
نبذة عن الكتاب:
يجمع أسعد بن محمَّد بن الحسين الكرابيسي في كتاب «الفروق» مسائل متشابهة الصُّور مختلفة الأحكام في الفقه الحنفي، ثمَّ يكشف المعنى الذي افترقت به كلُّ مسألة عن نظيرتها، مستندًا إلى ما نُقل في كتب المذهب وما تلقَّاه عن القاضي أبي العلاء صاعد بن محمَّد. ويصرِّح في مقدِّمته بأنَّه التقط هذه المسائل من الكتب، وأنَّها من الخلاف المشهور بين أصحاب المذهب وليست مسائل أنشأها بالقياس والاستحسان من عنده، ثمَّ أفرد وجوه الفرق بينها ليسهل حفظها. ولذلك يقوم بناء الكتاب على ذكر حكمين قد يبدوان متقاربين، ثمَّ إيراد «الفرق» أو «وجه الفرق» وبيان الوصف المؤثِّر الذي اقتضى اختلاف الحكم، وقد يذكر للمسألة أكثر من فرق أو يعرض تعليلًا منقولًا عن أحد فقهاء المذهب.
ويبدأ بكتاب الطَّهارة، فيفرِّق بين خروج الدُّود من أحد السَّبيلين وخروجه من الجرح في نقض الوضوء، وبين وصول الدَّم إلى قصبة الأنف ووصول البول إلى قصبة الذَّكر، رابطًا الحكم بموضع النَّجاسة وما يلحقه حكم التَّطهير. ويبحث مسائل الماء المستعمل والمسح على الخفَّين والجبائر، فيفرِّق بين سقوط الجبيرة بعد البرء وسقوطها قبل البرء، وبين المدَّة المحدَّدة للمسح على الخفَّين وعدم تحديد المسح على الجبيرة بمدَّة. كما يتناول طهارة الميِّت، والتَّيمُّم وأثر النِّيَّة فيه، ويفرِّق بين التَّيمُّم لدخول المسجد والتَّيمُّم لسجدة التِّلاوة في جواز أداء الصَّلاة به، بناءً على كون السَّجدة من جنس الصَّلاة بخلاف مجرَّد دخول المسجد.
وينتقل إلى كتاب الصَّلاة، فيتناول الأذان والإقامة وأحوال المسافر والمقيم، ويفرِّق بين جواز أذان المسافر راكبًا وطلب نزوله للإقامة؛ لأنَّ المقصود من الأذان الإعلام، بخلاف الإقامة التي شُرعت متَّصلةً بالصَّلاة. كما يعالج الأذان من المرأة والسَّكران والمجنون، وأداء أنواع الصَّلوات في أوقات الكراهة، والفرق بين قضاء الفوائت وصلاة الجنازة وسجدة التِّلاوة من جهة، وركعتي الطَّواف والصَّلاة المنذورة من جهة أخرى، بالنَّظر إلى سبب الوجوب وهل نشأ بفعل المكلَّف أم لا.
ويفصِّل في أحكام الاقتداء والإمامة والسَّهو، فيفرِّق بين المسبوق واللَّاحق في القراءة وسجود السَّهو ومتابعة الإمام، وبين فتح المصلِّي على إمامه وفتحه على غير الإمام، وبين تدبُّر المنفرد للآية في صلاة التَّطوُّع ووقوف الإمام عندها بما قد يوقع المأمومين في الالتباس أو يطيل عليهم. كما يتناول الصَّلاة في موضع توجد فيه التَّماثيل، واختلاف الحكم باختلاف موضع الصُّورة من المصلِّي، ومسائل الشَّكِّ والتَّفكُّر والبناء على الصَّلاة، وغيرها من الجزئيَّات التي يكشف فيها عن أثر الاقتداء أو النِّيَّة أو سبب الوجوب أو موضع الفعل في اختلاف الحكم.
ويتناول في كتاب الزَّكاة فروقًا تتعلَّق بالأموال الزَّكويَّة وشروط الوجوب والأداء، وما يطرأ على المال من هلاك أو استهلاك أو تغيُّر في الملك، ويوازن بين صورٍ تتَّفق في وجود المال أو زواله وتختلف في أثر ذلك على الزَّكاة. ويمتدُّ النَّظر إلى زكاة السَّوائم والزُّروع والثِّمار وأموال التِّجارة، وما يتعلَّق بالدُّيون والحقوق الماليَّة، فيجعل اختلاف الضَّمان أو تمام الملك أو إمكان الانتفاع أو سبب زوال المال من الأوصاف التي تفسِّر اختلاف الحكم بين المسائل المتقاربة.
ويعرض في كتاب الصَّوم مسائل النِّيَّة وفساد الصَّوم والقضاء والكفَّارة وما يتعلَّق بصوم رمضان وغيره، فيفرِّق بين الأفعال بحسب صدورها عمدًا أو خطأً، وبحسب وصول ما يفطِّر إلى الجوف وطريق وصوله، وبحسب كون الصَّوم متعيِّنًا أو غير متعيِّن. كما يوازن بين الصَّوم وغيره من العبادات في بعض الأحكام، ويظهر في هذه المسائل اعتماده على تحديد حقيقة العبادة وسبب وجوبها وما إذا كان المكلَّف قد دخل فيها على وجهٍ صحيح قبل طروء ما يفسدها.
وينتقل إلى كتاب المناسك، فيعالج فروقًا في الإحرام والتَّلبية والطَّواف والسَّعي والوقوف والرَّمي والهدي والجنايات الواقعة في الحجِّ، ويوازن بين المحرم وغيره، وبين صور الفعل الواحد بحسب زمانه أو مكانه أو القصد المصاحب له. كما يتناول ما يلزم المحرم بسبب ارتكاب المحظور، والفروق بين ما يوجب دمًا أو صدقةً أو غير ذلك، وبين أحكام الحاجِّ والمعتمر، مستخرجًا وجوه الاختلاف من حقيقة النُّسك ووقت الفعل وموضعه ومدى دخوله في أعمال الإحرام.
ويخصِّص للنِّكاح قسمًا واسعًا تتعدَّد فيه المقارنات بين صور انعقاد العقد وصحَّته ونفاذه، والولاية والوكالة والمهر والخلوة والحقوق المترتِّبة على الزَّوجيَّة. ويفرِّق بين ألفاظ العقود وما ينعقد به النِّكاح وما لا ينعقد، وبين الأحكام المترتِّبة على العقد الصَّحيح وغيره، كما يتناول اختلاف الأحكام باختلاف حال الزَّوجين ووقت ثبوت الحقِّ وسبب الفرقة. ويستعمل في هذه المسائل قواعد تتعلَّق بالملك والعوض والشَّرط والإضافة وحقوق الزَّوجيَّة لتفسير اختلاف صورٍ قد تتقارب في ظاهرها.
ويستمرُّ هذا المنهج في كتاب الطَّلاق، وهو من أوسع أقسام الكتاب، فيتناول صيغ الطَّلاق وتعليقه وإضافته إلى الزَّمان أو الشَّرط، والطَّلاق قبل الدُّخول وبعده، وأحكام العدَّة والرَّجعة والبينونة، وما يتعلَّق بالخلع والإيلاء والظِّهار وغيرها من مسائل الفرقة. ويعتني بدلالة الألفاظ والنِّيَّات والقرائن، ويفرِّق بين العبارة الصَّريحة والكناية، وبين وقوع الشَّرط وعدم وقوعه، وبين إنشاء التَّصرُّف والإخبار عنه، ويبيِّن أثر الملك ووقت وجوده في نفاذ الطَّلاق المعلَّق أو المضاف.
ويتناول بعد ذلك العتق والمكاتب والولاء، فيوازن بين صور تحرير الرَّقيق وتعليق العتق وإضافته، وبين تصرُّفات المكاتب وغيره، وما يثبت بسبب الولاء من حقوق. ثمَّ يعرض الأيمان والنُّذور والكفَّارات، فينظر في ألفاظ اليمين وما تنصرف إليه بحسب العرف والقصد، ويبحث تحقُّق الحنث واختلافه باختلاف متعلَّق اليمين، كما يفرِّق بين النَّذر واليمين وبين صور الكفَّارات بحسب سبب وجوبها والوقت الذي تتعلَّق فيه بذمَّة المكلَّف.
ويعالج في الحدود والسَّرقة اختلاف الأحكام الناشئ عن الشُّبهة ومقدار الجناية وموضعها وطريقة ثبوتها، فيفرِّق بين صورٍ تتشابه في وقوع الفعل ولكن يختلف فيها قيام الحدِّ أو سقوطه. ويبحث في السَّرقة الحرز والملك والأخذ ونسبة المال إلى صاحبه، وما إذا كان للسَّارق في المال شبهة حقٍّ أو ملك، فتظهر أهمِّيَّة الشُّبهة في منع الحدِّ مع بقاء بعض الأحكام الماليَّة أو التَّعزيريَّة.
وينتقل إلى كتاب السِّيَر، فيتناول أحكام القتال والأمان والمستأمنين والغنائم وما يتعلَّق بعلاقة المسلمين بغيرهم في دار الإسلام والحرب، ويعرض فروقًا في القتل والمال والأمان وتغيُّر الدَّار والحال. ومن مسائله المقارنة بين صور القتال الذي يقع خطأً بين المسلمين وبين القتال مع المشركين، وما يترتَّب على اختلاف الجهة والحال من أحكام، كما يتناول بعض تصرُّفات المستأمن في الأموال والأراضي.
ويبحث في كتاب الاستحسان والتَّحرِّي والإباق مسائل يغلب عليها الاشتباه وتعذُّر اليقين، فيبيِّن متى يعمل المكلَّف بالتَّحرِّي ومتى لا يعمل به، وكيف يختلف الحكم باختلاف إمكان الوصول إلى اليقين أو قيام الدَّليل المرجِّح. ثمَّ يعرض في كتاب الغصب فروقًا تتعلَّق بضمان المغصوب وتغيُّره وهلاكه وزيادته ونقصه وردِّ عينه أو قيمته، ويجعل المباشرة والتَّسبُّب وتغيُّر العين وإمكان الرَّدِّ من المعاني المؤثِّرة في تحديد الضَّمان.
ويتناول الصَّيد والذَّبائح، فيفرِّق بين صور إصابة الصَّيد وموته، وما إذا كان موته مضافًا إلى فعل الصَّائد أو احتمل سببًا آخر، وبين أحكام آلة الصَّيد والحيوان المعلَّم وغير المعلَّم وما يعرض للصَّيد بعد إصابته. وتظهر هنا عنايته بعلاقة السَّبب بالنَّتيجة؛ فما كان وقوعه من مقتضى الفعل أضيف إليه، أمَّا إذا تدخَّل سبب مستقلٌّ يحتمل أن يكون هو المؤثِّر في الموت تغيَّر الحكم.
ويعرض في العاريَّة والوديعة والشَّركة والهبة فروقًا تدور على الأمانة والضَّمان والملك والإذن والقبض والتَّعدِّي. فيميِّز بين يد الأمانة ويد الضَّمان، وبين التَّصرُّف المأذون فيه والمتجاوز لحدود الإذن، وبين تمام الهبة قبل القبض وبعده، وبين الحقوق النَّاشئة عن اشتراك الأموال أو الأعمال. ولا يكتفي بتشابه صورة القبض أو التَّصرُّف، بل يبحث الصِّفة الفقهيَّة لليد وسبب انتقال المال وحدود السُّلطة التي ثبتت للقابض عليه.
ويخصِّص للبيوع قسمًا كبيرًا يعالج فيه فروقًا في انعقاد البيع وفساده وخياراته وشروطه وقبض المبيع والثَّمن والعيوب والاستحقاق والتَّصرُّف في المبيع قبل القبض وبعده. ويتناول اختلاف الأحكام باختلاف كون الشَّرط من مقتضى العقد أو زائدًا عليه، وكون التَّصرُّف ناقلًا للملك أو متعلِّقًا بحقٍّ سابق، وما يترتَّب على الخيار من تقييد الملك أو نفاذ التَّصرُّفات. ثمَّ يلحق بذلك الصَّرف، فيعتني بما يختصُّ به من اشتراط القبض ومراعاة جنس العوضين وما يترتَّب على افتراق المتعاقدين.
ويتناول الشُّفعة والقسمة والإجارات، فيفرِّق في الشُّفعة بين أسباب الاستحقاق وصور سقوط الحقِّ أو بقائه، وفي القسمة بين ما يكون إفرازًا للحقِّ وما يشتمل على معنى المعاوضة. أمَّا الإجارة فيبحث فيها المنفعة والأجرة ومدَّة العقد والقدرة على استيفاء المنفعة، وما يقع من تلف أو عجز أو تغيير، فيردُّ اختلاف الأحكام إلى من يتحمَّل ضمان المنفعة ومتى استحقَّت الأجرة وما إذا تحقق التَّمكين من الانتفاع.
ويعالج في الشَّهادات والدَّعوى والإقرار وسائل إثبات الحقوق وآثارها، فيفرِّق بين الشَّهادة والإقرار من جهة تعدِّي أثر كلٍّ منهما، وبين ما يثبت بالبينة وما يثبت بإقرار الإنسان على نفسه، وبين اختلاف الدَّعاوى بحسب محلِّ الحقِّ واليد والظَّاهر. كما يوازن بين صور الرُّجوع عن الشَّهادة أو الإقرار وما ينشأ عنها من ضمان، ويعتني بتحديد الجهة التي صدر منها الإثبات ومدى حجِّيَّته على المقرِّ أو على غيره.
ويتناول الوكالة والكفالة والحوالة والصُّلح والإكراه، فيبحث حدود ما يملكه الوكيل وما يخرج عن الإذن، والفرق بين مباشرة الأصيل ومباشرة نائبه، وبين ضمان الدَّين بالكفالة وانتقال المطالبة بالحوالة، وما يترتَّب على الصُّلح بحسب الحقِّ الذي وقع عليه. وفي الإكراه يفرِّق بين التَّصرُّفات التي تتأثَّر بالإكراه وتلك التي يبقى لها حكمها، بالنَّظر إلى طبيعة القول أو الفعل وإمكان نسبته إلى المكرَه وآثاره في حقوق العباد.
ويعرض بعد ذلك الحجر والمضاربة والشِّرب والأشربة والرَّهن والوصايا والمأذون، فتدور الفروق فيها على أهليَّة التَّصرُّف وحدود الإذن، وحقوق الشُّركاء وأصحاب الأموال، والضَّمان والرِّبح والخسارة، وتعلُّق حقِّ الغير بالمال. ففي المضاربة يوازن بين تصرُّفات ربِّ المال والمضارب وما يدخل في الإذن المعتاد وما يتجاوزه، وفي الرَّهن بين ملك العين وتعلُّق حقِّ المرتهن بها، وفي الوصايا بين ما ينفذ من مال الموصي وما يتوقَّف على إجازة الورثة، وفي المأذون يبيِّن أثر إذن المولى أو الحجر عليه في التَّصرُّفات والدُّيون.
ويختتم أبوابه بكتاب الدِّيات والجنايات، حيث تتكرَّر المقارنة بين المباشرة والتَّسبُّب، والعمد والخطأ، والجناية على النَّفس وما دونها، وما يقع من الإنسان أو الدَّابَّة أو بسبب إنشاء شيء في الطَّريق أو الملك. ويبحث نسبة التَّلف إلى الفاعل، فيفرِّق بين ما كان نتيجةً مباشرةً لفعله وما وقع بواسطة سببٍ لا يُجعل معه مباشرًا للإتلاف، كما يوازن بين التَّعدِّي في ملك الإنسان والتَّعدِّي في ملك غيره وأثر ذلك في الضَّمان.
ويضيف في آخر الكتاب مسائل متفرِّقة باقيةً على المنهج نفسه؛ فمنها الفرق بين إغماء الإمام وبين سبق الحدث منه في إمكان استخلاف المصلِّين غيره، ومنها إجازة الموكِّل بيعًا أو شراءً باشره غير الوكيل، مع اختلاف ذلك عن الطَّلاق والعتاق، فيعلِّل الفرق بأنَّ البيع والشِّراء من التَّصرُّفات التي تحتمل التَّدبير والإجازة، أمَّا الطَّلاق والعتاق الموكَّل فيهما فمعلَّقان بصدور القول ممَّن أُنيط به التَّصرُّف. وهكذا تبقى مادَّة الكتاب قائمةً إلى نهايتها على مقابلة الفروع المتشابهة ظاهرًا، ثمَّ الكشف عن الوصف الفقهي الدَّقيق الذي غيَّر الحكم في إحداها عن الأخرى.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:







