
نبذة عن الكتاب:
يجمع تاج الدِّين عبد الوهَّاب بن علي السُّبكي في كتاب «الأشباه والنَّظائر» القواعد والمآخذ التي تنتظم فروع الفقه، ويصل بها بين الجزئيَّات المتشابهة وأصولها التي تتخرَّج عليها، مع عنايةٍ خاصَّة بفقه الشَّافعيَّة وما وقع بين أئمَّتهم من اختلاف في التَّخريج والتَّرجيح. وينطلق من أنَّ إحكام القواعد وفهم مدارك الأحكام أرفع للفقيه من الاقتصار على حفظ الفروع المتفرِّقة؛ لأنَّ الوقائع لا تنحصر، أمَّا معرفة الأصول الجامعة فتمكِّنه من ردِّ النَّوازل إلى نظائرها، وفهم علل الأحكام ومآخذها. ويميِّز لذلك بين القاعدة والضَّابط والمدرك؛ فالمدرك هو المعنى المشترك الذي اشتركت الصُّور بسببه في الحكم، والضَّابط يجمع صورًا متشابهة بقصد ضبطها، أمَّا القاعدة فتنتظم جزئيَّات كثيرة يُفهم حكمها منها.
ويفتتح القواعد الكبرى بقاعدة «اليقين لا يُرفع بالشَّكِّ»، ويفسِّرها باستصحاب الأصل المتيقَّن وعدم إزالته بشكٍّ طارئ، ثمَّ يتوسَّع في تحقيق تعارض الأصل والظَّاهر، فلا يجعل تقديم أحدهما حكمًا واحدًا في جميع الصُّور، بل ينظر في قوَّة الظَّاهر وسبب استناده، وفي قوَّة الأصل وما يعارضه. فيفرِّق بين الاحتمال المجرَّد، والظَّاهر المستند إلى عادةٍ مستقرَّة أو سببٍ معتبر، والظَّاهر القويِّ المنضبط، ويطبِّق هذه الفروق على مسائل الطَّهارة والنِّكاح والطَّلاق والرَّهن والغصب والبيوع والعبادات وغيرها. ويتفرَّع عن ذلك بحث تعارض الأصلين، والاستصحاب، وبراءة الذِّمَّة، وبقاء الملك، وبقاء الطَّهارة أو الحدث، وما يثبت أو ينتفي عند الشَّكِّ في تقدُّم الأسباب وتأخُّرها.
ويقرِّر في القواعد الكبرى كذلك أنَّ الضَّرر يزال، وأنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير، وأنَّ العادة محكَّمة، وأنَّ الأمور بمقاصدها، ثمَّ يكثر من تفريع المسائل عليها وبيان حدود جريانها ومستثنياتها. ففي قاعدة المشقَّة يعرض أسباب التَّخفيف والرُّخص، وما يترتَّب على السَّفر والمرض والإكراه والنِّسيان والجهل والعسر وعموم البلوى من تخفيف بعض الأحكام، مع التَّمييز بين المشقَّة المعتادة الملازمة للتَّكليف والمشقَّة التي تستدعي التَّيسير. وفي قاعدة العادة يبحث أثر العرف فيما يرجع إليه من الألفاظ والتَّقديرات والمعاملات وما يختلف حكمه باختلاف ما جرى به استعمال النَّاس، أمَّا قاعدة المقاصد فيربطها بالنِّيَّة، ويستقصي أثر النِّيَّات في العبادات والعقود والتَّصرُّفات والأيمان والكنايات، وما يقع فيه الاعتبار بالقصد أو باللَّفظ أو بهما معًا.
ويتجاوز القواعد الخمس إلى طائفةٍ واسعة من القواعد العامَّة التي تتكرَّر فروعها في أبواب متعدِّدة، فيبحث اجتماع الحلال والحرام، وتعارض المانع والمقتضي، وما إذا اجتمع سببان أو حكمان، وما إذا أوجب الشَّيء أعظم أمرين، وما إذا اندرج الأصغر في الأكبر، وما يتعلَّق بتقديم بعض الحقوق عند التَّزاحم، وبالضَّمان والإتلاف، وبالقدرة والعجز، وبالبدل والمبدل منه. ويناقش كذلك توقيت الأحكام بأسبابها، فيقرِّر أنَّ الحكم لا يثبت قبل وجود سببه، ثمَّ يتتبَّع ما قد يبدو خارجًا عن هذا الأصل، ويفرِّق بين حقيقة تقدُّم الحكم وبين الصُّور التي يتقدَّم فيها بعض آثاره أو شروطه أو الوسائل المؤدِّية إليه.
وينتقل إلى القواعد الخاصَّة بأبواب الفقه، فيجمع تحت كلِّ بابٍ الأصول التي تنتظم مسائله بدل الاكتفاء بسرد أحكامه الجزئيَّة. فيتناول قواعد الطَّهارة والصَّلاة والصِّيام والحجِّ والزَّكاة وما يتعلَّق بالعبادات، ثمَّ قواعد البيوع وسائر المعاملات، وما يتَّصل بالإقرار وما يجري مجراه، ثمَّ قواعد المناكحات وما يتفرَّع عنها من مسائل. ويكثر في هذه الأقسام من عرض الصُّور المتقاربة التي تختلف أحكامها لفارقٍ مؤثِّر، أو الصُّور المتباعدة التي يجمعها مأخذ واحد، ويذكر أقوال أئمَّة المذهب ووجوه الأصحاب وتخريجاتهم، ويناقش ما يترجَّح منها بحسب القاعدة أو المدرك الذي تنتظم به المسألة.
ويصل الفروع الفقهيَّة بجملةٍ من الأصول الكلاميَّة التي ينبني عليها اختلاف الأحكام، فيبحث السَّعادة والشَّقاوة، وحقيقة العلم، والاسم والمسمَّى، والكلام، والحياة، والحسن والقبح، وعلاقة الممكن بالمؤثِّر، والفرق بين السَّبب والعلَّة، واجتماع العلل على الحكم، وما يقارن الحكم فيه سببه أو يُحكم فيه بالتَّقدُّم والتَّأخُّر. ويبحث كذلك الإلجاء والاضطرار والإكراه، ويميِّز بينها لما يترتَّب على ذلك من صحَّة التَّصرُّف أو بطلانه وارتفاع المؤاخذة أو بقائها. ولا يورد هذه المباحث على جهة الاستقلال النَّظري فحسب، بل يتتبَّع ما يتولَّد عنها من فروع يحتاج الفقيه إلى معرفة أصلها ليحسن تخريج الحكم عليها.
ويفرد للمسائل الأصوليَّة التي تتخرَّج عليها الفروع قسمًا واسعًا، فيتناول حقيقة التَّكليف وأقسام الأحكام، والصِّحَّة والبطلان، والفرض والواجب، وفرض العين وفرض الكفاية، وما لا يتمُّ الواجب إلَّا به، والسُّنَّة والنَّافلة والتَّطوُّع والمستحبَّ والمندوب، والرُّخصة وما يتعلَّق بها. ثمَّ يبحث دلالات الألفاظ في العموم والخصوص، وصيغ العموم ومخصِّصاته، ويتناول الإجماع وما يتَّصل بالإجماع السُّكوتي، والقياس ومنه قياس العكس ومسألة ثبوت اللُّغة بالقياس، والاستدلال وحجِّيَّة قول الصَّحابي، ثمَّ قواعد التَّرجيح عند تعارض الأدلَّة والأمارات، وما يتعلَّق بتعارض العامِّ والخاصِّ والتَّخصيص والمجاز، ويبحث مسائل الاجتهاد وما ينبني عليها من أحكام.
ويجعل للُّغة العربيَّة أثرًا مباشرًا في تخريج الفروع، فيخصِّص قسمًا للمفردات من الأسماء والحروف وبعض الأفعال، ثمَّ ينتقل إلى المركَّبات والتَّصرُّفات العربيَّة وما يتغيَّر من الأحكام باختلاف دلالة الصِّيغة أو التَّركيب. ويبحث مدلول اسم الفاعل واسم المفعول والصِّفة المشبَّهة وسائر المشتقَّات، ودلالات الحروف والأدوات، وما يترتَّب على الوصل والفصل والشَّرط والاستثناء والعطف والغاية ونحوها في العقود والإقرارات والطَّلاق والأيمان وغيرها. ويكشف بهذا القسم عن الصِّلة الوثيقة بين التَّحقيق اللُّغوي والحكم الفقهي، إذ قد يتغيَّر تخريج المسألة تبعًا لما يقتضيه اللَّفظ في الاستعمال العربي.
ويتتبَّع بعد ذلك المآخذ التي اختلف فيها الأئمَّة فنتج عن اختلافهم فيها اختلاف الفروع، فيكشف أنَّ الخلاف الفقهي قد يرجع إلى أصلٍ سابق أو إلى تعيين العلَّة أو تحقيق المناط، لا إلى الحكم الجزئي وحده. ويعرض نماذج من الخلاف بين الشَّافعي وغيره، ومن ذلك اختلاف المآخذ في بعض مسائل الزَّكاة والرِّبا وسائر الأحكام، ويوازن بين العلل التي بُنيت عليها الأقوال ويبيِّن أثر كلِّ مأخذ في الفروع المتولِّدة عنه. كما ينبِّه على تقاسيم أدخلها بعض الفقهاء في القواعد وليست عنده منها، محافظًا بذلك على الفرق بين القاعدة الجامعة وبين مجرَّد تقسيم المسائل أو ترتيبها.
ويختم مادَّته الفقهيَّة ببابٍ في الألغاز، فيورد مسائل صيغت على هيئة أسئلة خفيَّة المأخذ لاختبار القدرة على استحضار الفروع والجمع بين النَّظائر وفهم الفروق؛ فلا يكون المقصود منها مجرَّد الإغراب، بل تدريب الذِّهن الفقهي على ردِّ الصُّورة المستغلقة إلى أصلها واكتشاف الوصف الذي تغيَّر به الحكم. ويتكامل بذلك منهج الكتاب في نقل طالب الفقه من حفظ الأحكام المفردة إلى إدراك العلاقات الجامعة بينها، وربط الفروع بالقواعد الفقهيَّة والمآخذ الأصوليَّة والدَّلالات اللُّغويَّة والأصول التي يتولَّد عنها اختلاف الفقهاء.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:







