
نبذة عن الكتاب:
يؤصِّل عزُّ الدِّين عبد العزيز بن عبد السَّلام في كتاب «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» النظر في أحكام الشَّريعة من جهة ما تحقِّقه من مصالح وما تدرؤه من مفاسد، ويجعل هذا المعنى أساسًا لفهم الأوامر والنَّواهي والتَّرجيح بين الأعمال والتَّصرُّفات. فالله عزَّ وجلَّ أمر عباده بما فيه خيرهم، ونهاهم عمَّا يضرُّهم، ورتَّب مصالح الدُّنيا والآخرة على طاعته واجتناب معصيته. ويصرِّح المؤلِّف بأنَّ غرض الكتاب بيان مصالح الطَّاعات والمعاملات وسائر التَّصرُّفات، ومفاسد المخالفات، ومصالح العبادات، وما يُقدَّم من المصالح عند تزاحمها وما يُدفع من المفاسد عند تعارضها.
يمهِّد لذلك ببيان أنَّ تحصيل كثير من مصالح الدَّارين ودرء مفاسدهما يقوم على غلبة الظَّنِّ، لأنَّ الإنسان يتعاطى أسباب المصلحة من غير أن يقطع دائمًا بحصول نتيجتها. ويقيس أحوال الدِّين على شؤون الدُّنيا؛ فالمجتهد ينظر في الأدلَّة رجاء إصابة الحكم، والمريض يتداوى طلبًا للشِّفاء، والتَّاجر يسافر طلبًا للرِّبح، ولا يجوز تعطيل المصالح الغالبة لمجرَّد احتمال تخلُّفها. ومن هنا يربط العمل بالأسباب بالظُّنون المعتبرة التي يغلب صدقها عند قيام أسبابها.
وتقوم قاعدة التَّرجيح عنده على تقديم الأصلح فالأصلح من المصالح، ودفع الأفسد فالأفسد من المفاسد. فإذا أمكن تحصيل المصالح جميعها جُمعت، وإذا تعذَّر ذلك قُدِّم أرجحها، وكذلك إذا أمكن دفع المفاسد كلِّها وجب دفعها، فإن تعذَّر دُفع أعظمها ولو استلزم احتمال ما هو أخفُّ منها. ويقرِّب هذا المعنى بأمثلة من الطِّبِّ؛ فالطَّبيب يدفع أعظم المرضين باحتمال أدناهما، ويختار أعلى السَّلامتين إذا تعذَّر الجمع بينهما، ويتوقَّف عند الجهل بالرَّاجح حتى يتبيَّن له وجه التَّرجيح.
ولا يجعل وجود المصلحة أو المفسدة أمرًا متساوي الرُّتبة، بل يقرِّر تفاوت المصالح والمفاسد تفاوتًا كبيرًا. فالمصالح منها مصالح الواجبات والمندوبات والمباحات، والمفاسد منها مفاسد المحرَّمات والمكروهات، وتتفاوت المثوبة والعقوبة تبعًا لتفاوت ما يترتَّب على الأعمال من خير وشرٍّ. كما يبيِّن أنَّ المصالح الخالصة قليلة؛ إذ قد تقترن المصلحة بمشقَّة أو مفسدة، وقد تتضمَّن المفسدة مصلحةً من وجه آخر، ولذلك لا يكفي وجود أحدهما للحكم، بل لا بدَّ من معرفة الغالب والرَّاجح.
ويفرِّق في طريق معرفة المصالح والمفاسد بين أمور الدُّنيا وأمور الآخرة. فكثير من المصالح والمفاسد الدُّنيويَّة تدركها العقول والتَّجارب والعادات والضَّرورات والظُّنون المعتبرة، أمَّا مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تُعرف إلَّا بالشَّرع. وإذا خفي حكم شرعي طُلب من أدلَّته في الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصَّحيح. وبذلك يجمع المؤلِّف بين اعتبار دلالة الشَّرع وإعمال العقل في إدراك ما يظهر له من منافع التَّصرُّفات وأضرارها في مواضعها.
ويحدِّد حقيقة المصالح في اللَّذَّات والأفراح وأسبابهما، وحقيقة المفاسد في الآلام والغموم وأسبابهما، ثمَّ يقسِّمها إلى دنيويَّة وأخرويَّة. وتتفاوت هذه الرُّتب حتى تكون معرفة الله عزَّ وجلَّ والإيمان به وطاعته من أجلِّ المصالح، بينما يكون الجهل به والكفر والفسوق والعصيان من أعظم المفاسد. وتسمو مصالح الآخرة على مصالح الدُّنيا لدوامها وعظم آثارها، ولذلك يقدِّم أهل الطَّاعة ما يحقِّق مصالح الآخرة ولو اقترن ببعض مشاقِّ الدُّنيا، ويتحمَّلون المفسدة الأدنى دفعًا لما هو أعظم منها.
وتتفرَّع عن هذا الأصل مسائل اجتماع المصالح بعضها مع بعض، واجتماع المفاسد، واجتماع المصلحة والمفسدة في فعل واحد. فالحكم يتعلَّق بإمكان الجمع أو تعذُّره وبمقادير الرُّجحان؛ فقد يُطلب الفعل لما غلب فيه من المصلحة مع اشتماله على مفسدة محتملة، وقد يُمنع لما غلب فيه من الفساد وإن تضمَّن منفعةً ما. ولهذا لا ينظر الكتاب إلى الأحكام منفصلةً عن مآلاتها وآثارها، بل يوازن بين ما يترتَّب عليها، ويجعل معرفة مراتب الصَّالح والأصلح والفاسد والأفسد من أهمِّ أدوات الفقيه في تنزيل الأحكام.
ويبحث الكتاب في الوسائل والأسباب من جهة اتصالها بالمقاصد، فالأعمال التي تفضي إلى المصالح تأخذ حكمًا يناسب ما تؤدِّي إليه، وكذلك الوسائل المفضية إلى المفاسد. وتظهر هذه القاعدة في أبواب كثيرة؛ إذ لا يقتصر النظر على الفعل في ذاته، بل يمتدُّ إلى ما يفضي إليه وما يتولَّد عنه، وإلى قدرة المكلَّف على تحصيل المقصود أو دفع الضَّرر. ومن هنا تتَّصل قواعد المصالح والمفاسد بمباحث القدرة والعجز، والمشقَّة، والرُّخص، والتَّخفيف، واختلاف الأحكام باختلاف الأحوال.
ويمنح النِّيَّات والمقاصد مساحةً مهمَّةً في تحليل الأعمال، فيفرِّق بين الأفعال المتشابهة في صورها باختلاف مقاصد أصحابها، ويتناول أثر النِّيَّة في العبادات والتَّصرُّفات وما يتعلَّق بصحَّة العمل وثوابه. وتأتي الصَّلاة وغيرها من العبادات ضمن أمثلته التَّطبيقيَّة، فيفصِّل أثر النِّيَّة واتِّصالها بالعبادة وأجزائها، ويبيِّن أنَّ تفريق النِّيَّة على أجزاء الصَّلاة على وجه يجعل كلَّ جزء مقصودًا مستقلًّا لا يحقِّق النِّيَّة المطلوبة للصَّلاة بوصفها عبادةً واحدةً.
ولا تبقى القواعد في مستوى التَّأصيل النَّظري، بل يطبِّقها عزُّ الدِّين على طائفة واسعة من أبواب الفقه والعبادات والمعاملات وحقوق الله عزَّ وجلَّ وحقوق العباد. فتدخل في مناقشاته مسائل الأموال والبيع والإجارة والنِّكاح والجنايات والقصاص والحدود والتَّعزير، وما يتعلَّق بإثبات الحقوق وأدائها، كما يستعمل الأمثلة الفقهيَّة لإظهار أثر اختلاف المصالح والحقوق في اختلاف الحكم.
وتظهر قواعد الموازنة أيضًا في أحكام الولايات والقضاء والتَّصرُّف في مصالح الغير؛ لأنَّ الولاية مرتبطة بتحصيل المصلحة لمن جُعلت الولاية عليه، لا بمجرَّد إرادة صاحب السُّلطة. كما يناقش المشاقَّ المؤثِّرة في الأحكام، ويميِّز بين المشقَّة العامَّة المؤثِّرة في الرُّخص والتَّخفيفات، والمشقَّة الخاصَّة، وما يقع بينهما، مستحضرًا تطبيقات تتعلَّق بتصرُّفات الولاة والأوصياء والقضاة.
ويمتدُّ تطبيق منهج المصالح إلى حقوق الله عزَّ وجلَّ وحقوق العباد، وإلى المواضع التي يجتمع فيها الحقَّان، وما يترتَّب على ذلك من اختلاف في الأحكام. ويستحضر المؤلِّف أمثلةً من الحدود والجنايات وردِّ الأموال إلى أصحابها، مبيِّنًا أثر كون الحكم متعلِّقًا بحقِّ الله عزَّ وجلَّ أو بحقِّ الآدمي في طريقة استيفائه وإسقاطه وإعلام صاحبه به.
ويكشف مجموع هذه التطبيقات عن طبيعة الكتاب؛ فهو لا يجمع فروعًا فقهيَّةً متفرِّقة فحسب، وإنَّما يردُّ عددًا كبيرًا منها إلى أصول جامعة تضبط جلب المصالح ودرء المفاسد، وتبيِّن مراتبها، وطريقة العمل عند تزاحمها أو تعارضها. وتدور هذه الأصول حول معرفة المقصود من التَّكليف، وتقديم الرَّاجح على المرجوح، واحتمال المفسدة الأخفِّ لدفع الأشدِّ، وتفويت المصلحة الأدنى لتحصيل الأعلى، والنظر في الوسائل والمآلات والمشقَّات والقدرة والنِّيَّات وحقوق المكلَّفين. ولهذا يقرِّر عزُّ الدِّين أنَّ الشَّريعة كلَّها مصالح؛ إمَّا تجلب خيرًا وإمَّا تدرأ شرًّا، ويجعل هذه القاعدة مفتاحًا لفهم ما يتفرَّع عنها من أحكام العبادات والمعاملات وسائر التَّصرُّفات.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:

