
نبذة عن الكتاب:
يَبحث عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة حكم زواج رجل حنفي من فتاة صغيرة تولَّت أمُّها عقد نكاحها، ثمَّ بلغت الفتاة وولدت، وأرادت أمُّها وخالتها بعد ذلك فسخ النِّكاح، في حين تمسَّك الزَّوج بصحَّته ولزومه على مذهب الحنفيَّة. ويعالج المعلِّمي المسألة من جهتين مترابطتين: حكم العقد في المذهب الشَّافعي، وأثر إجرائه ابتداءً وفق مذهب أبي حنيفة، ثمَّ ما يترتَّب على محاولة الانتقال بعد وقوع العقد من تقليد مذهب إلى مذهب آخر بقصد إبطاله.
ويبدأ بتقرير حكم المسألة عند الشَّافعي، فيبيِّن أنَّ النِّكاح لا يصحُّ إلَّا بوليٍّ صحيح الولاية، وأنَّ الأمَّ لا تملك ولاية تزويج ابنتها، كما أنَّ الحرَّة الصَّغيرة لا يزوِّجها في هذا المذهب إلَّا أبوها أو جدُّها لأبيها عند فقد الأب. وينقل نصَّ الشَّافعي في أنَّ نكاح الصِّغار إذا عقده غير الأب أو الجدِّ يكون مفسوخًا، فلا تثبت به الزَّوجيَّة ولا التَّوارث، وإذا حصل الدُّخول استحقَّت المرأة المهر مع التَّفريق بينهما، ولا يترتَّب على الطَّلاق أو الظِّهار أو الإيلاء حكم الزَّوجيَّة؛ لأنَّ العقد لم يصحَّ من أصله. وعلى هذا الأساس يقرِّر أنَّ بلوغ الفتاة بعد العقد وتمكينها للزَّوج وولادتها منه لا يصحِّح العقد إذا نُظر إليه بمقتضى المذهب الشَّافعي.
ويميز بعد ذلك بين بطلان العقد في المذهب الشَّافعي وبين إمكان صحَّته بسبب إجرائه على مذهب آخر معتبر. فإذا كان قد صدر حكم من قاضٍ معتبر بصحَّة النِّكاح، فإنَّ الحكم يستقرُّ ولا يُنقض باجتهاد آخر؛ عملًا بقاعدة أنَّ الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد وأنَّ حكم الحاكم يقطع الخلاف. أمَّا إذا لم يسبق حكم قضائي، فإنَّ القاضي الشَّافعي يقضي وفق مذهبه، بينما ينظر المفتي إلى حال أصحاب الواقعة وطريقة إجرائهم للعقد؛ فإذا كان الزَّوج والأمُّ والبنت حنفيِّين، وعمل الزَّوج والأمُّ عند إنشاء النِّكاح بمقتضى مذهب أبي حنيفة، فإنَّ المعلِّمي يصحِّح النِّكاح من جهة التَّقليد، فلا يعامله بعد وقوعه معاملة عقد أُنشئ أصلًا على مقتضى المذهب الشَّافعي.
وينتقل من ذلك إلى مسألة تغيير التَّقليد بعد العمل، فيبحث هل يجوز للمتزوِّج والفتاة اللَّذين صحَّ عقدهما وفق المذهب الحنفي أن ينتقلا بعد ذلك إلى تقليد الشَّافعي ليحكما ببطلان النِّكاح. ويستعين بنصوص ابن حجر والسبكي وغيرهما في ضابط الانتقال من مذهب إلى آخر بعد وقوع العمل، ويفرِّق بين مجرَّد الرُّجوع إلى قول إمام آخر وبين التَّلفيق الذي يؤدِّي إلى تركيب صورة لا يصحِّحها أيٌّ من المذهبين. ويشرح ذلك بالمثال الفقهي المتعلِّق بمن حكم ببينونة زوجته فتزوَّج أختها ثمَّ أراد الرُّجوع إلى القول الأوَّل على وجه يؤدِّي إلى اعتقاد زوجيَّة الأختين في وقت واحد، ليبيِّن أنَّ محلَّ المنع هو ما يفضي إلى هذه النَّتيجة المركَّبة.
ويطبِّق هذا الضَّابط على الواقعة، فيقرِّر أنَّ الزَّوج والبنت إذا اتَّفقا معًا على تقليد الشَّافعي لإبطال النِّكاح أمكن ذلك؛ لأنَّه لا يترتَّب عليه في هذه الصُّورة تلفيق بين المذهبين. أمَّا الأمُّ والخالة فلا تملكان فسخ النِّكاح لمجرَّد إرادتهما ذلك، ولو كان العقد صحيحًا، كما أنَّ انفراد الزَّوجة بالرَّغبة في الانتقال إلى مذهب الشَّافعي لإبطال عقد ثبت للزَّوج فيه حقٌّ لا يكفي لفسخه. ويستدلُّ على مراعاة حقِّ الطَّرف الآخر بنظائر فقهيَّة لا ينفسخ فيها النِّكاح بإقرار أحد الزَّوجين وحده بما يؤثِّر في صحَّته إذا تعلَّق بالطَّرف الآخر حقٌّ ثابت.
ويوسِّع المعلِّمي نطاق الحكم ليشمل صور اختلاف المذهب بين أطراف العقد، فيذكر أنَّ التَّفصيل نفسه يجري إذا كان الزَّوج أو الأمُّ أو أحدهما شافعيًّا وكانت البنت حنفيَّة تبعًا لأبيها، متى اتَّفق مَن باشر العقد على تقليد أبي حنيفة عند إنشائه. كما يبحث صورة كون البنت شافعيَّةً ثمَّ صدور فتوى معتبرة بجواز تزويجها تقليدًا لأبي حنيفة لمصلحة محقَّقة لها، فيجعل الحكم في هذه الواقعة تابعًا للمذهب الذي جرى تقليده عند العقد، لا للمذهب الأصلي للفتاة وحده.
ويختم المسألة بالتَّنبيه إلى أنَّ تقليد المذهب الحنفي في تزويج الصَّغيرة بغير الأب والجدِّ، عند القول بجواز هذا التَّقليد، لا يعني أخذ حكم منفرد من المذهب مع إهمال بقيَّة شروطه، بل يجب مراعاة مذهب أبي حنيفة في صحَّة العقد بجميع ما يتَّصل بالواقعة، ومن ذلك اعتبار الكفاءة؛ فإذا كان المتزوِّج غير كفء على الوجه المؤثِّر في صحَّة النِّكاح لم يصحَّ الاستناد إلى المذهب الحنفي لتصحيح العقد. وبهذا يدور البحث على ولاية النِّكاح، وحكم عقد الصَّغيرة، وأثر حكم القاضي، والتَّقليد بعد العمل، ومنع التَّلفيق، وحقوق طرفي العقد، ووجوب مراعاة شروط المذهب الذي جرى تقليده عند إنشاء النِّكاح.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














