
نبذة عن الكتاب:
يُحقِّق عبد الرحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة حكمَ إعادة المصلِّي للصلاة التي أدَّاها، ولا سيَّما إذا صلَّى منفردًا أو في جماعة ثمَّ أدرك جماعةً أخرى، وما يتفرَّع عن ذلك من اقتداء المفترض بالمتنفِّل وإعادة الإمام للصلاة إمامًا. ويبني بحثه على جمع الأحاديث والآثار الواردة في المسألة، والنَّظر في أسانيدها وألفاظها واختلاف رواياتها، والجمع بين ما يبدو متعارضًا منها، ثمَّ استخراج الصور التي تثبت فيها مشروعيَّة الإعادة وتمييزها ممَّا يبقى على أصل عدم المشروعيَّة.
ويبدأ بحديث ابن عمر رضي الله عنهما في النَّهي عن أن تُصلَّى صلاة في يوم مرَّتين، ويجمع ألفاظه المختلفة، ومنها: «لا تُعاد الصلاة في يوم مرَّتين»، ويناقش احتمال أن يكون النَّهي عن إعادة الصلاة أكثر من مرَّة بعد أدائها، أو عن اعتقاد فرضيَّة الإعادة، لا عن مطلق إعادة الصلاة مع جماعة أخرى. ويستعين في تفسير الحديث بما نُقل عن ابن عمر رضي الله عنهما نفسه؛ إذ ثبت عنه في جملة من الآثار أنَّه كان يجيز لمن صلَّى في بيته ثمَّ أدرك الجماعة أن يصلِّي معهم، وهو ما يحمل المعلِّمي على الجمع بين النَّهي وبين الأحاديث المثبتة للإعادة بدل جعل أحدهما معارضًا للآخر.
ويستقصي أدلَّة مشروعيَّة الإعادة، فيورد حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه في الأمر بالصلاة لوقتها ثمَّ الصلاة مع الأمراء إذا أُدركت جماعتهم وجعل الثانية نافلة، وحديث يزيد بن الأسود رضي الله عنه في أمر من صلَّيا في رحالهما أن يصلِّيا مع الجماعة، وحديث مِحْجَن الدِّيلي، وحديث يزيد بن عامر، وما رُوي عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وقصَّة من دخل المسجد بعد انتهاء الجماعة فأمر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم من يتصدَّق عليه فيصلِّي معه. ولا يكتفي بسوق هذه الأخبار، بل يفحص أحوال بعض رواتها، ويتتبَّع المتابعات والشَّواهد، ويناقش ما قيل في تفرُّد بعضهم، ليتبيَّن مقدار ما يصلح للاستدلال به في المسألة.
ويخلص في الجانب الفقهي إلى أنَّ الأصل عدم مشروعيَّة إعادة الصلاة، وأنَّ الأدلَّة دلَّت على مشروعيَّتها في صور مخصوصة: أن يصلِّي المرء في بيته أو نحوه ثمَّ يدرك الجماعة في المسجد، وأن يجد من يريد أن يصلِّي منفردًا فيتصدَّق عليه بالصلاة معه، وأن يكون إمامًا راتبًا فيصلِّي في غير مسجده ثمَّ يرجع إلى جماعته فيصلِّي بهم، وأن تقع الإعادة في بعض صور صلاة الخوف. ويجعل ما عدا هذه الصور باقيًا على أصل عدم المشروعيَّة، إلَّا ما لحق بها في المعنى، وبذلك يجمع بين أحاديث الأمر بالإعادة وحديث النَّهي عن تكرار الصلاة.
ويبحث إعادة الصبح والعصر والمغرب على وجه الخصوص؛ لاتِّصالها بأحاديث النَّهي عن الصلاة في بعض الأوقات وبخصوصيَّة صلاة المغرب. ويرجِّح مشروعيَّة إعادة الصبح والعصر عند تحقُّق سبب الإعادة الذي جاءت به السُّنَّة، ويناقش شدَّة الكراهة في أوقات طلوع الشمس وغروبها وتمييزها عمَّا قبل ذلك من الوقت. أمَّا المغرب فيناقش ما نُقل في إعادتها، ومنه قول من يشفعها بركعة، ويرجِّح أن تُعاد على صفتها ثلاث ركعات، مع احتمال أن تكون الصلاة الثانية هي الفريضة في حقيقة الأمر إذا كان في الأولى خلل لم يتنبَّه إليه المصلِّي، أو أن تكون أكثر أجرًا.
وينتقل إلى المسألة الأوسع المتعلِّقة بإعادة الصلاة إمامًا، فيجعل من أهمِّ أدلَّتها قصَّة معاذ بن جبل رضي الله عنه، الذي كان يصلِّي مع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ يرجع فيؤمُّ قومه. ويتتبَّع طرق حديث جابر رضي الله عنه وروايات عمرو بن دينار وابن جريج وغيرهما، ويخصُّ بالبحث زيادة أنَّ صلاة معاذ رضي الله عنه مع قومه كانت له نافلةً ولهم فريضة، ويناقش دعوى إدراج هذه الزيادة في الحديث. ويوازن بين انفراد بعض الرُّواة بها وبين الأصل في رواية الثِّقة الضَّابط، ويبحث إمكان صدورها عن بعض رجال الإسناد على سبيل التَّفسير، من غير أن يسارع إلى الحكم عليها بالإدراج.
ويتوسَّع في دراسة اختلاف روايات قصَّة معاذ رضي الله عنه في تعيين الصلاة؛ أهي العشاء أم المغرب، وفي السُّورة التي قرأ بها، وفي الرَّجل الذي فارقه بسبب التَّطويل، ويقارن طرق عمرو بن دينار وأبي الزُّبير ومحارب بن دثار وغيرهم. ويميِّز بين ما يحتمل أن يكون اختلاف رواية في واقعة واحدة وما يحتمل تعدُّد الوقائع، ويناقش ضبط بعض الرُّواة واضطرابهم، ويستفيد من اختلاف الأسانيد والمتون في تحديد ما يصلح للاحتجاج به على جواز أن يؤمَّ المتنفِّل قومًا يصلُّون الفريضة.
ويضيف إلى قصَّة معاذ رضي الله عنه أحاديث صلاة الخوف، وبخاصَّة حديث جابر رضي الله عنه في صلاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بطائفة ركعتين ثمَّ بطائفة أخرى ركعتين، وما جاء في هذا المعنى من روايات أبي بكرة وغيره. ويدرس احتمال كون صلاة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بالطائفة الثانية نافلةً له وفريضةً لهم، ويناقش اختلاف صفات صلاة الخوف وعلاقتها بآية صلاة الخوف، ودعوى نسخ بعض تلك الصِّفات. ويرفض إثبات النَّسخ بمجرَّد الاحتمال، ويبيِّن إمكان بقاء أكثر من صفة مشروعة لصلاة الخوف ما دامت النُّصوص تحتمل الجمع بينها.
ويناقش بعد ذلك أدلَّة المانعين من اقتداء المفترض بالمتنفِّل، ويخصُّ بالبحث ما استدلُّوا به من حديث «الإمام ضامن»، وحديث «إنَّما جُعل الإمام ليؤتمَّ به»، والنَّهي عن الاختلاف على الإمام. ويعرض استدلال شَبِّير أحمد العثماني بهذه النُّصوص على اشتراط موافقة المأموم للإمام في أصل نيَّة الصلاة، ثمَّ يناقشه تفصيلًا. ففي حديث «الإمام ضامن» يرفض حمل الضَّمان على معنى اشتمال صلاة الإمام على صلاة المأموم، ويفسِّره بضمان الإمام لما يقع بسببه من خلل في صلاة المأموم، مستعينًا بما ورد في مقابلة الإمام الضَّامن بالمؤذِّن المؤتمن.
ويفصِّل في حديث «إنَّما جُعل الإمام ليؤتمَّ به»، فيقرِّر أنَّ المتابعة المطلوبة ظاهرةٌ في أفعال الصلاة من التَّكبير والرُّكوع والرَّفع والسُّجود ونحوها، ولا يلزم منها اتِّحاد نيَّة الإمام والمأموم في الفرض والنَّفل. ويستدلُّ على ذلك بثبوت أصل اقتداء المفترض بالمتنفِّل في الأحاديث التي تقدَّمت، وباتِّفاق من يناقش أقوالهم على جواز الصورة المعاكسة، وهي اقتداء المتنفِّل بالمفترض مع اختلاف النِّيَّتين. كما يناقش دعوى أنَّ أحاديث المتابعة ناسخة لأحاديث الجواز، ويرى أنَّ الجمع والتَّخصيص أولى ما دام النَّسخ غير ثابت، وأنَّ بعض أدلَّة الجواز متأخِّر عن بعض النُّصوص التي استُدلَّ بها على المنع.
ويؤكِّد هذا الترجيح بقصَّة عمرو بن سَلِمة الجرمي رضي الله عنه، الذي أمَّ قومه وهو صغير في عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فيناقش الاعتراض بأنَّه لم يثبت علم النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بإمامته، ويستحضر ما ورد في وفد قومه وأمر النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يؤمَّهم أكثرهم أخذًا للقرآن. وتنتهي معالجة المعلِّمي إلى تقوية جواز اقتداء المفترض بالمتنفِّل، وأنَّ اختلاف نيَّة الفرض والنَّفل لا يمنع صحَّة الاقتداء ما دامت الصلاة في أصل صفتها ممَّا يصحُّ فيه الائتمام، مع بقاء اقتداء المفترض بمثله أولى عند عدم الحاجة إلى خلافه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














