
نبذة عن الكتاب:
يَربط أبو حامد محمد بن محمد الغزالي في كتاب «المنخول من تعليقات الأصول» مسائلَ أصول الفقه بمصادرها التي يستمد منها الأصولي أدوات النظر؛ فيجعل الكلام والفقه واللغة موادَّ لهذا العلم، لأن قبول الأدلة الشرعية متوقف على ثبوت الرسالة، وفهم الدليل لا ينفصل عن معرفة مدلوله الفقهي، ودلالات الكتاب والسنة لا تُفهم دون اللسان العربي. ومن هذا المدخل يَفصل بين علم الكلام الذي ينظر في العقائد وبراهينها، وعلم الأصول الذي يضبط الأدلة وطرائق الاستدلال، والفقه الذي يستثمر تلك الأصول في معرفة الأحكام، مع تنبيهه إلى أن اختلاط القطعيات بالظنيات وتعارض الأدلة والشبهات من أهم منابع الخلاف الأصولي.
ويَفتتح الأحكام الشرعية بتقرير أن الوجوب والتحريم وسائر الأحكام ليست صفات ذاتية للأفعال، وإنما تنشأ من تعلق خطاب الشارع بها؛ فالواجب ما تعلق به طلب الفعل على وجه الإلزام، والمحرم ما تعلق به طلب الترك. ومن هنا يرفض استقلال العقل بالحكم الشرعي على الأفعال بالحسن والقبح، ويناقش المعتزلة وغيرهم في قولهم إن للأفعال حسنًا وقبحًا يدركان بالعقل قبل ورود الشرع، ويقرر أن الحسن والقبح المتعلقين بالتكليف مردهما إلى خطاب الشرع. كما ينفي وجوب شكر المنعم بالعقل وحده، ويقرر أنه لا حكم شرعي قبل ورود الشرع؛ فلا يوصف الفعل حينئذ بإباحة أو حظر شرعيين قبل ثبوت الخطاب.
ويُفصِّل أحكام التكليف وما يلزم لصحة توجه الخطاب، فيناقش تكليف ما لا يطاق ويختار امتناعه، لأن الطلب لا يتعلق بما يستحيل وقوعه من المكلف. ويجعل فهم الخطاب شرطًا للتكليف، ولذلك لا يوجه التكليف إلى السكران الذي زال عقله حال سكره وإن ترتبت عليه بعض الأحكام تغليظًا بسبب تعديه. كما يقرر مخاطبة الكفار بفروع الشريعة من جهة إمكان التوصل إليها بالإيمان، ويبحث حال المكره وقدرته على الامتثال مع بقاء الاختيار الذي تقوم به المسؤولية.
ثم يَجعل الكلام في العلم والعقل ومآخذ المعرفة مقدمةً لفهم مراتب الأدلة؛ فيناقش تعريف العلم، ويرفض الحدود التي تُعرِّفه بألفاظ مساوية له أو أخفى منه، وينتهي إلى أن العلم أوضح من أن يحد بعبارة أبين منه، مع إمكان تمييزه عن الظن والشك والاعتقاد بالتقسيم والوصف. ويقسم العلم إلى قديم وحادث، والحادث إلى ما يحصل ابتداءً وما يحصل بالنظر، ثم يبحث ماهية العقل ومراتب المعارف بحسب قربها من الضرورة أو بعدها عنها.
ويَفحص مصادر العلوم وطرائق الاستدلال العقلي، فلا يحصر المعرفة في الحس ولا في النقل ولا في النظر وحده، بل يجعل للعاقل تمييزًا يصل به إلى بعض العلوم مباشرةً وإلى بعضها بوسائط؛ منها الحواس، والنظر العقلي، والعرف واطراد العادات. ويناقش التقاسيم التي وضعها المتكلمون للاستدلال، مثل رد الغائب إلى الشاهد والسبر والتقسيم والمسالك الجدلية، ويعترض على تحويلها إلى قوالب حاصرة لمسالك العقل؛ لأن وجوه إدراك المعقولات لا تنضبط عنده في عدد محدود، وإنما المقصود تجريد العقل من الغفلة والنظر في المعنى حتى يتبين.
ويُحدِّد في «كتاب البيان» حقيقة البيان بالدليل الذي يكشف مراد الشارع، سواء وقع بالقول أو الفعل أو الإشارة، ثم يناقش المراتب التي رتبها الأصوليون للبيان وما يدخل فيها من نص وظاهر وفعل وإشارة ومفهوم وقياس. ولا يقبل ترتيبًا يضع دلالة قطعية متقدمةً في الفهم وراء دلالة أضعف منها، بل يجعل قوة البيان تابعة لقوة دليل السمع نفسه. كما يفرق بين تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع، وتأخيره إلى وقت الحاجة، وهو جائز، ويستدل بوقائع نزل فيها أصل التكليف ثم جاء تفصيله عند الحاجة.
ويَعرض لأصل اللغات: هل نشأت بالاصطلاح أو بالتوقيف، فيجيز الأمرين عقلًا ولا يجد دليلًا قاطعًا على تعيين أحدهما وقوعًا. ويمنع إثبات الأسماء اللغوية بالقياس، لأن القياس الشرعي إنما ثبت بدليل خاص ولا يلزم أن ينسحب حكمه على وضع اللغة. ثم يناقش انتقال الألفاظ إلى معان شرعية، ويبين أن تصرف الشرع فيها قد يكون بتخصيص مدلول لغوي، وقد يبلغ بها إلى استعمال يختص بالمعنى الشرعي، كما في الصلاة والصوم والحج. ويثبت وقوع الحقيقة والمجاز في اللغة وفي القرآن، ويرفض التفريق الاصطلاحي بين الفرض والواجب إذا لم يقم عليه دليل من الشرع أو اللغة.
ويتوسع في الأدوات اللغوية التي ينبني عليها الاستنباط، فيذكر أقسام الكلمة وخصائص الاسم والفعل والحرف، ثم يشرح معاني عدد من الحروف وأثرها في تركيب الدلالة؛ كالواو والفاء وثم والباء و«من» و«إلى» و«أو» و«لو» و«لولا» و«حتى» وغيرها. ويعتني خاصةً بالمواضع التي تترتب عليها آثار فقهية؛ كالقول في دلالة الواو على الترتيب أو مطلق الاشتراك، ودلالة الباء، والغاية، والشرط، والنفي، والاستثناء.
ثم يَدخل في الأوامر من أصل حقيقة الكلام، فيناقش الفرق بين الكلام النفسي والعبارة الدالة عليه، ويميز الطلب عن الإرادة؛ إذ قد يصدر الأمر مع عدم إرادة وقوع المأمور به لقرينة أخرى، فلا يصح جعل حقيقة الأمر هي نفس الإرادة. ومن هذا الأساس ينتقل إلى صيغة الأمر وما تقتضيه، ودلالتها على الوجوب، وما يتعلق بها من الفور والتراخي والتكرار، والأمر بالشيء وما يتوقف عليه امتثاله، وما يقابل ذلك من مباحث النهي والفساد ودلالات الصيغ.
ويَبحث العموم والخصوص والمجمل والمؤول ومفهوم الخطاب، ويعامل دلالة النصوص بحسب درجات ظهورها لا بمجرد أشكالها اللفظية. ويجعل فحوى الخطاب، كتحريم الضرب المستفاد من النهي عن التأفيف، من باب المفهوم الذي يدرك معناه بقوة الدلالة، لا من القياس الذي يحتاج إلى استخراج جامع بين أصل وفرع. وتظهر في هذه المباحث عنايته بالتمييز بين ما يفهم من الخطاب قطعًا وما يثبت بطريق الظن والاجتهاد.
ويُفرد للأخبار مساحة واسعة، فيبحث ما يفيد العلم منها وما يوجب العمل، ويجعل الخبر المتواتر هو ما استجمع من أحوال النقل ما يورث العلم بصدقه، من غير حصر ذلك في عدد جامد. أما أخبار الآحاد فيبحث مراتبها وشروط قبولها، وأحوال الرواة، والجرح والتعديل، والتحمل والأداء، والعمل بالخبر، وما يعارضه من القياس أو عمل أهل بلد أو غيرهما. كما يقرر عدالة الصحابة رضي الله عنهم في الرواية، ويرد بناء الحكم على الاحتمالات المنقولة في حقهم مع ثبوت الثناء عليهم.
ويَجعل الإجماع حجة في كل عصر، لا في عصر الصحابة رضي الله عنهم وحدهم، ويبحث من يدخل في أهل الإجماع، فلا اعتبار بموافقة العوام أو مخالفتهم، وإنما المدار على من استجمع آلة الاجتهاد. كما يناقش أثر البدعة والفسق في اعتبار قول المجتهد، ويختار ألا ينعقد الإجماع مع وجود خلاف مجتهد استوفى شروط النظر، لأن مجرد فسقه أو بدعته لا يبطل قدرته على إدراك الحكم في المسألة الفقهية.
ويَتوسع في القياس، فيرتبه إلى مراتب تبدأ بما يقترب من القطع وتنتهي بالأشباه الظنية؛ فيذكر فحوى الخطاب، وتنصيص الشارع على القياس، وإلحاق الشيء بما هو في معناه، ثم قياس المعنى وقياس الشبه. ويَفرِّق بين ما يدرك فيه إلحاق الفرع بالأصل إدراكًا قويًا وبين ما يحتاج إلى استخراج علة مظنونة، ويتناول شروط العلل ومسالك إثباتها والاعتراضات الواردة عليها، حتى يجعل صحة القياس مرتبطة بكون العلة مناسبة لقواعد الشرع، مطردة، سالمة من معارضة ما يساويها أو يتقدم عليها، ومؤدية إلى مقصود المستدل.
ولا يقتصر في طرق الاستنباط على القياس، بل يختبر الاستصحاب والاستحسان وغيرهما. فيحصر الاستصحاب الصحيح في بقاء أصل مستقر لم يثبت ما ينقله، كبراءة الذمة بعد استنفاد أدلة الوجوب، ولا يقبل استعماله مع تغير صورة الواقعة بحيث تحتاج إلى دليل جديد. ويشتد في رد الاستحسان إذا عُني به إثبات حكم بلا دليل أو التمسك بمعنى لا يمكن إقامة حجة عليه، لأن الحكم الشرعي لا يُبنى على مجرد استحسان النفس.
ثم يَنتقل إلى الترجيح عند تعارض الأمارات الظنية، ويعرّفه بإظهار مزيد قوة في إحدى الأمارتين، ويمنع دخوله في القطعيات التي لا تتفاوت بعد ثبوتها. ويبحث وجوه الترجيح بين الأخبار من جهة الراوي وعدده وضبطه وتأخر روايته وموافقته دليلًا آخر، كما يبحث الترجيح بين الأقيسة بحسب قوة أصل القياس ودرجة المناسبة والشبه واعتضاد العلة بالقواعد الكلية. ولا يجعل كل ما سمي مرجحًا صالحًا لذلك؛ فقد يكون ما يستند إليه أحد الطرفين دليلًا مستقلًا يجب العمل به ابتداءً، لا مجرد قرينة تزيد أحد الظنين قوة.
ويُفصِّل في الاجتهاد من جهة أهله وطريقته ونتيجته. فيشترط للمجتهد معرفة ما يحتاج إليه من أحاديث الأحكام، والناسخ والمنسوخ، وصحيح الأخبار وسقيمها، ومواقع الإجماع، ومذاهب السلف، وأصول الفقه، مع فقه نفس يمكّنه من تنزيل القواعد على الوقائع؛ ولا يشترط حفظ جميع الجزئيات ما دام قادرًا على الرجوع إلى مظانها. ويُرتب نظر المجتهد فيبدأ بنصوص الكتاب، ثم الأخبار، ويفحص الظواهر ومخصصاتها، ثم الإجماع، فإذا لم يجد خاض في القياس، مقدمًا القواعد الكلية على الأقيسة الجزئية، ثم نازلًا من القياس الأقوى إلى الأضعف.
ويبحث اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، فيجوّز اجتهاده صلى الله عليه وسلم عقلًا، ويغلب وقوعه في الفروع دون القواعد، كما يفرق في اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم بين حال حضورهم عند النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعدهم عنه حيث تدعو الحاجة إلى النظر في الحوادث. ويعرض بعد ذلك خلاف الأصوليين في المجتهدين في الظنيات: هل المصيب واحد والمخطئ مأجور، أم كل مجتهد مصيب؟ ويقرر استحالة اجتماع الصواب الحقيقي في قولين متناقضين، مع التمييز بين الخطأ ورفع الإثم عن المجتهد المستوفي للنظر.
ويَختم مباحث الاجتهاد بأحكام التقليد، فيناقش حقيقة التقليد وما الذي يجعل قول المفتي صالحًا لأن يتبعه العامي، وحجية قول الصحابي رضي الله عنه، وتقليد المجتهد لمجتهد آخر، وما يلزم العامي في معرفة أهلية المفتي. ولا يكلف المقلد امتحان المفتي في دقائق العلوم، بل يكفيه ما يثبت له أهليته وعدالته بطريق معتبر، كما لا يوجب عليه دائمًا سؤال أفضل المفتين مع إمكان الرجوع إلى غيره ممن استجمع شروط الفتوى.
ويُناقش اتباع مذاهب من مات من المجتهدين، وطريق معرفة المذهب من خلال ناقل فقيه متمكن من نصوص إمامه وتخريجاته، ثم يبحث هل يلزم المستفتي إعادة السؤال إذا تكررت الواقعة بعد أن حصل على فتوى سابقة، ويميل إلى عدم وجوب التكرار ما لم يظهر موجب جديد. كما يرفض بناء التدين على تتبع الأسهل من أقوال المذاهب والتقاط الرخص من كل مذهب، لأن ذلك يحول الاختيار الفقهي إلى متابعة للتشهي بدل الانضباط بأصل معتبر في النظر والتقليد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














