
نبذة عن الكتاب:
يبحث أبو عبيد القاسم بن سلام في هذا الكتاب حقيقة الإيمان وما يدخل في مسماه، وسبب اختلاف الناس في استكماله وزيادته ونقصه، معلنًا منذ المقدمة أن غرضه بيان ما عليه أهل السنة في هذه المسائل والحجة على مخالفيهم. ويعرض ابتداءً قولين: أحدهما يجعل الإيمان إخلاص القلب وشهادة اللسان وعمل الجوارح، والآخر يقصره على القلب واللسان ويجعل الأعمال برًّا وتقوى خارجة عن مسماه، ثم يختار الأول محتجًا بالقرآن والسنة. ويبني جانبًا مهمًا من استدلاله على تدرج الشرائع؛ فيقرر أن أول ما فُرض من الإيمان كان الإقرار بالشهادتين، ثم لما فُرضت الصلاة صارت مع الإقرار من الإيمان، ثم أضيفت الزكاة وما تلاها من شرائع الإسلام، فكلما نزل فرض لحق بما قبله وشمله اسم الإيمان. ويستدل بتسمية القرآن الصلاة إيمانًا، وبالآيات التي تنص على زيادة الإيمان، وبالأحاديث التي تعدد خصاله وشعبه، ويرى أن اختلاف الروايات في عدد تلك الخصال لا يدل على التعارض، بل على تتابع الفرائض وتكاملها، حتى جاء وصف الإيمان بأنه بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. ومن هذا الأصل يقرر أن الإيمان درجات ومنازل، وأن الناس يشتركون في اسمه مع تفاوتهم في استكماله؛ فأصله في معرفة القلب، ويشهد عليه قول اللسان، وتصدقه أعمال الجوارح، وكلما ازداد العبد طاعةً وتقوى ازداد إيمانًا. ويتناول الاستثناء في الإيمان، فيفسر امتناع بعض السلف من الجزم بقول «أنا مؤمن» بأنه احتراز من تزكية النفس وادعاء الاستكمال عند الله تعالى، لا امتناعًا من إطلاق اسم الإيمان في أحكام الدنيا؛ ولذلك يذكر أن أهل الملة يسمون مؤمنين في أحكام الولاية والشهادة والمناكحة وغيرها، وينقل عن الأوزاعي أن قول «أنا مؤمن» وقول «أنا مؤمن إن شاء الله» كلاهما سائغ، مع إنكاره مساواة إيمان الإنسان بإيمان جبريل والأنبياء عليهم السلام. ثم يفرد لزيادة الإيمان ونقصانه بحثًا يناقش فيه تأويلات من أخرج الأعمال من الإيمان، ويرد تفسير الزيادة بمجرد تفصيل ما أُقر به، أو تكرار الإقرار، أو زيادة اليقين وحدها، مستعينًا بدلالة القرآن واستعمال العرب لإثبات أن الطاعات نفسها زيادة في الإيمان.
ويشتد بحث أبي عبيد عند بيان أثر الذنوب في الإيمان، إذ يجمع النصوص التي ورد فيها نفي الإيمان عن بعض العصاة، أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا»، أو تسمية بعض الأفعال كفرًا أو شركًا، ثم يناقش طرق تفسيرها. فيرفض حملها جميعًا على كفر النعمة، ويرفض إفراغها من معناها بجعلها مجرد ألفاظ للتغليظ، كما يرفض جعل كل ذنب كفر ردة يخرج صاحبه من الإسلام، ويرد كذلك طرح هذه الأخبار بدعوى التعارض. ويخلص إلى أن المعاصي والذنوب لا تزيل أصل الإيمان ولا توجب بمجردها الكفر، لكنها تنقص من حقيقة الإيمان وكماله والخصال التي وصف الله تعالى بها أهله؛ فيبقى للعاصي اسم الإيمان وحكمه مع مفارقته بعض ما يقتضيه كماله. وعلى هذا يفسر ما ورد من إطلاق الكفر والشرك على بعض الذنوب بأنه لا يلزم منه دائمًا الكفر أو الشرك الناقلان عن الملة، ويستشهد بما نُقل في تفسير «كفر دون كفر»، ويفرق بين الاشتراك في اسم المعصية وبين التساوي في قدر الجرم والعقوبة؛ ولذلك يعقد فصلًا للذنوب التي تلحق بالكبائر من غير خروج من الإيمان، ويبين أن تشبيه معصية بأخرى أشد منها لا يقتضي مساواتهما في الإثم. كما يرد القول بأن الإيمان مجرد معرفة القلب ولو خلا من القول والعمل، محتجًا بأن القرآن أوجب الإقرار والتصديق بالرسل وما جاؤوا به، وينقل آثارًا في ذم الإرجاء ومجانبة أهله. وفي خاتمة الرسالة يسمّي خمس طوائف خالفها في تحديد الإيمان وأحكام الذنوب: الجهمية والمعتزلة والإباضية والصفرية والفضلية، ويلخص مقالاتها ثم يردها إلى الأصول التي سبق أن ناقشها. ويصرح قبل ذلك بمنهجه في الكتاب، وأنه كتبه بحسب ما بلغه من القرآن وآثار النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء بعده، مع الاستناد إلى لغات العرب وطرائق كلامها؛ وهي الأدلة التي تتوزع عليها مناقشاته من أول الرسالة إلى آخرها.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














