسوبًا إلى الزمخشري يجعل «لا إله» في موضع الخبر، وما بعد «إلا» في موضع المبتدأ، من غير حاجة إلى تقدير خبر محذوف. ويقوم هذا التوجيه على رد التركيب إلى أصل من مبتدأ معرفة وخبر نكرة، ثم تقديم الخبر، وإدخال النفي عليه، وإفادة «إلا» الحصر؛ فتجمع العبارة بين إثبات الإلهية لله تعالى ونفيها عما سواه. ويناقش ابن هشام الاعتراضات الموجهة إلى هذا التخريج، ومنها دعوى أن «لا» إنما تبنى مع المبتدأ لا الخبر، وأنه لو صح هذا الوجه لتعذر تفسير جواز النصب بعد «إلا»، مع ما يتصل بذلك من مسألة الإخبار عن النكرة بالمعرفة وتقديم الخبر.
أما الوجه السادس فيجعل «لا» مبنية مع اسمها، ويجعل ما بعد «إلا» مرفوعًا بـ«إله» على نحو ارتفاع الاسم بالوصف العامل مع استغناء هذا المرفوع عن الخبر، مستفيدًا من تفسير «إله» بمعنى «مألوه» أي معبود. ويقيس ذلك على نحو «ما قائم العمران»، ثم يعرض ما يعترض هذا التخريج من جهة إعمال الوصف الواقع مع الناسخ، ومن جهة أن عمل «إله» فيما بعده يجعله مطولًا فينشأ إشكال في بنائه وحذف تنوينه. ويجيب عن ذلك باستحضار مذهب الأخفش في إعمال الوصف مع بعض النواسخ، ومذهب ابن كيسان في حذف التنوين من نظائر هذا التركيب، فيظهر في هذا الوجه بوضوح منهجه في بناء الاحتمال ثم اختبار ما يعترضه من أصول الصناعة.
وينتقل بعد أوجه الرفع إلى وجهي النصب. فأولهما أن يكون ما بعد «إلا» منصوبًا على الاستثناء مع تقدير خبر «لا» محذوفًا. ويناقش المفاضلة بين هذا النصب وبين الرفع على البدل، فيبين أن القياس قد يقوي النصب في بعض الصور من جهة المشاكلة، مع بقاء الرفع هو الأكثر في السماع. ويعرض أقوال من منع النصب أو رجح الرفع، ويرد المسألة إلى الفرق بين ما يقتضيه القياس وما ثبت استعماله، مبينًا أن فصاحة الوجه وكثرة استعماله لا يلزم أن تتطابق دائمًا مع ما يظهر أولًا من القياس النحوي.
والوجه الثاني للنصب أن يكون الخبر محذوفًا، ويكون ما بعد «إلا» صفة لاسم «لا» على اللفظ، أو على موضعه بعد دخول «لا» لأن موضعه النصب، فتكون «إلا» بمعنى «غير». ويناقش هنا أيضًا أثر كون ما بعد «إلا» موجبًا، وما يقال في تكرار العامل، وفي عمل «لا» في المعرفة، وما استند إليه أصحاب الوجوه المختلفة من قواعد النفي والاستثناء والوصف. ثم يجمع حاصل البحث في خاتمة دقيقة، فيقرر أن للرفع ستة أوجه، غير أن وجه البدل من الموضع ينقسم باعتبار البدل من موضع اسم «لا» أو من موضع «لا» مع اسمها، فتؤول أوجه الرفع إلى سبعة، وأن للنصب وجهين، غير أن وجه الصفة يتشعب إلى الصفة على اللفظ والصفة على الموضع بعد دخول «لا»، فتؤول أوجه النصب إلى ثلاثة؛ وبذلك تبلغ الأوجه التي استخلصها في إعراب كلمة التوحيد عشرة أوجه، بعد أن ناقش أصول كل وجه واعتراضاته وصلته بالقياس والسماع والمعنى.