
نبذة عن الكتاب:
يجيب ابن تيمية في هذا الكتاب عن سؤالٍ عُرض فيه برهان الفلاسفة على امتناع وجود واجبَيْ وجود، وهو مبني على أن الشيئين إذا اشتركا في معنى واختلفا بخصوصية، فلا بد أن تكون بين جهة الاشتراك وجهة الامتياز علاقة لزوم أو عروض، ثم تُستعمل هذه الأقسام لإثبات أن تعدد واجب الوجود يفضي إلى الافتقار أو التركيب. ويعلن ابن تيمية منذ أول الجواب أن «توحيد الفلاسفة» على هذه الطريقة ينتهي عنده إلى تعطيل واجب الوجود؛ لأنهم يثبتونه ثم ينفون عنه لوازمه وصفاته بدعوى نفي التعدد والتركيب، ويصف حجتهم بأنها سوفسطائية لا برهانية. ويبدأ تفكيكها من أصل تصور «المشترك» بين الأشياء، فيفرق بين الاشتراك في معنى كلي يدركه الذهن وبين اشتراك الأعيان الخارجية في شيء واحد بعينه؛ فالإنسانان يشتركان في مسمى الإنسانية، والإنسان والفرس في مسمى الحيوانية، والموجودات في مسمى الوجود، لكن ليس في الخارج «وجود كلي» أو «إنسانية كلية» قائمة بعينها يشترك الأفراد فيها، وإنما لكل موجود وجوده وتعيُّنه وصفاته الخاصة، والذهن ينتزع من المتشابهات معنى عامًا يَصدُق عليها. ومن هنا يعترض على جعل «الوجود والوجوب» جهة عامة مشتركة، و«الماهية والتعيُّن» جهة خاصة مميزة، كأن الأولى وحدها كلية والثانية وحدها شخصية؛ لأن كليهما يمكن اعتباره عامًا في الذهن ومعينًا في الخارج، وبذلك يزول الأساس الذي بُني عليه تقسيمهم إلى لازم وملزوم وعارض ومعروض. ويختبر ابن تيمية الحجة أيضًا بتطبيق بنيتها نفسها على موجود واجب بنفسه وموجود ممكن بنفسه واجب بغيره، فيبين أنها إذا طُردت على الصورة التي وضعوها أفضت إلى إبطال هذا التقسيم الذي يسلِّمون هم أنفسهم بثبوته، فيجعل ذلك شاهدًا على فساد صورة البرهان لا على قوة دلالته.
ويربط ابن تيمية هذا الخلل بمسألتين أعمق في الميتافيزيقا الفلسفية: التمييز بين الماهية والوجود في الخارج، ونفي الصفات بدعوى أن إثباتها يستلزم التركيب والكثرة. فيرفض أن يكون لكل موجود في الخارج ماهية قائمة مغايرة لوجوده القائم، ويقرر أن ما يُتصور من الماهية منفصلًا عن الوجود إنما هو تصور ذهني، أما الموجود الخارجي فحقيقته وماهيته ووجوده ليست أشياء مستقلة بعضها عن بعض على النحو الذي تتطلبه الحجة. ثم يناقش قول الفلاسفة إن واجب الوجود لو كانت له صفات لكان مركبًا من ذات وصفات، والمركب مفتقر إلى أجزائه، فلا يكون واجبًا بنفسه؛ فيرى أن ألفاظ «التركيب» و«الجزء» و«الغير» و«العلة» استُعملت هنا بإجمال يوهم نتيجة لا يدل عليها البرهان. ويفرق بين افتقار الشيء إلى علة فاعلة مستقلة عنه، وهو ما ينافي وجوب الوجود، وبين لوازم ذاته وصفاته التي لا تنفصل عنه ولا تستغني عنه؛ فهذه لا تجعل الذات معلولة بعلة فاعلة. ولهذا يقرر أن التحقيق ليس في تصور «ذات مجردة» قائمة وحدها ثم صفات قائمة وحدها، بل إن «الواجب بذاته هو الذات الموصوفة بالصفات»، فلا توجد في الخارج ذات بلا صفات ولا صفات بلا ذات. ويذكر أن الفلاسفة المشائين بنوا على نفي الكثرة نفيَ العلم والقدرة والإرادة بوصفها صفات متميزة، ثم يطالبهم بالبرهان على أن تعدد الصفات في ذات واحدة يستلزم تعدد الآلهة أو بطلان وجوب الوجود. وتنتهي الرسالة إلى إعادة تطبيق حجتهم على ما يقرون به من الواجب والممكن، ليقرر أن البرهان الذي جعلوه أساسًا لتوحيدهم يستلزم، إذا طُردت مقدماته، نفي واجب الوجود نفسه؛ وبذلك يكون نقده متجهًا إلى الأصول المنطقية والميتافيزيقية التي أقاموا عليها تصورهم للواحد والوجود والماهية والصفات، لا إلى مجرد لفظٍ أو اصطلاحٍ منفرد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














