
نبذة عن الكتاب:
يَشرح محمد بن صالح العثيمين في هذا الكتاب أسباب اختلاف العلماء الموثوق بعلمهم ودينهم في بعض الأحكام الشرعية مع اتفاقهم على تعظيم الكتاب والسنة وطلب الحق، ثم يُبيِّن كيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذا الاختلاف من غير أن يتحول إلى تشكيك في الشريعة أو تعصب للأشخاص والمذاهب. ويَذكر أن الحاجة إلى هذا الموضوع اشتدت بسبب انتشار الفتاوى والأحكام في وسائل الإعلام وتعدد الأقوال التي تصل إلى العامة وطلاب العلم، حتى أصبح خلاف العلماء عند بعض الناس مصدر حيرة واضطراب، فَقَصَد إلى بيان منشأ هذا الخلاف والحدود الصحيحة في التعامل معه.
ويَنطلق ابن عثيمين من أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بُعث بالهدى ودين الحق، وبيَّن للناس الدين بيانًا كافيًا، وكان المرجع عند وقوع النزاع في حياته صلى الله عليه وسلم؛ فما أشكل على الصحابة رضي الله عنهم رُد إليه، وما احتاج إلى بيان نزل فيه الوحي. أما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فقد وقع الاختلاف في بعض أحكام الشريعة، لكنه لم يكن اختلافًا في أصول الدين ومصادره الأصلية التي تقوم عليها وحدة المسلمين، وإنما في مسائل اجتهادية تتفاوت فيها أنظار العلماء بحسب ما بلغهم من الأدلة وكيف فهموها ورجحوها.
ويؤكد أن العالم المعروف بالعلم والأمانة لا يتعمد مخالفة كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن مقصده الوصول إلى الحق. ومع ذلك فالعالم بشر يَضعف علمه وإدراكه وإحاطته، وقد يخطئ في مسألة مع صدق قصده وبذل وسعه. ومن هنا يَنقل البحث من سؤال: «كيف يخالف العلماء النصوص؟» إلى سؤال أدق: «ما الذي جعل الدليل أو وجه دلالته لا يظهر لهذا العالم على الصورة التي ظهر بها لغيره؟». ثم يَجمع أهم أسباب الخلاف في 7 أسباب، مع تنبيهه إلى أن الأسباب في الواقع أكثر من ذلك.
ويَجعل السبب الأول أن الدليل لم يبلغ العالم أصلًا. ويُبيِّن أن هذا وقع حتى بين كبار الصحابة رضي الله عنهم بسبب تفرقهم واختلاف ما حضره كل واحد منهم من أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله. ويَذكر مثال مشاورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابة رضي الله عنهم في دخول الشام عند انتشار الطاعون، واختلافهم حتى حضر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأخبرهم بالحديث الذي ينهى عن دخول أرض وقع فيها الطاعون وعن الخروج منها فرارًا منه. فغياب الحديث عن مجموعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم لم يكن ردًّا للسنة، وإنما كان سببه عدم بلوغها إليهم.
ويَضرب مثالًا آخر بخلاف علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها؛ إذ كانا يريان الأخذ بأطول الأجلين جمعًا بين آية عدة الوفاة وآية عدة الحامل، بينما ثبتت السنة في قصة سبيعة الأسلمية بأن الحامل إذا وضعت حملها انقضت عدتها ولو كان الوضع قبل تمام 4 أشهر و10 أيام. ويُصرِّح ابن عثيمين بأنه يوقن أن الحديث لو بلغ عليًّا وابن عباس رضي الله عنهما لأخذا به، ليُبيِّن أن كثيرًا من الخلاف الذي يبدو تعارضًا مع السنة يرجع في حقيقته إلى عدم وصول السنة إلى المجتهد.
ويَجعل السبب الثاني أن الحديث قد يبلغ العالم لكنه لا يَثق بثبوته أو يَرى في ناقله ما يمنعه من الاعتماد عليه، فيعمل بدليل آخر يراه أقوى. ويُمثِّل بقصة فاطمة بنت قيس رضي الله عنها التي أخبرها النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأن المطلقة المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى، ثم يَذكر موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي لم يطمئن إلى الرواية، فاستمر على القول بثبوت النفقة والسكنى. ومن هذا المثال يَنتقل إلى قاعدة أوسع: قد يَصحح بعض العلماء حديثًا فيعملون به، ويُضعفه آخرون فلا يعملون به، فينشأ الخلاف من اختلاف الحكم على ثبوت الدليل نفسه.
ويَذكر السبب الثالث، وهو أن يكون الدليل قد بلغ العالم لكنه نسيه؛ فالنسيان من طبيعة البشر، وقد يقع في النص الذي سبق للإنسان أن عَلِمه. ويُدلل بقصة عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر رضي الله عنهما في التيمم من الجنابة؛ إذ كان عمار رضي الله عنه يَذكر توجيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم لهما، بينما لم يَتذكر عمر رضي الله عنه الواقعة. ويَخلص إلى أن العالم إذا نسي الدليل فاجتهد على ما بين يديه كان معذورًا، أما من عَلِم الدليل بعد ظهوره له فلا يَبقى له العذر نفسه في تركه.
ويَجعل السبب الرابع أن يبلغ النص العالم لكنه يَفهم منه غير المراد. ويُمثِّل من القرآن الكريم بالخلاف في معنى قوله تعالى: «أو لامستم النساء»، حيث حملها بعض العلماء على مجرد اللمس، وبعضهم على اللمس بشهوة، بينما حملها ابن عباس رضي الله عنهما على الجماع. ويَرجِّح ابن عثيمين المعنى الأخير بالنظر إلى سياق الآية وتقابل طهارة الحدث الأصغر والأكبر، ويَبني عليه عدم انتقاض الوضوء بمجرد لمس المرأة. والمقصود من المثال أن الخلاف قد ينشأ مع اتفاق الجميع على صحة النص، وإنما يختلفون في تحديد مدلوله.
ويُضيف مثالًا من السنة في أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم يوم بني قريظة ألا يصلوا العصر إلا هناك؛ ففهم فريق أن المراد حثهم على الإسراع، فصلوا العصر في الطريق حين دخل وقتها، وفهم فريق آخر ظاهر اللفظ فأخَّر الصلاة حتى بلغ بني قريظة. ويَرى ابن عثيمين أن الصواب مع من صلى في الوقت لأن النصوص المحكمة في وجوب أداء الصلاة في وقتها تُفسر المراد من الأمر المحتمل، ويَستعمل المثال لبيان أن اختلاف الفهم قد يقع في النص الواحد بين أهل العلم مع صدقهم جميعًا في طلب المراد.
ويَجعل السبب الخامس أن يبلغ الحديث العالم ويفهمه على وجهه، لكنه لا يَعلم أنه منسوخ. ويُمثِّل بما كان عليه الحكم أولًا في هيئة وضع اليدين في الركوع، حيث كان التطبيق بين اليدين مشروعًا ثم نُسخ إلى وضع اليدين على الركبتين، بينما بقي ابن مسعود رضي الله عنه يعمل بالحكم الأول لعدم علمه بالنسخ. ويؤكد هنا أن الأصل بقاء النص على حكمه حتى يَثبت للمجتهد الناسخ، فلا يُلام من لم يبلغه النسخ على عمله بالدليل المتقدم.
ويَذكر السبب السادس، وهو أن يعتقد العالم أن الدليل الذي بلغه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع أو قياس صحيح. ويُنبه في هذا الموضع إلى أن دعوى الإجماع نفسها قد يقع فيها الخطأ، لأن العالم ربما يرى أهل محيطه أو من بلغه قولهم متفقين، فيَظن أن المسألة مجمع عليها مع وجود مخالف لم يبلغه. ويَضرب مثالًا باختلاف الروايات في نقل الإجماع على قبول شهادة العبد أو عدم قبولها ليُبيِّن أن مجرد حكاية الإجماع لا تكفي دائمًا دون التحقق من ثبوته.
ويُطبِّق هذا السبب على رأي ابن عباس رضي الله عنهما في ربا الفضل؛ فقد أخذ بحديث «إنما الربا في النسيئة» وحمله على الحصر، بينما جاءت أحاديث أخرى تدل على تحريم الزيادة في بيع الجنس الربوي بجنسه أيضًا. ويَجمع ابن عثيمين بين النصوص بحمل الحديث الأول على الربا الأشد الذي كان معروفًا في الجاهلية، وهو ربا النسيئة، من غير نفي تحريم ربا الفضل الذي دل عليه النص الآخر. وبهذا المثال يَشرح كيف يمكن للعالم أن يَرى دليلًا قويًّا في جهة، بينما يرى غيره أن نصوصًا أخرى تمنع حمله على الظاهر الذي اختاره.
أما السبب السابع فهو أن يَبني العالم حكمه على حديث ضعيف أو على استدلال ضعيف بدليل صحيح. ويُمثِّل للحالة الأولى بصلاة التسبيح، فيَنقل الخلاف في حديثها ويَختار عدم ثبوته، ثم يَصف الصلاة على هذا الأساس بأنها غير مشروعة. ويَستدل على ضعف الحديث كذلك بما يَذكره من غرابة صفة العبادة وتحديد فعلها كل يوم أو أسبوع أو شهر أو مرة في العمر، ويَذكر أن الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية ذهبا إلى عدم صحة الحديث.
ويُمثِّل للاستدلال الضعيف بحديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، فيَذكر أن المعروف عند أهل العلم أن ذبح الأم يُغني عن تذكية الجنين إذا خرج ميتًا، بينما فهم بعضهم أن المراد أن الجنين يحتاج إلى تذكية مماثلة لتذكية أمه. ويَرفض هذا الفهم لأن الذكاة تقوم على إنهار الدم، وهو غير متحقق بعد موت الجنين، ليُبيِّن أن صحة الحديث لا تمنع وقوع الخطأ إذا كان وجه الاستدلال به نفسه غير صحيح.
وبعد شرح أسباب الخلاف يَنتقل ابن عثيمين إلى السؤال العملي الذي من أجله صُنِّف الكتاب: ما موقف المسلم من العلماء المختلفين؟ ويَحصر الكلام في العلماء المعروفين بالعلم والنصح والديانة، لا كل من انتسب إلى العلم أو ظهر في مجالس الفتوى. ثم يَفصل بين مسألتين: معرفة سبب مخالفة الإمام للدليل الظاهر، وقد أجاب عنها بالأسباب السابقة، ومعرفة من يجب اتباعه عند اختلاف الأقوال.
ويَرفض التعصب لإمام بعينه بحيث يَلزم قوله مهما ظهر الدليل مع غيره، ويقرر أن من كان قادرًا على معرفة الدليل وترجيحه وجب عليه اتباع ما ترجح عنده، ما لم يخالف إجماع الأمة. ويؤكد أن العصمة في الاتباع المطلق ليست لأحد بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكل عالم يؤخذ من قوله ويُترك، ولا يَثبت لأحد أن يكون قوله واجب الاتباع في كل مسألة وزمان وحال.
لكنه يَرفض في الوقت نفسه أن يُفهم هذا الأصل على أنه فتح لباب الاجتهاد لكل من حفظ نصًّا أو عرف ظاهر دليل؛ لأن الاستنباط يحتاج إلى معرفة النصوص ودلالاتها وعامها وخاصها ومطلقها ومقيدها وناسخها ومنسوخها، وإلا أدى ادعاء الاجتهاد بلا آلة إلى فساد الأحكام. ولهذا يُقسِّم الناس بحسب قدرتهم العلمية إلى عالم بلغ رتبة الفهم والاستنباط، وطالب علم عنده قدر من المعرفة لكنه لم يبلغ رتبة العالم المتبحر، وعامي لا يملك آلة النظر في الأدلة.
فالعالم المؤهل للاجتهاد عليه أن يعمل بما دل عليه الدليل عنده وأن يُبيِّن ما وصل إليه ولو خالف غيره، لأنه من أهل الاستنباط. أما طالب العلم الذي لم يبلغ هذه المرتبة فيمكنه أن يعمل بما عَلِمه من العمومات والأدلة التي ظهرت له، لكنه مطالَب بالاحتراز والرجوع إلى من هو أعلم منه؛ فقد يخفى عليه مخصص للعام، أو مقيد للمطلق، أو ناسخ لما ظنه باقيًا على حكمه.
أما العامي فوظيفته سؤال أهل العلم لا محاولة الاستنباط بنفسه، عملًا بالأمر بسؤال أهل الذكر عند الجهل. ثم يناقش مسألة مهمة تتعلق بتعدد المفتين: هل يلزم العامي أن يسأل من يراه أعلم، أم يجوز له سؤال أي عالم معتبر؟ وينقل القولين، ثم يَختار أن سؤال الأعلم والأوثق في الدين والعلم أولى، لا على سبيل الوجوب؛ لأن العالم الأفضل في الجملة قد يخطئ في مسألة معينة، وقد يُصيب فيها من هو دونه. ولذلك يجعل الترجيح بحسب العلم والورع والدين طريقًا أولى لا قاعدة تمنع سؤال المفضول مطلقًا.
ويَختم توجيهه العملي بالتشديد على التثبت في الفتوى وعدم الاستعجال عند وقوع النوازل، ولا سيما لطالب العلم؛ لأن المفتي يَنقل للناس حكم الشريعة، والقول بغير علم يَتجاوز الخطأ الشخصي إلى نسبة الحكم إلى الله تعالى. ويحث من سُئل في مسألة على الافتقار إلى الله تعالى في طلب الفهم، وعلى الإكثار من الاستغفار، ويربط بين المعصية وذهاب شيء من العلم، مستشهدًا بما نُقل في ذلك من الآيات وكلام أهل العلم.
ويُقدِّم الكتاب تفسيرًا للخلاف يقوم على تحليل مواقع الخطأ المحتملة في عملية الاجتهاد نفسها: قد يغيب الدليل، أو يضعف ثبوته عند العالم، أو يُنسى، أو يُفهم على غير المراد، أو يخفى ناسخه، أو يَظهر في مقابله دليل أقوى، أو يضعف الاستدلال به. ثم يَبني على ذلك موقفًا يَجمع بين احترام العلماء وعدم عصمتهم، واتباع الدليل لمن كان أهلًا للنظر فيه، والرجوع إلى أهل العلم لمن لم يملك آلة الاجتهاد، مع التحذير من طرفي التعصب للمذهب والتجرؤ على الاستنباط بغير علم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














