
نبذة عن الكتاب:
يتعقَّب سراج الدِّين عمر البلقيني في «الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السَّلام» مواضع متفرِّقة من كتاب «قواعد الأحكام في إصلاح الأنام» للعزِّ بن عبد السَّلام، فيستدرك ويحرِّر ويناقش ويضيف القيود والتَّفصيلات حيث تدعو الحاجة، ولا يجري في ذلك مجرى الشَّرح المتتابع لجميع عبارات الكتاب. وقد أملى هذه الفوائد عند قراءة «قواعد الأحكام» عليه من أوَّله إلى آخره، فكانت تعليقاتٍ مرتبطة بالمواضع التي استوقفت نظره، ومتنوِّعة بين الفقه والقواعد والأصول والحديث والتَّفسير واللُّغة وغيرها من علوم الشَّريعة.
ويبدأ بالتَّعليق على مقدِّمة ابن عبد السَّلام، فيناقش إدخال المكروه في الشَّرِّ المتوعَّد عليه بالعقاب، ويميِّز بين المحرَّم والمكروه من جهة الذَّمِّ والعقوبة ووزن الأعمال. ثم يحرِّر الكلام على اعتماد الظُّنون في جلب المصالح ودرء المفاسد، فيستثني ما ثبت قطعًا بخبر الصَّادق، والعقائد التي مدارها على القطع، ويفرِّق بين الأحكام الكلِّيَّة وبين تشخيص الوقائع، وبين الحكم نفسه والطَّريق إلى تنزيله على المعيَّن.
ويناقش ما قرَّره ابن عبد السَّلام في معرفة المصالح والمفاسد بالعقل، وينبِّه إلى ما قد يوهمه إطلاق العبارة من موافقة القول بالتَّحسين والتَّقبيح العقليَّين، ثم يتناول تقسيم أكساب العباد وما يتعلَّق بالموازنة بين الأعمال وثوابها وعقابها. ويشرح الفروق بين اللَّذَّات والأفراح والآلام والغموم عند الكلام على حقيقة المصالح والمفاسد، ثم يراجع تقسيم الطَّاعات بحسب مصالحها الدُّنيويَّة والأخرويَّة، ويقترح تقسيمًا يراعي الطَّاعات البدنيَّة والماليَّة وما إذا كانت مصالحها قاصرةً على فاعلها أو متعدِّيةً إلى غيره.
ويتوسَّع في مناقشة أبواب المصالح والمفاسد وما يتفرَّع عنها من قواعد التَّرجيح والموازنة، فيتعقَّب بعض الأمثلة والتَّقسيمات والضَّوابط التي ساقها ابن عبد السَّلام، ويقيِّد المطلق منها أو يستثني منه صورًا لا يستقيم معها عموم العبارة. ويتناول ما عُرفت حكمته من المشروعات وما لم تظهر حكمته، ومراتب الطَّاعات، ووسائل المصالح والمفاسد، وما يتعلَّق بكون الوسيلة تابعةً لمقصدها، مع التَّنبيه على الفروق التي تؤثِّر في تنزيل هذه القواعد على الفروع.
ويعرض مسائل اجتماع المصالح والمفاسد وتعارضها، وتقديم الأرجح عند تعذُّر الجمع، وما يترتَّب على تفاوت المصالح أو المفاسد في الرُّتب. ويصحِّح في أثناء ذلك بعض التَّطبيقات التي أوردها ابن عبد السَّلام، ومن ذلك اعتراضه على وصف صلح الحديبية بأنَّه تضمَّن إدخال الضَّيم على المسلمين وإعطاء الدَّنيَّة في الدِّين؛ إذ يقرِّر البلقيني أنَّ ما أجاب إليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان مشتملًا على تعظيم حرمات الله تعالى، فلا يصحُّ وصفه في نفس الأمر بالضَّيم والدَّنيَّة.
ويتناول الأحكام المتعلِّقة بالوسائل والمقاصد، وما يثاب عليه المكلَّف من الأفعال والنِّيَّات، فيناقش القول بأنَّ الإنسان لا يثاب ولا يعاقب إلَّا على كسبه أو اكتسابه، ويستحضر حجَّ الصَّبيِّ وما يترتَّب عليه من الأجر. كما يناقش أثر النِّيَّة في الوسائل المباحة، ومن ذلك النَّوم بقصد الاستعانة به على القيام والطَّاعة، مستدلًّا بما ورد عن معاذ رضي الله عنه في احتساب نومه كما يحتسب قومته.
ويبحث جملةً من مسائل العبادات والقرب والكفَّارات، ويوازن بين كون بعض الأحكام جوابر أو زواجر، فيعترض على إطلاق جعل الكفَّارات جوابر لا زواجر، مستدلًّا بما ورد في جزاء قتل الصَّيد للمحرم من التَّعليل بذوق وبال الأمر. ويجري على هذا المنهج في مواضع متعدِّدة، فلا يكتفي بتقرير القاعدة، بل يختبرها بالنُّصوص والفروع ويبيِّن ما يحتاج منها إلى تقييدٍ أو استثناء.
ويتتبَّع مسائل الحقوق وما يختصُّ منها بحقوق الله تعالى أو حقوق العباد أو يجتمع فيه الحقَّان، وما يتفرَّع على ذلك من الأحكام. ويناقش بعض ما ذكره ابن عبد السَّلام في الدُّيون والمظالم، ومن ذلك حكم من مات مدينًا من غير تعدٍّ ولا مطل، فيخالف القول بأخذ مقدار الدَّين من حسناته في الآخرة، ويفرِّق بين استيفاء الدَّين من مال المدين في الدُّنيا وبين أخذ ثواب حسناته في الآخرة مع عدم صدور معصيةٍ منه.
ويفصِّل مسائل تتعلَّق بالأمر والنَّهي والتَّكليف والرُّخص والعزائم وما يطرأ على الأفعال من أحكام بحسب أحوال المكلَّفين. كما يناقش تطبيقات الإكراه والضَّرورة والحاجة، وما يجوز ارتكابه لدفع مفسدةٍ أعظم أو تحصيل مصلحةٍ راجحة، مع التَّدقيق في الشُّروط والقيود التي تمنع تحويل القاعدة العامَّة إلى حكمٍ مطَّرد في صورٍ تختلف عللها وآثارها.
ويعرض مسائل النَّصيحة والغيبة وما يجوز منها لتحقيق مصلحةٍ معتبرة، ويناقش حكم ذكر عيوب من يُستشار فيه في النِّكاح، فيخالف إطلاق الوجوب في ذلك ويجعل الحكم مرتبطًا بما قد ينشأ عن الإخبار من مصالح ومفاسد. كما تتكرَّر في تعليقاته العناية بوزن الفروع بميزان المصالح والمفاسد الذي بنى عليه ابن عبد السَّلام كتابه، مع مراجعته في بعض صور التَّطبيق والتَّرجيح.
ويناقش طائفةً واسعة من مسائل المعاملات والحقوق الماليَّة، وما يتعلَّق بالبيع والدَّيون والإعسار والضَّمانات والتَّصرُّفات وأسباب انتقال الملك وآثار العقود. ويحرِّر في مسألة مدَّعي الإعسار موضع الخلاف في المذهب الشَّافعي، وينبِّه إلى أنَّ بعض الأوجه التي عرضها ابن عبد السَّلام في سياق الحبس إنَّما وردت عند الأصحاب في تعيين من يكون القول قوله، وبذلك يزيل الإشكال الذي نشأ من طريقة تصوير المسألة.
ويتناول أبواب الدَّعاوى والبيِّنات والقضاء وما يتَّصل بأهلية المتخاصمين وأحكام المدَّعي والمنكر والأيمان والشَّهادات. ويستدرك في مسألة اشتراط الرُّشد في المدَّعي، ويناقش عبارة أبي إسحاق الشِّيرازي في اشتراط إطلاق التَّصرُّف فيمن تصحُّ منه الدَّعوى، ويورد نظائر من المذهب الشَّافعي سُمعت فيها الدَّعوى ممَّن لا يملك التَّصرُّف، مستندًا إلى نصوص الشَّافعي رضي الله عنه ومسالك أصحابه في تحرير الحكم.
ويعتني كذلك بضبط الألفاظ الفقهيَّة ودقَّة التَّعبير عن الأحكام، فيعترض على عبارات يرى أنَّها لا تؤدِّي المعنى المقصود على وجهه. فمن ذلك استبداله «إمهال المرتد» بلفظ «تقرير المرتد»، واعتراضه على وصف الغريم بأنَّه «المعسر المجهول اليسار» لما بين الوصفين من تدافع، وتصحيحه بعض العبارات المتعلِّقة بالشَّهادة والذَّكاة وغيرها، فلا تنحصر تعليقاته في الحكم الفقهيِّ، بل تمتدُّ إلى تحرير المصطلح وصياغة العبارة التي ينبني عليها فهم المسألة.
ويجيب عن إشكالات يوردها ابن عبد السَّلام في بعض النُّصوص والقواعد، ومن ذلك مناقشة دلالة حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وما إذا كان الأمر فيه للوجوب أو النَّدب، فيفصِّل الاحتمالات ويبيِّن ما يلزم منها. ويستعمل في هذه المناقشات أدوات الفقه والأصول ودلالات النُّصوص، فيجمع بين تحرير القاعدة والنَّظر في دليلها ومدى انطباقها على الفروع التي أُدرجت تحتها.
ويتوسَّع في تعقُّب المسائل الفقهيَّة، ولا سيَّما ما يتعلَّق بالمذهب الشَّافعي، فينقل الأوجه والتَّخريجات، ويميِّز المعتمد أو المصحَّح منها، ويستدرك ما يراه مخالفًا لما نقله الأصحاب أو لما تقتضيه نصوص المذهب. وقد تطول بعض هذه المناقشات حين تتشعَّب المسألة وتكثر نظائرها، فيستحضر كلام الشَّافعي رضي الله عنه وأصحابه ويقابل الفروع بعضها ببعض للوصول إلى تحرير محلِّ النِّزاع.
ويضمُّ إلى ذلك فوائد حديثيَّة وتفسيريَّة وأصوليَّة ولغويَّة تظهر بحسب الموضع الذي يعلِّق عليه، فيستدلُّ بالأحاديث والآثار، ويستحضر الآيات والقراءات عند الحاجة، وينظر في دلالات الألفاظ وصيغ الأحكام، ويوازن بين الدَّليل والقاعدة والفرع. كما يستدرك أحيانًا على طريقة الاستدلال أو على العبارة نفسها، أو يجيب عن إشكال، أو يضيف قيدًا يحفظ الحكم من دخول صورٍ لا يراد شمولها.
ويستمرُّ الكتاب على هذا النَّمط في مئات التَّعليقات؛ فيسوق البلقيني من كلام ابن عبد السَّلام القدر الذي يريد مناقشته، ثم يعقِّب عليه غالبًا بقوله «يقال عليه»، وقد يكتفي بإشارةٍ وجيزة، وقد يطيل إذا احتاجت المسألة إلى تحريرٍ فقهيٍّ أو استدلالٍ أو ذكر نظائر. وبذلك تتكوَّن مادَّة «الفوائد الجسام» من مراجعاتٍ علميَّة متتابعة لـ«قواعد الأحكام»، تكشف مواضع الاتفاق والاستدراك والتَّقييد والتَّصحيح، وتربط القواعد الكلِّيَّة بتطبيقاتها في أبواب الشَّريعة وفروع الفقه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:







