يجمع أبو بكر محمد بن السراج في هذا الكتاب أصول مسائل العربية في النحو والتصريف، ويرتبها في أبواب تتدرج من أقسام الكلام والعوامل والإعراب إلى مسائل الأبنية والتصريف والإدغام وضرائر الشعر. ولا يراد بـ«الأصول» هنا الاقتصار على مباحث أدلة النحو من سماع وقياس ونحوهما، بل القواعد الكلية التي تنتظم بها أبواب العربية وتُرَدُّ إليها فروعها. ويحدد ابن السراج غرضه منذ البداية بذكر العلل المطردة التي توصل المتعلم إلى كلام العرب، والعناية بالأصول والشائع في كتاب قصد فيه إلى الإيجاز، مميزًا بين العلة التي تعين على معرفة سنن كلام العرب وبين «علة العلة» التي تتجاوز ذلك إلى البحث عن الحكمة في أصل وضع الحكم.
ويفتتح الكتاب بتحديد حقيقة النحو وبيان أنه مستخرج من استقراء كلام العرب، ثم يقسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، ويفصل الفروق بين هذه الأقسام وعلامات كل منها وما يأتلف منه الكلام. فيعرف الاسم بدلالته على معنى مفرد، والفعل باجتماع المعنى والزمان فيه، ويميز الماضي والحاضر والمستقبل، ويشرح سبب تسمية الفعل المضارع ومشابهته للاسم. ثم يبحث الحرف ووظائفه، ويقسم مواقعه بحسب دخوله على الاسم أو الفعل، وربطه الاسم بالاسم أو الفعل بالفعل أو الجملة بالجملة، ودخوله على الكلام التام لإفادة معنى كالنفي والاستفهام، أو وقوعه زائدًا.
ويمهد بعد ذلك للإعراب بتمييز نوعين من التغيير الذي يلحق الاسم والفعل: تغيير يمس بنية الكلمة نفسها، كالتصغير وجمع التكسير والتصريف، وتغيير يلحق أواخر الكلمات مع بقاء بنائها، وهو الإعراب. ويشرح الرفع والنصب والخفض والجزم، ويفرق بين المعرب والمبني، ويبين إعراب المفرد والمثنى والجمع السالم وجمع التكسير، وأحكام المضارع الصحيح والمعتل، وعلامات تثنية الأفعال وجمعها وما يتصل بها من ضمائر. كما يقرر الأصل في بناء الأفعال والحروف، ويفسر دخول الإعراب على المضارع بمضارعته للأسماء، ودخول البناء على بعض الأسماء لمشابهتها الحروف.
ويجعل البحث في العوامل أساسًا لتنظيم القسم النحوي من الكتاب، فيبين ما يعمل من الاسم والفعل والحرف وما لا يعمل. فالاسم قد يعمل عمل الفعل، كما في اسم الفاعل وما شُبِّه به والمصدر، وقد يعمل بمعنى الحرف في باب الإضافة، ويفصل الإضافة الدالة على معنى اللام والإضافة الدالة على معنى «من». ويقرر أن أول عمل الفعل رفع الفاعل أو ما يقوم مقامه، ثم تأتي المنصوبات المكملة للفائدة، ويقسم الحروف العاملة بحسب اختصاصها بالأسماء أو الأفعال؛ فيدخل في ذلك حروف الجر، والحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر، والنواصب والجوازم، مع تفسير سبب عمل المختص وإهمال ما يشترك في الدخول على الأسماء والأفعال.
ويرتب الأسماء المعمولة ابتداءً بالمرفوعات، فيحصر الأسماء المرتفعة في أصناف، منها المبتدأ والخبر، والفاعل، والمفعول الذي لم يسم فاعله، وما شُبِّه بالفاعل. ويشرح المبتدأ والخبر من جهة العامل والفائدة والتعريف والتنكير، وجواز تقديم الخبر وتأخيره، وعمل أسماء الفاعلين، ثم يتناول الفاعل وما يقوم مقامه وأحكام التقديم والتأخير والحذف والإضمار. ولا يكتفي بتحديد العلامة الإعرابية، بل يبحث الأساس الذي جعل الاسم مرفوعًا أو منصوبًا، والعلاقة بين العامل والمعمول، وما يستغني به الكلام وما يحتاج إليه لإتمام الفائدة.
ثم ينتقل إلى المنصوبات والمخفوضات وما يتصل بها من أبواب، فيتناول المفاعيل على اختلافها، والمصدر والظروف والحال والتمييز والاستثناء والمنادى واسم «لا» وما يعمل عمل الفعل، إلى جانب ما تحدثه «كان» وأخواتها و«إن» وأخواتها وسائر العوامل في المبتدأ والخبر. ويعقب ذلك بالتوابع، فيبحث النعت والتوكيد والبدل وعطف النسق وعطف البيان والعطف بالحروف، ثم ينتقل إلى إعراب الأفعال ونواصب المضارع وجوازمه، وأدوات الشرط والاستفهام والنفي وما يتفرع عنها من أحكام.
ويفرد لمباحث التركيب مسائل تتجاوز التقسيم التقليدي للمرفوع والمنصوب والمجرور، فيبحث التقديم والتأخير والحذف والإضمار، ومواضع الجمل، والإخبار بالموصول وبالألف واللام، وأحكام المعرفة والنكرة والضمائر وأسماء الإشارة والموصولات، وما تتعلق به الظروف وحروف الجر. ويكثر في هذه الأبواب من تفريع المسألة إلى صورها الممكنة، فيبين ما يجوز مطلقًا، وما يحتاج إلى شرط، وما يقبح مع إمكانه، وما يمتنع، ويربط الحكم كثيرًا بما تتحقق به الفائدة أو يزول به اللبس.
ويجعل القياس والسماع ميزانًا رئيسًا في تحرير القواعد، ويفرد للشاذ عناية واضحة، فيقسمه إلى ما خالف القياس مع ثبوت استعمال العرب له، وما وافق القياس ولم يكثر استعماله، وما خالف القياس والاستعمال معًا. فالمسموع الثابت لا يرد لمجرد مخالفته القياس، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى أصل يقاس عليه، أما ما خالف القياس والاستعمال فيطرحه. ويكثر في تقرير المسائل من الشواهد القرآنية والشعرية وكلام العرب، ويستفيد من اختلاف اللغات والقراءات، ويستحضر أقوال سيبويه والخليل والأخفش والمبرد والفراء والكسائي وغيرهم، ثم يناقش الأقوال ويختار بينها، وقد يخالف من ينقل عنه إذا لم يستقم له القول على الأصل الذي يقرره.
ويتسع القسم الصرفي اتساعًا كبيرًا، فيتناول أبنية الأسماء والأفعال، والأصول والزوائد، والتصغير، والنسب، وأبنية الجموع والتكسير، وما أعرب من الأعجمي، وأبنية الثلاثي والرباعي وما يلحق بهما. ثم ينتقل إلى التصريف وما يقع في الكلمات من قلب وإعلال وإبدال وحذف ونقل، فيفصل أحكام الواو والياء والألف والهمزة، وما يصحح ولا يعل، وما يخرج على الأصل، واجتماع حروف العلة، والمسائل المبنية على الواو والياء والهمزة، ويضع جملة من الأصول التي يعتمد عليها في استخراج مسائل التصريف.
ويمضي بعد ذلك إلى الإدغام ومخارج الحروف وصفاتها وتقاربها، فيبين ما يجب أو يجوز إدغامه وما يمتنع، وإدغام الحروف المتجانسة والمتقاربة، وأحكام حروف الحلق وطرف اللسان والصاد والزاي والسين، وما يتحول من صوت إلى آخر في بعض اللغات. ويعقب ذلك بما شذ من التخفيف والاستعمال، ثم يختم بباب «ضرورة الشاعر»، فيميز فيه ما يحسن للشاعر عند الاضطرار ويمكن القياس عليه مما جاء شاذًا لا يقاس عليه، ويتناول الحذف وتخفيف المشدد وإجراء الوصل مجرى الوقف وتغيير ترتيب الكلام وبعض وجوه الإبدال وتغيير الإعراب للقافية وغيرها. وبذلك يقدم «الأصول في النحو» بناءً واسعًا يجمع قواعد النحو والتصريف في نظام مترابط، يبدأ من ماهية الكلمة والعامل والإعراب، ثم يتدرج إلى دقائق التركيب، وينتهي بأبنية العربية وتحولاتها الصوتية والصرفية وما يطرأ عليها في ضرورة الشعر.