يعالج أبو البقاء العكبري في هذا الكتاب المواضع التي تحتاج إلى بيان نحوي أو صرفي أو لغوي في روايات الحديث، فينتخب اللفظ أو التركيب المُشكل من الحديث ثم يكشف وجهه في العربية، ويبين ما يصح فيه من إعراب وما يمتنع، وما يحتمله من معانٍ بحسب اختلاف التخريج. ولا يرتب مادته على أبواب النحو، وإنما يجعلها في مسانيد رواة الأحاديث؛ فيبدأ بالقسم الأول الخاص بمسانيد الرجال مرتبة على الحروف الأبجدية، ويفتتح بمسند أُبيّ بن كعب رضي الله عنه، ثم يتتابع في المسانيد، ويجعل لكل مسألة عنوانًا دالًا على القضية التي يعالجها، كمعاني الأدوات، وتقديم الحال، وتعليق الأفعال، والحذف والتقدير، واختلاف وجوه الرفع والنصب والجر والجزم.
ويقوم منهج العكبري على تحليل العبارة من داخل تركيبها؛ فيحدد العامل والمعمول، والمبتدأ والخبر، والفاعل ونائبه، والمفاعيل، والحال والتمييز والصفة والبدل والاستثناء، ويبحث مواقع الجمل والمصادر المؤولة والظروف والجار والمجرور. ويكثر من تقدير المحذوف إذا لم يستقم التركيب إلا به، فيقدر المبتدأ أو الخبر أو الفعل أو القول أو حرف الجر أو المضاف، ويشرح سبب الحذف ودلالة السياق عليه. كما يبحث عود الضمائر، وتقديم بعض أجزاء الجملة وتأخيرها، وتعليق العامل بسبب الاستفهام، ونيابة بعض الألفاظ عن غيرها، وما يترتب على اختلاف التقدير من تغير في المعنى. ومن أمثلة طريقته تفسيره «أنّى» بمعنى «من أين» أو «كيف»، وتوجيهه «بأرضك السلام» على الحال، وبيانه تعليق «تدري» عن العمل عند مجيء الاستفهام بعدها.
ويتسع الكتاب لأبواب كثيرة من حروف المعاني والأدوات، فيتناول استعمالات «ما» الموصولة والمصدرية والنافية والزائدة والكافة، و«إن» و«أن» ومواضع فتح همزتهما وكسرها وتخفيفهما، و«لا» وأحكام عملها وحذف اسمها أو خبرها، و«من» الأصلية والزائدة، و«إذا» الشرطية والفجائية، و«إذ»، و«حتى»، و«منذ»، و«رب»، و«أي» الاستفهامية والشرطية، و«إلا» في الاستثناء وغيره. ويبحث كذلك جواب الشرط والقسم، والجزم، والعطف، والمفعول معه، والاختصاص والإغراء، وتعدد الخبر، وضمير الشأن والفصل، والمصدر الواقع موقع الحال أو المفعول لأجله، وغير ذلك من المسائل التي تثيرها ألفاظ الروايات.
ولا يقف عند الإعراب بمعناه الضيق، بل يعالج صيغ الكلمات وضبطها وتصريفها وما يعتريها من حذف وإبدال وإدغام وتخفيف، ويبين أصل بعض الألفاظ وأوزانها ومصادرها، وما يجوز صرفه أو منعه من الصرف، وحذف حروف العلة والنونات وإثباتها، وأحكام العدد والتذكير والتأنيث. وله عناية ظاهرة بتصحيح ما يقع في بعض طرق الرواية من ألفاظ لا تستقيم على الوجه الفصيح؛ فيصرح أحيانًا بأن الصواب رواية معينة، أو بأن وجهًا لا يجوز، مثل تصحيحه «يعلموننا» بنونين، و«استنقيت» بدل الرواية التي لا يستقيم بناؤها، وإيجابه «ركعتان» في موضع رويت فيه بالنصب، وتصحيحه «سبعون صلاة» في موضع آخر. وقد يثبت الرواية مع توجيهها على وجه عربي محتمل، أو يذكر أكثر من تخريج إذا اتسع لها الاستعمال.
ويوازن العكبري بين الروايات والأوجه النحوية، فلا يسوي بينها دائمًا؛ بل يصف بعض الأوجه بأنه الجيد أو الأقوى، ويصرح أحيانًا بأن غيره ضعيف أو خطأ، ويبين علة الترجيح من جهة الصناعة أو المعنى أو السماع. ويستحضر في ذلك مذاهب البصريين والكوفيين وأقوال أئمة العربية، ويستشهد بالقرآن الكريم وكلام العرب والشعر لإثبات القاعدة أو النظير. ومن ذلك ترجيحه مذهب الكوفيين في جواز دخول «من» على الزمان لابتداء غايته، ومناقشته عمل الأدوات والظروف على مذاهب النحويين، وربطه بين صحة الرواية وبين ما يثبته الاستعمال العربي من قياس أو سماع.
ويكشف هذا المنهج كذلك أثر الإعراب في فهم الحديث؛ فالعكبري لا يكتفي بقول إن اللفظ مرفوع أو منصوب، وإنما يبين المعنى الذي ينتجه كل وجه، وقد يمنع تخريجًا لأن المعنى يفسد به، أو يرجح آخر لأنه أوفق بالسياق. ومن ثم يتناول مسائل كرفع كلمة أو نصبها بحسب كونها خبرًا أو حالًا، والفرق بين جعل الواو للعطف أو المعية، وبين كون الجملة خبرًا أو صفة أو حالًا، وبين حمل اللفظ على الحكاية أو على مقتضى العامل. وقد يفصل في العبارة الواحدة عددًا من القضايا المتتابعة، كما فعل في حديث الشفاعة، إذ بحث تعدية الفعل، واستعمال الظرف، وحذف حرف الجر والمبتدأ، وبدل الاشتمال، وتعدد الخبر، وغيرها من المسائل التي اجتمعت في نص واحد.
ويتكون الكتاب من قسمين كبيرين؛ يضم الأول مسانيد الرجال، مرتبة في أصلها على الحروف الأبجدية، ثم يلحق بها طوائف ممن عُرفوا بالكُنى، ومن لم يعرفوا بآبائهم أو أبنائهم ونسبوا إلى أقاربهم، ومن عُرفوا بالقرب من غيرهم، أو بالنسبة إلى قبائلهم، ثم المجهولين، ومن وقع الشك في أسمائهم. وينتهي هذا القسم بالمسند رقم 113، ثم يبدأ القسم الثاني بمسانيد النساء، فيقسمهن إلى المعروفات بأسمائهن، والمعروفات بكناهن، ومن لم تُعرف أسماؤهن، مبتدئًا بأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وذاكرًا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وميمونة وأم سلمة رضي الله عنهما وغيرهن، ثم أم أيوب وأم جندب وأم كلثوم، حتى ينتهي إلى امرأة من غفار.
ويبلغ ترقيم المسائل في النص المرفق 417 مسألة، وتأتي الأخيرة في حديث امرأة من غفار، حيث يوجه العكبري وقوع اللام في جواب القسم مع تقدير «قد»، ثم ينتهي الكتاب. وبهذا يقدم «إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث» تطبيقًا واسعًا لقواعد العربية على نصوص الحديث، يجمع بين الإعراب والتصريف وضبط الألفاظ وتحليل الأدوات وتصحيح الروايات ومناقشة اختلاف الأوجه، مع الاستناد إلى شواهد العربية وأقوال النحويين، فيتتبع مواضع الإشكال واحدًا واحدًا ويحرر ما تحتمله من تخريجات وما يترجح منها.