
نبذة عن الكتاب:
يُحقِّق عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرِّسالة حكم التَّسعير وتدخُّل وليِّ الأمر في تحديد الأسعار والأجور عند وقوع الضَّرر بالنَّاس، متَّخذًا من ارتفاع أجور العقار مثالًا للموازنة بين حقِّ المالك في ماله وحقِّ الجماعة في دفع الضَّرر عنها. ويناقش القول بذمِّ مغالاة الملَّاك في الأجور، فيفرِّق بين ما يكون محرَّمًا في نفسه، فيجب منعه بمقتضى الشَّرع، وما لا يبلغ درجة التَّحريم ولكنَّه يكون قريبًا منه وفاشيًا عظيم الضَّرر، فيقرِّر أنَّ لوليِّ الأمر منع النَّاس منه، بل قد يجب عليه ذلك، وأنَّ طاعته فيما يأمر به من غير معصية واجبة؛ إذ لا تنحصر طاعته فيما ثبت وجوبه بنصٍّ خاصٍّ، وإلَّا لم تظهر فائدة تخصيصه بالطَّاعة واختلَّت المصالح.
ويناقش أحاديث التَّسعير، فلا يعدُّ امتناع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن التَّسعير في الواقعة المشهورة نهيًا عامًّا عن كلِّ تسعير، بل يحمل الحديث على الحال التي وقع فيها. ويذكر احتمال أن يكون الغلاء يومئذٍ ناشئًا عن أسباب طبيعيَّة، كجلب التُّجَّار السِّلع من الأماكن البعيدة وبيعها بالرِّبح المعروف، من غير جشع مصطنع أو تواطؤ يضرُّ بالنَّاس، فلا يكون من العدل إجبارهم على البيع بخسارة أو من غير ربح. ومن هنا يجعل النَّظر في سبب ارتفاع الأسعار أساسًا في الحكم، فلا يسوغ للإمام التَّسعير حتَّى يتبيَّن له جشع التُّجَّار أو تواطؤهم وعدم قناعتهم بالرِّبح المعروف مع تضرُّر النَّاس بذلك.
ويختبر هذه المسألة بصورة يتَّضح فيها موجب التَّدخُّل، وهي أن تُحاصر بلدة من بلاد المسلمين ولا يوجد فيها الطَّعام إلَّا عند رجل واحد، فيمتنع من بيع القوت للمحتاجين إلَّا بأثمان فاحشة تبلغ أضعاف قيمته البعيدة. ويستدلُّ بهذه الصُّورة على أنَّ التَّسعير لا يمكن منعه بإطلاق؛ لأنَّ القول بوجوبه عند بلوغ الاستغلال هذا الحدَّ يكشف أنَّ امتناع النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عنه في الواقعة المنقولة لم يكن لكون التَّسعير ممنوعًا لذاته، وإنَّما لعدم قيام ما يستدعيه في تلك الحال.
ويتناول الاحتكار في صلته بارتفاع الأسعار، ويستدلُّ بأحاديث النَّهي عنه، ثمَّ يناقش ما نُقل عن معمر بن عبد الله وسعيد بن المسيَّب من الاحتكار، فلا يجعله معارضًا للحديث، بل يحمل فعلهما على صورة لا تتحقَّق فيها مفسدة الاحتكار المنهيِّ عنه. ويشرح ذلك بموسم كثرة التَّمر، حين يعرض أصحاب النَّخيل محصولهم للبيع وتقتضي حاجتهم بيع مقدار كبير منه، بينما لا يستطيع جميع المحتاجين شراء قوت سنة كاملة دفعة واحدة؛ فشراء التَّاجر حينئذٍ وحفظه إلى وقت حاجة النَّاس إليه لا تظهر فيه المفسدة نفسها، بل قد يكون في منعه إضرار بأصحاب المحصول. ويطبِّق المعنى نفسه على تجارة سعيد بن المسيَّب في الزَّيت الذي يُجلب بكثرة في موسم مخصوص، فيفرِّق بذلك بين الادِّخار الذي يخدم تداول السِّلعة وحاجة السُّوق، والاحتكار الذي يتعلَّق به النَّهي.
وينتقل إلى أجور العقار فيعرض حجَّة الملَّاك القائلة إنَّ العقارات أموالهم، وإنَّ الأصل ألَّا يحلَّ شيء من مال الإنسان لغيره إلَّا بطيب نفسه، ومن ثمَّ لا يلزمهم أن يؤجِّروا أملاكهم بأجرة لا يرضونها ما دام الشَّرع لم يحدِّد لهم مقدارًا معيَّنًا. ويقابل هذه الحجَّة بما تقتضيه أخوَّة الإيمان والتَّراحم والمحبَّة بين المسلمين من الفضل والرَّحمة، فيضع المسألة بين أصل صيانة حقِّ الملكيَّة وبين ما يُطلب من المسلم من الإحسان إلى غيره وعدم الإضرار به.
ويعرض جواب الملَّاك عن مطالبتهم بالتَّخفيف على المستأجرين، فيذكر احتجاجهم بأنَّ جانب المستأجرين لم يراع مصالحهم حين كانت القيود الواقعة على العقارات تنقص حقوق الملَّاك وتحيف عليهم، وأنَّ المستأجرين لم يبادروا حينئذٍ إلى زيادة الأجور بما يعتقدون أنَّ العقارات تستحقُّه، بل عارضوا إعلان حرِّيَّة العقار. ويورد هذا الاعتراض لإبراز أنَّ الاستناد إلى معاني التَّراحم والإيثار لا يصحُّ أن يُنظر إليه من جهة واحدة مع إغفال ما وقع على الطَّرف الآخر من نقص أو حيف.
ويفرِّق كذلك بين أحوال أصحاب العقارات أنفسهم، فلا يعاملهم بوصفهم طبقةً واحدة مستغنية عن الأجرة؛ فمنهم الفقير والأرملة اللَّذان لا مورد لهما إلَّا بيت أو دكَّان يؤجَّر، وقد لا تكفيهما أجرته مع زيادتها، ومنهم صاحب الثَّروة الذي قد يختار أن يجعل صدقته وإحسانه في وجوه يعتقد أنَّها أولى من تخفيض أجرة عقاره. ولذلك لا يجعل مجرَّد ملك العقار دليلًا على القدرة على الإيثار أو موجبًا لإلزام صاحبه بالتَّنازل عن بعض ما يطلبه من الأجرة، بل يميِّز بين الحقِّ الملزم وبين الفضل الذي يُرغَّب فيه وتختلف القدرة عليه باختلاف أحوال النَّاس.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














