
نبذة عن الكتاب:
يُحقِّق عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذا الكتاب حكم جمع الطَّلقات، ولا سيَّما إيقاع الثَّلاث بلفظٍ واحد أو في مجلسٍ واحد، ويتوسَّع في استقراء أدلَّة المسألة من القرآن الكريم والسُّنَّة وآثار الصَّحابة وأقوال الفقهاء، مع مناقشة دلالات النُّصوص وأسانيد الرِّوايات والجمع بين ما يظهر بينها من تعارض. ويبدأ بآيات الطَّلاق في سورتي البقرة والطَّلاق، ويبحث ترتيب نزولها وعلاقة بعضها ببعض، وما وقع فيها من نسخٍ أو تخصيص، ليتبيَّن من ذلك عدد الطَّلقات التي تثبت معها الرَّجعة والطَّريقة التي شرعها الله عزَّ وجلَّ في إيقاع الطَّلاق.
ويُفصِّل دلالة قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}، ويربطها بما كان عليه الأمر في أوَّل الإسلام، حين كان الرَّجل يستطيع أن يطلِّق ثمَّ يراجع زوجته قبل انتهاء عدَّتها مرارًا، فاتَّخذ بعض النَّاس ذلك وسيلةً للإضرار بالنِّساء وإطالة العدَّة عليهنَّ. ويناقش معنى «مرَّتان» وسبب العدول عن لفظ «طلقتان»، ويعرض وجوه تفسير الآية وما ورد عن السَّلف فيها، ثمَّ يبرز احتمال أن يكون المراد بالمرَّة فعل الطَّلاق الذي تعقبه رجعة، بصرف النَّظر عن عدد ألفاظ الطَّلاق المجموعة في ذلك الفعل، وهو ما يتَّصل مباشرةً بحكم من قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، أو كرَّر لفظ الطَّلاق في كلامٍ واحد.
ويتتبَّع بعد ذلك الأحاديث التي استدلَّ بها القائلون بأنَّ الثَّلاث المجموعة تُحسب واحدة، وفي مقدِّمتها حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «صحيح مسلم» أنَّ طلاق الثَّلاث كان في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وصدرٍ من خلافة عمر رضي الله عنه يُجعل واحدة، ثمَّ أمضاه عمر على النَّاس لمَّا استعجلوا وتتابعوا فيه. ويعتني المعلِّمي بألفاظ طرق الحديث وأسانيدها، ويؤكِّد قوَّة الرِّوايات الثَّابتة عن ابن عبَّاس، كما يناقش حديث ركانة وما رُوي في ردِّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم طلاقه الثَّلاث إلى واحدة، وما عورض به من روايات أخرى.
ويناقش احتمال أن يكون حكم جعل الثَّلاث واحدة قد نُسخ في حياة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويعارض هذا الاحتمال باستمرار العمل به في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ومدَّة من خلافة عمر رضي الله عنه، وبأنَّ الرِّوايات تجعل سبب التَّغيير تتابع النَّاس واستعجالهم في الطَّلاق، لا ظهور نصٍّ ناسخ. كما يناقش احتجاج الإمام الشَّافعي باختلاف فتوى ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن روايته، ويستحضر القاعدة القاضية باعتبار رواية الرَّاوي وإن خالفها في فتواه، ثمَّ يتتبَّع ما نُقل عن ابن عبَّاس نفسه من الفتوى بأنَّ من قال لزوجته «أنت طالق ثلاثًا» بفمٍ واحد فهي واحدة، ويناقش اختلاف الرِّوايات عنه من جهة الإسناد والدِّلالة.
ويخصِّص جانبًا من البحث للطَّلاق المأذون فيه، فيعرض ثلاثة مذاهب في كيفيَّته: مذهبًا يجيز للرَّجل أن يجمع أكثر من طلقة، ومذهبًا يجيز إيقاع طلقة في كلِّ طهر، ومذهبًا يجعل المشروع أن يطلِّق طلقةً واحدة ثمَّ يترك المرأة حتَّى تنقضي عدَّتها ما لم يراجعها. ويناقش أدلَّة هذه المذاهب من قوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ومن حديث ابن عمر رضي الله عنهما وآثار الصَّحابة والتَّابعين، ويبرز قوَّة القول الأخير في ضوء ارتباط الطَّلاق بابتداء العدَّة، وما تضمَّنته الآيات من إبقاء باب المراجعة والإصلاح مفتوحًا إلى انتهاء العدَّة.
ويشرح في هذا السِّياق الحكمة التي تظهر من الاقتصار على طلقةٍ واحدة، فيربطها بمنع التَّعجُّل وإتاحة زمنٍ للمراجعة وزوال أسباب النُّفرة، ويستدلُّ بإبقاء المطلَّقة الرَّجعيَّة في بيتها واستمرار نفقتها وطول العدَّة نسبيًّا على أنَّ الشَّريعة أبقت مجالًا واسعًا لعودة الحياة الزَّوجيَّة. ويناقش المصالح التي ذُكرت لتسويغ إتباع الطَّلقة الأولى بثانية وثالثة قبل انتهاء العدَّة، كتعجيل البينونة وما يترتَّب عليها من بعض الأحكام، ويردُّ بأنَّ هذه الأغراض لا تقابل ما في جمع الطَّلاق أو تعجيله من تضييق باب الإصلاح وإيقاع الضَّرر بالزَّوجين والأولاد.
ويبحث كذلك ما ورد من آثارٍ في تفسير «طلاق السُّنَّة»، فيعرض ما نُسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه وغيره من إيقاع طلقة في كلِّ طهر، ويقابل ذلك بما ثبت من آثارٍ في الاقتصار على طلقةٍ واحدة وترك المرأة حتَّى تنقضي عدَّتها. كما يناقش الاستدلال بحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ويفرِّق بين الطَّلاق الذي يقع بعد رجعةٍ جديدة وبين إتباع الطَّلاق بطلاقٍ آخر من غير أن تتخلَّله رجعة، لأنَّ الرَّجعة تعيد الحاجة إلى الطَّلاق إذا تجدَّد سبب الفرقة، بخلاف زيادة الطَّلقات في العدَّة من غير رجعة.
وينتقل إلى مسألة وقوع الطَّلاق البدعي، فيعرض قول الجمهور بوقوعه وأدلَّتهم من عموم آيات الطَّلاق ومن قصَّة ابن عمر رضي الله عنهما حين طلَّق زوجته وهي حائض فأمره النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم بمراجعتها. ويحلِّل دلالة الأمر بالمراجعة، وما رُوي من احتساب تلك الطَّلقة، ثمَّ يعرض أجوبة القائلين بعدم وقوع الطَّلاق المحرَّم، ويتتبَّع طرق حديث ابن عمر وألفاظها، ويميِّز بين ما ثبت مرفوعًا إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وما يمكن أن يكون من فهم ابن عمر أو اجتهاد من جاء بعده.
ويظهر المنهج الحديثي للمعلِّمي بوضوح في هذا الموضع؛ إذ لا يكتفي بإيراد الرِّوايات الموافقة لأحد القولين، بل يفحص الاختلاف في أسانيدها ومتونها، ويناقش أحوال الرُّواة والتَّدليس والإرسال والاختلاط والوهم، ويقارن الطُّرق بعضها ببعض قبل الاستدلال بها. ويستعمل المنهج نفسه في أحاديث ركانة وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم، وفي الآثار المنقولة عن عمر رضي الله عنه وغيره، رابطًا بين النَّقد الحديثي والبحث الفقهي بدل بناء الحكم على روايةٍ منفردة من غير فحص.
ويتوسَّع في تفسير تصرُّف عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حين أمضى الثَّلاث على من جمعها، فلا يجعله دليلًا على أنَّ الحكم النَّبوي الأوَّل كان منسوخًا، بل يناقش السِّياق الذي تذكر فيه الرِّوايات أنَّ النَّاس تتايعوا في الطَّلاق واستعجلوا فيما كانت لهم فيه أناة. ويربط بذلك اختلاف الفتاوى المنقولة عن بعض الصَّحابة، ويبحث إمكان اختلاف الحكم في بعض الوقائع بالنَّظر إلى حال المطلِّق وما يحقِّق المقصود الشَّرعي في زجره، بدل جعل كلِّ ما نُقل من الفتاوى المتفاوتة نقضًا للأحاديث الثَّابتة في أصل المسألة.
ويوازن المعلِّمي في مجموع البحث بين القول بإيقاع الطَّلقات المجموعة كلِّها والقول بأنَّ الطَّلقات التي لم تتخلَّلها رجعة تُحسب طلقةً واحدة، وينتهي إلى تقوية الطَّريق الثَّاني، مستندًا إلى ظاهر آيات الطَّلاق والأحاديث والآثار التي بحثها، وإلى أنَّ ترتيب الطَّلاق الشَّرعي يقوم على طلقةٍ تعقبها إمَّا رجعة وإمساك بمعروف، وإمَّا ترك المرأة حتَّى تنقضي عدَّتها، فإذا وقعت الرَّجعة ثمَّ تجدَّدت الحاجة إلى الطَّلاق كانت هناك طلقةٌ أخرى. ومن ثمَّ لا يجعل مجرَّد جمع الأعداد أو تكرار ألفاظ الطَّلاق من غير رجعةٍ فاصلة مساويًا للطَّلقات المتفرِّقة التي تتخلَّلها الرَّجعات.
ويطبِّق ذلك في آخر الكتاب على من وقعت منه الثَّلاث وأراد العودة إلى زوجته، فيرفض التَّحيُّل لإبطال النِّكاح الأوَّل بادِّعاء خللٍ فيه بقصد التَّخلُّص من أثر الطَّلاق، ويعدُّ فتح هذا الباب مخالفًا لمقاصد الشَّريعة ومفضيًا إلى العبث بحدودها. ويجعل أقرب الطُّرق وأشبهها بالحقِّ لمن أراد الأخذ بالرُّخصة أن يقلِّد من أهل العلم من يقول إنَّ الطَّلقات التي لم تتخلَّلها رجعة إنَّما تُحسب طلقةً واحدة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














