
نبذة عن الكتاب:
يَبحث عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذا الكتاب ظاهرةَ استرقاق الأحرار وبيعهم، وما ترتَّب على اعتماد بعض الحكَّام على إقرار الإنسان بالرِّقِّ من رفض دعواه الحريَّة بعد ذلك، وعدم سماع شهادة الحِسبة التي تشهد بأنَّه حرٌّ. وقد ألَّف المعلِّمي هذه الرِّسالة على خلفيَّة شيوع بيع بعض الأحرار وإكراههم على الإقرار بالرِّقِّ أو ترغيبهم فيه بالمال والمعيشة، فجعل محور بحثه تحديد القيمة الشَّرعيَّة لهذا الإقرار، وشروط ثبوت الرِّقِّ، وحكم دعوى الحريَّة بعد الإقرار، ومدى قبول البيِّنة وشهادة الحِسبة في إثباتها.
ويؤسِّس المعلِّمي بحثه على عِظَم شأن الحريَّة في الشَّريعة، فيستدلُّ بالآيات والأحاديث الواردة في فضل عتق الرِّقاب وفكِّها، وما جعله الله عزَّ وجلَّ من العتق كفَّارةً في جملة من الأحكام، ثمَّ ينظر إلى المسألة من الجهة المقابلة، فينبِّه إلى خطورة استرقاق الحرِّ أو الشَّهادة عليه بالرِّقِّ أو الحكم باسترقاقه من غير تثبُّت. ويربط ذلك بما قرَّره الفقهاء من تشوُّف الشَّارع إلى العتق، وبندرة الأسباب الشَّرعيَّة التي ينشأ عنها الرِّقُّ في زمانه، ويرى أنَّ هذه النُّدرة مع كثرة الاعتداء والفساد تستدعي مزيدًا من الاحتياط في دعاوى الرِّقِّ، لا التَّوسُّع في إثباتها.
ويفصِّل الطُّرق التي يثبت بها الرِّقُّ، فيبحث دلالة اليد والبيِّنة والإقرار، ويميِّز بين الصَّغير والبالغ، وبين مجهول النَّسب ومعلوم الحريَّة أو مشهور النَّسب. ويقرِّر أنَّ مَن عُلمت حريَّته وإسلامه لا تُسمع دعوى الرِّقِّ عليه أصلًا، وأنَّ البالغ الذي يُدَّعى رقُّه ولم تقم عليه بيِّنة معتبرة يكون القول قوله في حريَّته بيمينه، كما يبحث شروط البيِّنة المثبتة للرِّقِّ، وما يقع عند تعارض بيِّنة الحريَّة مع بيِّنة الرِّقِّ، مستحضرًا في ترجيحه غلبة الحريَّة وكونها الأصل في الإنسان.
ويولي الإقرار بالرِّقِّ عنايةً خاصَّة؛ لأنَّه أصل الإشكال الذي قامت عليه الرِّسالة، فيناقش اشتراط الرُّشد في صحَّته، وينقل أقوال عزِّ الدِّين بن عبد السَّلام والزَّركشي والأذرعي وابن قاسم وغيرهم ممَّن اعتبروا الرُّشد في هذا الإقرار كغيره من الإقرارات الماليَّة. ويستدلُّ بأنَّ قول الإنسان إنَّه مملوك لغيره يتضمَّن إقرارًا بالماليَّة، فلا ينبغي فصله عن شروط الإقرار بالمال، ثمَّ يضيف إلى ذلك شرط الاختيار وانتفاء الإكراه، ويرى أنَّ وجود الإنسان تحت سيطرة مَن يطمع في بيعه، مع شيوع الظُّلم والجهل وفساد الأحوال، قد يكون أمارةً قويَّة على وقوع الإكراه. كما يناقش أثر سبق الإقرار بالحريَّة، فلا يجعل الإقرار اللاحق بالرِّقِّ صالحًا لإهدار حريَّة ثبتت قبل ذلك.
ويبحث بعد ذلك إمكان سماع دعوى الحريَّة بعد صدور إقرار سابق بالرِّقِّ، فيتتبَّع نصوص القليوبي وابن حجر والبلقيني والأسنوي والسُّبكي والأذرعي وغيرهم، ويميِّز بين دعوى الإنسان نفسه وبين إقامة البيِّنة حِسبةً. ويؤكِّد أنَّ الحريَّة ليست حقًّا ماليًّا محضًا يتصرَّف فيه الإنسان كيف شاء، بل يتعلَّق بها حقٌّ لله عزَّ وجلَّ لا يسقط بمجرَّد تراضي الأشخاص، ولذلك يستدلُّ بما قرَّره الفقهاء في قبول شهادة الحِسبة في العتق وغيره من الحقوق التي لا تتأثَّر برضا الآدمي. وينتهي في هذا الجانب إلى تأكيد سماع شهادة الحِسبة في إثبات الحريَّة، وعدم ردِّها لمجرَّد أنَّ المسترَقَّ سبق أن أقرَّ بالرِّقِّ.
ويطبِّق المعلِّمي هذه القواعد على الواقع الذي يناقشه، فيفرِّق بين مشهور النَّسب ومجهول الحال، ويقرِّر أنَّ دعوى الرِّقِّ لا تُسمع أصلًا على مَن عُرفت حريَّته، أمَّا المجلوب المجهول الذي يدَّعي الحريَّة فينظر في البيِّنات والإقرار وشروطه والقرائن المحيطة به. ويشتدُّ احتياطه بسبب ما يصفه من شيوع إكراه الأحرار على الإقرار، أو إغرائهم بجزء من الثَّمن، أو حملهم على قبول الرِّقِّ رغبةً في أن يتحمَّل المشتري نفقتهم ومعيشتهم. ومن هنا يرجِّح في تقريره العملي جانب الحريَّة عند اختلال شروط الإقرار وعدم قيام بيِّنة صحيحة على الرِّقِّ، ويجعل بيِّنة الحريَّة وشهادة الحِسبة من الوسائل التي يجب على القضاء سماعها والنَّظر فيها.
ويتناول الكتاب كذلك مسؤوليَّة المشتري، فلا يجعل ظاهر البيع كافيًا لإسقاط واجب التَّثبُّت عند الاشتباه، بل يدعو إلى الاحتياط قبل شراء مَن يُخشى أن يكون حرًّا، وإلى تأمينه وسؤاله عن حقيقة حاله بعيدًا عن الخوف والضَّغط. فإذا ادَّعى الحريَّة وجب رفع أمره إلى الحاكم للبحث والتَّحقيق، وعدم تسليمه إلى مَن جلبه، وينبِّه إلى أنَّ الخطأ في هذه المسألة لا يقف عند بيع إنسان حرٍّ، بل قد تتولَّد منه أحكام ومفاسد أخرى، منها التَّسرِّي واسترقاق الأولاد وما يتَّصل بذلك من حقوق وأحكام.
ويعيد المعلِّمي تحرير المسألة في عدَّة أوراق وصيغ متقاربة، مستندًا إلى نصوص «منهاج الطالبين» و«تحفة المحتاج» وحاشية الشِّرواني وفتاوى ابن زياد و«بغية المسترشدين» وغيرها، ويجمع منها ما يتعلَّق بشروط الإقرار والرُّشد والدَّعاوى واللَّقيط والحَجْر والشَّهادات وشهادة الحِسبة. ويخلص من مجموعها إلى أنَّ مجرَّد الإقرار بالرِّقِّ لا ينبغي أن يُتَّخذ طريقًا لإغلاق باب البحث في الحريَّة، ولا سيَّما مع وجود الإكراه أو السَّفه أو الجهل أو قيام البيِّنة، وأنَّ شهادة الحِسبة بالحريَّة تُسمع لما للحريَّة من حقٍّ مؤكَّد لله عزَّ وجلَّ، ولأنَّها لا تزول بتراضي البشر كما تزول الحقوق الماليَّة المحضة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














