
تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي
عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي، أبو نصر تاج الدين: فقيه شافعي وأصولي ومحدث وقاضٍ ومؤرخ، من بيت علم وفضل؛ فأبوه تقي الدين السبكي من كبار فقهاء الشافعية وأصولييهم، وكان لجده وأخويه أيضًا اشتغال بالعلم. ونسبته إلى سبك من أعمال المنوفية بمصر.
وُلِدَ بالقاهرة، واختلفت المصادر في سنة مولده؛ فقيل سنة 727هـ، وقيل 728هـ، وقيل 729هـ. ونشأ في بيئة علمية، وأُجِيزَ له من جماعة من الشيوخ، منهم ابن سيد الناس، ثم قدم دمشق مع والده سنة 739هـ، فسمع من زينب بنت الكمال، وجمال الدين المزي، وشمس الدين الذهبي وغيرهم، وعُنِيَ بطلب الحديث وكتابة الأجزاء والطباق منذ شبابه، مع ملازمته دراسة الفقه وأصوله والعربية.
كان والده من أبرز شيوخه، كما أخذ عن المزي والذهبي وأبي حيان الأندلسي وشمس الدين ابن النقيب ونجم الدين القحفازي وغيرهم. وقرأ على ابن النقيب، فأجازه بالإفتاء والتدريس وهو في نحو 18 سنة، وقرأ على الذهبي كثيرًا من مصنفاته وغيرها، وتخرج به، وسمع الصحيح وكتب الحديث، وأخذ القراءات عن ناصر الدين بن أبي بكر بن نصر الله.
برز في الفقه والأصول والحديث والعربية، وكان جيد البديهة، قوي الحجة، طلق اللسان، حسن النظم والنثر، واسع الاطلاع، ووُصِفَ بالذكاء وقوة المناظرة والشجاعة والثبات، كما كان كريمًا مهيبًا.
دَرَّسَ في عدد كبير من مدارس دمشق، منها العادلية والغزالية والأمينية والناصرية والعزيزية والعذراوية والشامية البرانية والتقوية، كما تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية، ونزل له الذهبي عن مشيخة دار الحديث الظاهرية قبل وفاته.
وتولى القضاء نائبًا عن أبيه أولًا، ثم اشتغل به استقلالًا باختيار والده، وولي خطابة الجامع الأموي، وانتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب في الشام، وتولى قضاء دمشق غير مرة.
وجرت له بسبب القضاء محن شديدة، فعُزِلَ مرات، واتُّهِمَ في إحدى الفتن بالكفر واستحلال شرب الخمر، وعُقِدَتْ له مجالس بحضور القضاة والعلماء، وكُتِبَتْ فيه محاضر متعارضة؛ بعضها اشتمل على اتهامات شديدة، وبعضها أثنى عليه وشهد له بالخير. وسُجِنَ مدة بالقلعة، وأُخِذَ إلى مصر مقيدًا، ثم أُفْرِجَ عنه، وعاد إلى دمشق وإلى وظائفه. وذكر ابن كثير أن ما جرى عليه من المحن والشدائد لم يجر على قاض مثله، ومع ذلك أظهر في محنه ثباتًا وقوة في المناظرة، ولما عاد إلى وظائفه صفح عمن قام عليه.
تصدَّر للتدريس والإفتاء، وأخذ عنه جماعة من العلماء، منهم مجد الدين الفيروزآبادي، وعز الدين ابن جماعة، وعلاء الدين حجي الحسباني، وعمران الجلجولي، وشرف الدين عبد المنعم البغدادي، وشرف الدين عيسى الغزي، وشمس الدين محمد الغزي، وغيرهم.
صنف في الفقه والأصول والحديث والتاريخ والعقيدة وغيرها، وانتشرت كتبه في حياته. ومن أشهر مصنفاته في أصول الفقه «جمع الجوامع»، الذي صار من أشهر متون الأصول وكثرت شروحه وحواشيه ونظومه، و«منع الموانع عن جمع الجوامع»، و«رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب»، و«تكملة الإبهاج في شرح المنهاج»، و«التعليقة في أصول الفقه».
وله في الفقه «الأشباه والنظائر» في فروع الشافعية، و«التوشيح على التنبيه والمنهاج والتصحيح»، و«ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح»، و«أوضح المسالك في المناسك»، و«تبيين الأحكام في تحليل الحائض»، و«رفع المشاجرة في بيع العين المستأجرة».
ومن مصنفاته في الحديث «تخريج أحاديث إحياء علوم الدين»، و«قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين»، و«جزء في الطاعون»، و«أحاديث رفع اليدين»، و«كتاب الأربعين». وله في العقيدة «نونية في العقائد»، و«قواعد الدين وعمدة الموحدين»، و«السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور»، و«تشحيذ الأذهان على قدر الإمكان في الرد على البيضاوي».
ومن أشهر كتبه في التاريخ والتراجم «طبقات الشافعية الكبرى»، وله كذلك «طبقات الشافعية الوسطى» و«طبقات الشافعية الصغرى»، و«مناقب أبي بكر بن قوام»، و«طبقات الأبدال». ومن كتبه الأخرى «معيد النعم ومبيد النقم»، و«الدلالة على عموم الرسالة»، و«الألغاز»، و«جواب حلب»، وأرجوزة في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته.
وكان «جمع الجوامع» من أكثر كتبه أثرًا، إذ انتشر في حياته وبعد وفاته، وكثرت عليه الشروح والحواشي والنظم والاختصارات، ومن أشهر من شرحه بعده الزركشي والمحلي وأبو زرعة العراقي وحلولو المغربي وغيرهم، كما نُظِمَ في عدد من المنظومات، من أشهرها «الكوكب الساطع» للسيوطي.
أُصِيبَ بالطاعون في أواخر حياته، وتُوُفِّيَ في دمشق يوم الثلاثاء 7 ذي الحجة سنة 771هـ، عن نحو 44 سنة، ودُفِنَ بسفح قاسيون.
كتب تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي PDF
