
نبذة عن الكتاب:
يجيب ابن تيمية في «الصفدية» عن سؤال في رجلٍ يقول إن معجزات الأنبياء عليهم السلام «قُوًى نفسانية»، فيحكم ببطلان هذه المقالة، ثم يتتبع الأصل الفلسفي الذي صدرت عنه بدل أن يقتصر على العبارة نفسها. ويشرح أن طائفة من المتفلسفة، ولا سيما ابن سينا ومَن سلك طريقته، ردّت النبوة إلى ثلاث خصائص: قوة قدسية يحصل بها العلم والحدس، وقوة تخييل تتمثل بها الصور والأصوات في النفس، وقوة نفسانية يُزعم أنها تتصرف في مادة العالم فتحدث الخوارق. ومن هنا يناقش ابن تيمية تصورهم للوحي والملائكة وكلام الله تعالى، وقولهم إن ما يراه النبي ويسمعه إنما يتكون في نفسه، ويرد ربط المعجزات بهذا النوع من التأثير النفسي. ويفرّق بين ما قد يكون للنفس من آثار حقيقية وبين آيات الأنبياء عليهم السلام التي تتجاوز قدرة البشر، مستدلًّا بخوارق تقع بغير إرادة النبي أو شعوره، أو قبل وجوده، وبالمعجزات التي لا يمكن ردها إلى قوة نفسية؛ كما يميز المعجزة من الكرامة والسحر والطِّلَّسمات، ويبحث أثر الجن والشياطين والملائكة في بعض الخوارق، ليقرر أن حقيقة النبوة لا تستقيم مع اختزالها في استعدادات بشرية باطنة.
ويتسع الرد لأن القول في المعجزات عند هؤلاء فرعٌ عن تصورهم لله تعالى والعالم؛ فيناقش ابن تيمية قولهم بقدم العالم، وتصوير واجب الوجود علةً تامة موجبة بذاتها، ونفي المشيئة والاختيار والصفات والأفعال القائمة بالله تعالى، وما ترتب على ذلك من القول بالعقول والنفوس المفارقة وتفسير الملائكة بها، وحصر علم الله تعالى أو نفي علمه بالجزئيات. ويحلل حججهم في العلة والمعلول، والوجوب والإمكان، والوجود والماهية، والتسلسل في المؤثرات والآثار، مبينًا الفرق بين امتناع تسلسل الفاعلين وبين تعاقب الحوادث، ومقررًا أن القول بحدوث العالم لا يستلزم أن يكون الله تعالى قد صار فاعلًا أو متكلمًا بعد أن لم يكن كذلك. ثم يمتد نقده إلى نظرية المعرفة عند الفلاسفة، ولا سيما تحويل المعاني الذهنية والكليات إلى حقائق يُبنى عليها الحكم على الموجودات الخارجية، وما يتصل بذلك بالحد والبرهان وكمال النفس وسعادتها بعد الموت. وفي مقابل هذا البناء الفلسفي يقرر أن العقل الصريح لا يناقض ما جاءت به الرسل، وأن الله تعالى فاعل بمشيئته وقدرته، متصف بصفات الكمال، وأن الملائكة عباد مخلوقون، والوحي حقيقة، والبعث والجزاء حق، وأن دين الأنبياء عليهم السلام واحد في أصله: عبادة الله تعالى وحده واتباع رسله، مع اختلاف الشرائع. وبذلك يعود البحث، بعد امتداده في أصول الفلسفة والإلهيات والنبوات، إلى السؤال الذي بدأ منه: إبطال جعل معجزات الأنبياء عليهم السلام مجرد قوى كامنة في نفوسهم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














