يَنْقُد أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن مَضاء اللخمي القرطبي في كتابه «الرَّد على النحاة» ما دخل صناعة النحو من أصول وتقديرات ومسائل يراها زائدة على الغرض الذي وُضع له هذا العلم، مع إقراره بفضل النحاة في حفظ كلام العرب من اللحن وصيانته من التغيير. وهو لا يدعو إلى إسقاط النحو، بل إلى تجريده مما لا يحتاج إليه المتعلم في معرفة كلام العرب والنطق به على وجهه؛ وقد صرّح بأن قصده أن يحذف من النحو ما يُستغنى عنه، وأن ينبّه على ما يرى أن النحاة أجمعوا على الخطأ فيه. ومن هذا المنطلق يهاجم تضخم الصناعة بالتعليلات والافتراضات التي وعّرت مسالكها، ويردّها إلى السماع والمعنى والاستعمال، مع إبقاء القواعد التي تتحقق بها الغاية العملية من النحو.
ويجعل ابن مَضاء نظرية العامل في مقدمة ما يعترض عليه، رافضًا أن تكون الألفاظ أو معانيها هي التي تُحدث الرفع والنصب والخفض والجزم، وما ترتب على هذا التصور من افتراض عوامل محذوفة لتفسير وجوه الإعراب. ويميز في الحذف بين ما تدعو إليه دلالة الكلام ويعلمه المخاطب، فيقبله ويراه من الإيجاز والبلاغة، وبين محذوف يفرضه النحوي مع تمام الكلام بدونه، ومحذوف لو أُظهر لتغير المعنى أو خرج الكلام عن غرض قائله؛ فيرفض النوعين الأخيرين لأنهما، عنده، ناشئان في كثير من المواضع من الإصرار على إيجاد عامل لكل معمول. ولذلك ينكر تقدير فعل محذوف في نحو «أزيدًا ضربته»، كما يعترض على تقدير «كائن» و«مستقر» في الظرف والجار والمجرور إذا كان التركيب تامًّا مفهومًا من غيرهما، ويتشدد خاصة في إقحام معانٍ مقدرة في القرآن الكريم من غير دليل.
ولا يكتفي بالنقض النظري، بل يختبر إمكان تناول مسائل النحو من غير بناء أحكامها على العامل والمعمول؛ ففي باب التنازع يستعيض عن قول النحاة «أعملت» بلفظ «علَّقت»، ويرد الأحكام إلى تعلق الاسم بالفعل وما ثبت من كلام العرب، ويناقش مذهب البصريين والكوفيين في تعلّق الاسم بأحد الفعلين. ويعيد تناول باب الاشتغال من خلال موقع الاسم المتقدم، والضمير العائد إليه، ونوع الجملة من أمر أو نهي أو استفهام أو خبر أو شرط، من غير أن يجعل تقدير عامل محذوف أساسًا للتوجيه. كما يناقش نصب المضارع بعد الفاء والواو، ويرى أن القواعد التي تضبط مواقع النصب ومعانيها يمكن تقريرها من غير افتراض «أنْ» مضمرة وما يتبع ذلك من تحويل الأفعال إلى مصادر مقدرة. ويقف من القياس موقفًا مقيدًا بالسماع وقرب المأخذ؛ فيرفض التوسع في تخريج صور لم ترد عن العرب أو كانت ثمرة قياسات بعيدة تفضي إلى تراكيب معقدة لا حاجة إليها.
ويخصّ ابن مَضاء العللَ النحوية بنقد مفصل، فيفرّق بين العلل الأُوَل التي تُعرَف بها أحكام كلام العرب وتعين على النطق الصحيح، وبين العلل الثواني والثوالث التي تتجاوز بيان الحكم إلى السؤال عن سبب اختيار العرب له، كالسؤال بعد معرفة رفع الفاعل: لِمَ رفعت العرب الفاعل أصلًا؟ ويرى أن هذا الضرب من التعليل لا يزيد المتعلم معرفة بالحكم الذي ثبته الاستقراء، وإن كان بعضه صحيحًا أو مقنعًا؛ ولذلك يدعو إلى إسقاط ما لا تتوقف عليه معرفة العربية. ويدخل في ذلك أيضًا التمارين الافتراضية من قبيل بناء لفظ على مثال مفروض، والإغراق في وجوه محتملة لم يثبت استعمالها، والخلافات التي لا يترتب عليها اختلاف في النطق، مثل النزاع في ناصب المفعول: أهو الفعل أم الفاعل أم كلاهما. فالمعيار الذي يكرر الاحتكام إليه هو مقدار ما تضيفه المسألة إلى فهم كلام العرب واستعماله؛ أما المسائل المظنونة غير المستعملة، والعلل البعيدة، والخلاف الذي لا يفيد نطقًا، فحذفها عنده تقوية لصناعة النحو وتيسير لها.