
نبذة عن الكتاب:
يجمع زين الدِّين ابن نُجيم في كتاب «الأشباه والنَّظائر» القواعد والضَّوابط والفروق والفوائد التي تُعين على ضبط فروع الفقه الحنفي وردِّ المسائل المتفرِّقة إلى أصولها الجامعة، مع عنايةٍ ببيان الصَّحيح المعتمد في المذهب والتَّنبيه على ما بُني على قولٍ أو رواية ضعيفة. ويجعل القواعد من الأصول التي يرتقي بمعرفتها الفقيه في الاجتهاد والفتوى؛ لأنَّها تكشف المآخذ التي فُرِّعت عليها الأحكام وتجمع تحت الأصل الواحد مسائل من أبواب مختلفة. ويُرَتَّب الكتاب في فنون متعدِّدة تشمل القواعد الكلِّيَّة، والضَّوابط والاستثناءات، والجمع والفرق، والألغاز، والحيل والمخارج، والفروق، ثمَّ الحكايات والمراسلات وما نُقل عن أبي حنيفة وأصحابه ومشايخ الحنفيَّة من مسائل ومطارحات ذات صلة بالفقه.
ويبدأ بالقواعد الكلِّيَّة، فيقدِّم قاعدة «لا ثواب إلَّا بالنِّيَّة»، ويفرِّق من خلالها بين توقُّف الثَّواب على القصد وتوقُّف صحَّة الفعل عليه، فلا يجعل حكم النِّيَّة واحدًا في جميع الأبواب. ويتتبَّع أثرها في الوضوء والغسل والتَّيمُّم والصَّلاة والزَّكاة والصِّيام والحجِّ والاعتكاف والكفَّارات والأضاحي والجهاد والعتق والوقف والنِّكاح، ثمَّ في المعاملات والطَّلاق والأيمان والإقرار والوكالة والجنايات وغيرها، مبيِّنًا ما تكون النِّيَّة فيه شرطًا للصِّحَّة، وما تكون شرطًا للثَّواب فحسب، وما يستغني عنها بصريح اللَّفظ أو بطبيعة التَّصرُّف. ثمَّ يعرض قاعدة «الأمور بمقاصدها» وما يتفرَّع عنها من اعتبار المقاصد في الألفاظ والتَّصرُّفات، مع التَّفريق بين الحكم قضاءً والحكم ديانةً في المواضع التي يختلف فيها أثر القصد الباطن عن دلالة اللَّفظ الظَّاهرة.
ويُفصِّل بعد ذلك قاعدة «اليقين لا يزول بالشَّكِّ»، فيردُّ إليها مسائل استصحاب الأصل وبقاء ما كان على ما كان، وبراءة الذِّمَّة، وما يثبت عند الشَّكِّ في وجود السَّبب أو الشَّرط أو المانع. ويبحث قاعدة «المشقَّة تجلب التَّيسير» وما يدخل فيها من صور التَّخفيف عند العجز والضَّرورة والحاجة، ثمَّ قاعدة «الضَّرر يزال» وما يتَّصل بها من دفع الضَّرر وإزالته ومنع إيقاعه بالغير، ويُلحق بها قواعد من قبيل إباحة المحظورات بالضَّرورات. ويعرض قاعدة «العادة محكَّمة» ليبيِّن أثر العرف فيما تُحمل عليه الألفاظ والتَّصرُّفات، وما يُرجع في تقديره إلى ما تعارفه النَّاس عند عدم التَّحديد، فتجتمع في هذا القسم القواعد التي تتجاوز بابًا فقهيًّا واحدًا وتنتشر تطبيقاتها في العبادات والمعاملات والأحوال الشَّخصيَّة وغيرها.
ويضيف إلى هذه القواعد جملةً من الأصول العامَّة التي تتفرَّع عليها مسائل كثيرة، فيبحث أنَّ الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد، وأنَّه إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، وأنَّ التَّابع تابع، وأنَّ تصرُّف الإمام على الرَّعيَّة منوط بالمصلحة، وأنَّ الحدود تُدرأ بالشُّبهات، وأنَّ إعمال الكلام أولى من إهماله متى أمكن، وأنَّ الخراج بالضَّمان، وأنَّه لا يُنسب إلى ساكت قول، وأنَّ ما حرم أخذه حرم إعطاؤه، وأنَّ من استعجل الشَّيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وأنَّ الولاية الخاصَّة أقوى من الولاية العامَّة، وأنَّه لا عبرة بالظَّنِّ البيِّن خطؤه، وأنَّ اجتماع المباشر والمتسبِّب يقتضي إضافة الحكم إلى المباشر في الأصل. ويقرن كلَّ قاعدة بفروعها، ويذكر ما يخرج عنها، ويحرِّر موضع الاستثناء بدل حمل القاعدة على الاطراد في كلِّ صورة.
ويخصِّص الفنَّ الثَّاني للضَّوابط والفوائد، ويميِّز فيه بين القاعدة والضَّابط؛ فالقاعدة عنده تجمع فروعًا من أبواب شتَّى، أمَّا الضَّابط فيجمع فروع باب واحد. ويُرَتَّب هذا القسم على ترتيب كتب الفقه لتسهيل الرُّجوع إليه، ابتداءً بالطَّهارة ثمَّ الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم والحجِّ، ومرورًا بالبيوع والمعاملات والنِّكاح والطَّلاق وسائر الأبواب. ويجمع في كلِّ باب الشُّروط والأقسام والصُّور التي تشترك في حكم، ثمَّ يذكر المستثنيات التي تخرج من الضَّابط؛ ففي الطَّهارة مثلًا يضبط شروط الوجوب والصِّحَّة، والمطهِّرات، وأحكام المياه والنَّجاسات، ثمَّ يبيِّن ما يخرج عن الأحكام العامَّة. ويتكرَّر هذا المسلك في سائر الأبواب، فتقوم مادَّة القسم على ضبط الجزئيَّات الكثيرة بعبارات جامعة مع المحافظة على الفروق والاستثناءات المؤثِّرة.
ويجمع في الفنِّ الثَّالث أحكامًا يكثر دورانها في أبواب الفقه ولا يستغني الفقيه عن معرفتها، فيتتبَّع أحكام النَّاسي والجاهل والمكره والصَّبي والعبد والسَّكران والأعمى والنَّائم والمجنون والمعتوه والحمل، ويفرِّق بين سقوط الإثم وبقاء الحكم الدُّنيوي؛ فترك المأمور به نسيانًا لا يعني سقوط تداركه، وفعل المنهيِّ عنه تتفاوت آثاره بحسب نوع الحكم وما يترتَّب عليه. ويبحث كذلك ما يقبل الإسقاط من الحقوق وما لا يقبله، وما يتعيَّن من النُّقود وما لا يتعيَّن، وأحكام النَّائب والأصيل، وما يُعتبر فيه المعنى دون اللَّفظ أو اللَّفظ دون المعنى، وأحكام المرأة والجنِّ والذِّمِّي والمحارم، والعقود والفسوخ، والملك والدَّين، وثمن المثل وأجرة المثل ومهر المثل، والشَّرط والتَّعليق، والسَّفر والمسجد والحرم ويوم الجمعة، جامعًا المسائل المتناثرة بحسب الوصف المشترك الذي يربط بينها.
ويفرد للألغاز الفقهيَّة فنًّا يصوغ فيه المسائل على هيئة أسئلة تخفى أجوبتها للوهلة الأولى، ثمَّ يكشف الحكم الذي تنتهي إليه وما يقوم عليه من تفصيل أو استثناء. ويُرَتَّب جانب كبير منها على أبواب الفقه، فترد ألغاز في الطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة وغيرها، ويعتمد فيها على صور دقيقة قد يتغيَّر حكمها بوصف خفيٍّ أو شرط مخصوص؛ فيسأل مثلًا عن صورتين تبدوان متناقضتين ثمَّ يكشف الفارق الذي أوجب اختلاف الحكم. ويخدم هذا الفنُّ مقصد الكتاب في تدريب الفقيه على استحضار الجزئيَّات، والانتباه إلى القيود والاستثناءات، وعدم الاكتفاء بالتَّشابه الظَّاهر بين المسائل.
ويبحث في فنِّ الحيل والمخارج الطُّرق الفقهيَّة التي يُتوصل بها إلى المقصود من غير الوقوع في المحرَّم، ويشرح الحيلة بأنَّها إعمال الفكر للاهتداء إلى المقصود، مع نقل اختلاف مشايخ الحنفيَّة في تسميتها بالحيل أو المخارج. ولا يجعل كلَّ حيلة جائزة، بل ينقل اعتبار التَّخلُّص من الحرام حسنًا ما لم يؤدِّ ذلك إلى الإضرار بأحد، ثمَّ يجمع تطبيقات هذا الفنِّ في الصَّلاة والصِّيام والزَّكاة وسائر التَّصرُّفات. ويعرض من خلالها مخارج لتصحيح بعض الأفعال أو تجنُّب الحنث أو معالجة بعض صور الدُّيون والمعاملات، مع ذكر مواضع الكراهة والخلاف والضَّرر الذي يمنع من سلوك بعض الطُّرق.
ويخصِّص فنَّ الفروق للمسائل التي تتشابه صورها ثمَّ تختلف أحكامها، فيذكر المسألتين ويكشف الوصف الذي فارقت به إحداهما الأخرى. ويجمع من أبواب الطَّهارة والصَّلاة والزَّكاة وغيرها صورًا قد يوهم ظاهرها التَّسوية، ثمَّ يبيِّن أنَّ اختلاف السَّبب أو المحلِّ أو الشَّرط أو طبيعة التَّصرُّف أوجب اختلاف الحكم؛ فيفرِّق مثلًا بين ما يتقدَّم فيه الحكم بعد وجود سببه وما لا يجوز تقديمه قبل وجود السَّبب، وبين ما يُبنى فيه على المسامحة وما يُبنى على المعاوضة والمضايقة، وبين صور الشَّكِّ التي يجب معها التَّدارك وصور لا يجب فيها. وبذلك يكمِّل هذا الفنُّ وظيفة القواعد والضَّوابط؛ إذ يبيِّن أنَّ الاشتراك في بعض الأوصاف لا يكفي لإلحاق فرع بآخر ما دام بينهما فارق مؤثِّر.
ويختم بالحكايات والمراسلات التي تتضمَّن مسائل وأحكامًا منقولة عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمَّد بن الحسن وغيرهم من مشايخ الحنفيَّة، فينتقي منها ما يشتمل غالبًا على فائدة فقهيَّة أو تدريب على دقَّة النَّظر. ومن ذلك حكاية امتحان أبي يوسف بجملة من المسائل بعد جلوسه للتَّدريس، حيث كانت الأجوبة تتوقَّف على تفصيل يمنع إطلاق أحد الحكمين، ثمَّ يورد مناظرات ومطارحات ومكاتبات ونصائح متعلِّقة بالعلم والفتوى وآداب الفقيه. وتشتمل هذه المادَّة على وصايا في ملازمة العلم، والتَّثبُّت في الفتوى، والعناية بالمتفقِّهين، وأداء الأمانة والنَّصيحة، واجتناب ما يشغل طالب العلم عن تحصيله، فتجتمع في آخر الكتاب الخبرة الفقهيَّة مع ما يتَّصل بالتَّعليم والفتوى وسلوك أهل العلم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:







