يَبحث صلاح الدين العلائي في كتابه «الفصول المفيدة في الواو المزيدة» أحوالَ الواو في العربية وما تتنوع إليه من أصالة وزيادة، ثم يخصّ بالعناية الواوَ الداخلة على أول الكلمة من غير أن تكون جزءًا من بنيتها. ويبدأ بتقسيم الواو إلى أصلية وزائدة، ويجعل الزائدة على ثلاثة أضرب: زيادة تدخل في بناء الكلمة، وزيادة ترتبط بمعنى مقصود تزول بزواله، وزيادة تتقدم الكلمة ولا تُعَدّ من حروفها، وهي المقصودة ببسط البحث. وقبل الانتقال إلى هذا القسم الأخير يعرض لواو الجمع والاستنكار والإشباع والعِوض والنَّسَب، ثم يضع ضوابط للحكم على الواو بالأصالة أو الزيادة، ويناقش مواقع زيادتها في بنية الكلمة وما يستدل به من الاشتقاق والتصريف ووجود الأوزان ونظائرها أو عدمها.
ويحصر العلائي مدار القسم الرئيس من الكتاب في ستة أنواع: واو العطف، وواو الحال، وواو القسم، وواو «رُبَّ»، وواو الجمع في نحو «استوى الماء والخشبة»، وواو الصرف في نحو «لا تنه عن خلق وتأتي مثله». ويعرض أيضًا لما سُمّي بالواو الزائدة المحضة في الجواب وغيره، فيورد الشواهد التي قيل بزيادتها فيها، ثم يبين أن جمهور البصريين لا يجعلونها زائدة، بل يحملونها على العطف على محذوف مقدر. ومن هنا يتجاوز البحث مجرد تعداد معاني الحرف إلى تحرير حقيقة كل واو، وتمييز ما هو نوع مستقل مما يمكن رده إلى العطف أو غيره.
ويستأثر باب واو العطف بقسط واسع من الكتاب؛ فيبحث العطف بين المفردات والجمل، والمناسبة المطلوبة بين الجمل المعطوف بعضها على بعض، وواو الاستئناف وصلتها بأصل معنى العطف، ثم يميز بين الواو الجامعة المشركة في الحكم والواو الجامعة التي يقتضي الفعلُ معها اجتماع الطرفين، كما في «اختصم زيد وعمرو». ويناقش الخلاف في العامل في المعطوف: أهو العامل في المعطوف عليه كما ذهب إليه سيبويه وجمهور المحققين، أم حرف العطف نفسه، أم عامل محذوف يقدّر بعد الواو، ويعرض حجج المذاهب واعتراضاتها. ثم يتتبع أحكام عود الضمير على المتعاطفين، وتكرار العامل أو حذفه، وعطف الجمل التي لها محل من الإعراب والتي لا محل لها، ومواطن وجوب الوصل أو الفصل بحسب تعلق المعاني بعضها ببعض.
ويفرد العلائي بحثًا مطولًا لدلالة واو العطف، فيعرض القول بأنها لمطلق الجمع من غير دلالة بنفسها على ترتيب أو معية، والقول بأنها للترتيب، والقول باقتضائها الجمع مع المعية، والقول بأنها تفيد الترتيب حين يستحيل الجمع. ويرجح مذهب الجمهور في دلالتها على مطلق الجمع، ويستدل له بالنقل عن أئمة العربية واستقراء كلام العرب وشواهد القرآن الكريم والشعر، مبينًا أن تقديم أحد المتعاطفين لا يلزم أن يكون ناشئًا من دلالة الواو على الترتيب، بل قد يكون للاهتمام أو لاعتبارات المعنى. ويبحث لذلك أسباب التقديم، فيرد كثيرًا منها إلى الزمان والطبع والرتبة والسبب والفضل، مع تأكيد أن هذه الاعتبارات تفسر ترتيب الألفاظ ولا تجعل الترتيب مدلولًا لازمًا للواو نفسها.
ويمتد أثر هذا الخلاف عنده إلى أصول الفقه والفروع الفقهية؛ ولذلك يختبر دلالة الواو في مسائل تتوقف أحكامها على الجمع أو الترتيب أو المعية، مستعرضًا ما نُسب إلى الشافعي وغيره في ترتيب أعضاء الوضوء، وما يتصل بألفاظ الطلاق والنكاح والإجازة، ومناقشًا صحة استنباط مذهب لغوي في دلالة الواو من الأحكام المنقولة عن الفقهاء. ولا يكتفي بنقل الفروع، بل يعيدها إلى أصلها اللغوي ليميز ما ثبت بدلالة الواو نفسها مما قام على قرينة أو نص أو حكم فقهي آخر.
ثم يتناول واو الحال من جهة شروط دخولها على الجملة وعلاقتها بالضمير الرابط وبالزمن الذي تدل عليه الجملة، ويناقش هل هي نوع مستقل أم بينها وبين واو العطف علاقة مجاز أو اشتراك، ويعرض في ذلك آراء النحويين والأصوليين. ويبحث واو الجمع التي تكون بمعنى «مع» وما يترتب عليها من نصب الاسم في باب المفعول معه، مستعرضًا الأقوال في ناصبه: أهو العامل السابق بواسطة الواو، أم فعل مقدر، أم المخالفة، أم الواو نفسها، وغير ذلك من التخريجات. أما واو الصرف فيبحث بها نصب المضارع بعد الواو حين يكون المقصود الجمع بين معنيين، ويعرض مذهب الجرمي في نصب الواو للفعل بنفسها، ومذهب الخليل وسيبويه وجمهور أصحابهما في أن النصب بـ«أنْ» مضمرة بعدها، مع بيان الشروط التي يصح بها هذا التخريج.
ويبحث كذلك واو القسم من حيث اختصاصها بالأسماء وكونها جارة بنفسها، وما يترتب على استعمالها من أحكام اليمين، ويقارنها بالباء والتاء، ثم يناقش بعض الفروع الفقهية المتصلة بصيغة القسم والنية والخطأ في الإعراب. ويعتمد العلائي في مجموع هذه المباحث على مزج النظر النحوي بالأصولي والفقهي، مستشهدًا بالقرآن الكريم وقراءاته وكلام العرب والشعر، ومستحضرًا أقوال سيبويه والفراء وأبي علي الفارسي وابن جني والسهيلي وابن مالك وغيرهم، ثم يوازن بين مذاهبهم ويعترض على ما لا يستقيم منها عنده، ولا سيما حين يؤدي اختلاف تفسير الواو إلى اختلاف في توجيه النص أو استنباط الحكم.