يشرح أبو البقاء العكبري في «إعراب لامية الشنفرى» قصيدة الشنفرى الأزدي المعروفة بلامية العرب، متتبعًا أبياتها بيتًا بيتًا من أولها إلى آخرها، وموجهًا عنايته إلى ما اشتملت عليه من مسائل النحو والصرف واللغة. ويبدأ مباشرة بالبيت الأول، ثم يفرد لما يحتاج إلى تفسير من ألفاظ البيت بيانًا لغويًا، ويتبعه بتحليل إعرابي يكشف مواقع الكلمات والجمل والعوامل المتعلقة بها، وما يجوز في التركيب من أوجه. ولا يقتصر على تسمية الوظيفة الإعرابية، بل يبين سبب الإعراب وما يتصل به من معنى، حتى يجعل تفسير التركيب جزءًا من فهم البيت نفسه.
ويقوم منهجه في معظم القصيدة على قسمين متعاقبين: شرح الغريب تحت عنوان «اللغة»، ثم تحليل التركيب تحت عنوان «الإعراب». ففي القسم اللغوي يفسر الألفاظ الوحشية والغريبة التي تكثر في شعر الشنفرى، ولا سيما أسماء الحيوان وصفاته، وألفاظ الصحراء والجوع والحرب والسلاح والسير والليل والحر والمطر؛ فيشرح مثلًا أسماء الذئب والضبع والقوس، وأوصاف الأرض والحجارة والجبال والوحوش، ويبين دلالة الألفاظ النادرة وصيغها. ثم ينتقل إلى الإعراب فيحدد المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول والحال والنعت والبدل والتمييز والظرف، ويبين مواضع الجمل من الإعراب، وتعلُّق حروف الجر والظروف بعواملها، وما يحذف من الكلام وما يقدَّر لإقامة التركيب.
ويكثر العكبري من تعديد الأوجه الإعرابية إذا احتمل البيت أكثر من تخريج، فلا يحمل اللفظ على وجه واحد متى اتسع له كلام العرب. فقد يجعل الجملة حالًا أو استئنافية، واللفظ صفة أو حالًا، والظرف متعلقًا بأكثر من عامل بحسب اختلاف المعنى، والمصدر تمييزًا أو واقعًا موقع الحال، ويبين ما يترتب على كل تخريج. وقد يرجح وجهًا فيصفه بأنه أقوى أو أجود، أو يمنع وجهًا لاصطدامه بأصل نحوي، مثل امتناع تقدم الصلة على الموصول، أو عمل ما بعد الاستفهام فيما قبله، أو الفصل بين العامل ومعموله بما لا يجيزه التركيب. ومن ثم يتحول شرح الأبيات إلى تطبيق واسع للقواعد النحوية على نص شعري شديد التركيب وكثير الحذف والتقديم والتأخير.
ويتناول إلى جانب الإعراب مسائل صرفية وصوتية متعددة، فيبحث أصول الكلمات وما وقع فيها من إبدال وإعلال وإدغام وحذف، وأوزان المبالغة والجموع وأبنية الصفات والمصادر، وما يكون من الحروف أصليًا أو مبدلًا. ومن ذلك مناقشته أصل الياء في «السيد»، وإبدال الواو همزة، وحذف النون من «يكن» لكثرة الاستعمال، وتحليل بعض صيغ الافتعال وما يعرض لها من قلب وإدغام. كما يفسر سبب منع بعض الأسماء من الصرف، والفرق بين المصدر واسم المصدر، وحمل اللفظ تارة على أصله وتارة على ما غلب عليه من الاسمية، فيجمع بذلك بين التحليل النحوي والتحقيق الصرفي للألفاظ.
ويعتني العكبري بحروف المعاني عناية ظاهرة، فيقف عند الفاء والواو و«لا» و«ما» و«من» و«حتى» و«كي» و«لولا» و«إن» و«إذا» و«إذ» و«إلا» وغيرها، ويبين دلالتها وعملها وما يختلف من حكمها بحسب السياق. فيشرح مثلًا معنى «لولا» وتركيبها وحكم الاسم الواقع بعدها، ويعرض أوجه «كي» في نصب المضارع، ويفصل أثر «لم» إذا وقعت في جواب الشرط، ويميز بين أنواع «ما» من موصولة ومصدرية ونافية، وبين «من» الأصلية والزائدة، كما يتناول عمل «لا» وموضع ما بعدها، ويستشهد بقولهم «لا إله إلا الله تعالى» عند بيان رفع ما بعد «إلا» على البدل من موضع «لا» واسمها. ويكشف ذلك عن أن شرح اللامية عنده ليس إعراب مفردات متتابعة فحسب، بل مجال لبحث وظائف الأدوات والقواعد التي تتفرع عنها.
ويستند في توجيهاته إلى أصول النحو ومذاهب أئمته، فينقل آراء سيبويه والأخفش وأبي علي الفارسي وغيرهم، ويعرض ما يترتب على اختلافهم في العمل والتقدير. فمن ذلك مناقشة رأي الأخفش في رفع الاسم بالجار أو الظرف، ومذهب سيبويه في بعض حروف الجر والزيادة والتقدير، واختلافهم في عمل «لولا» وفي غيرها من المسائل. كما يستشهد بآيات القرآن الكريم لتقوية القاعدة أو بيان النظير، ويورد أبياتًا من كلام العرب إذا احتاج إلى شاهد يفسر بناءً أو استعمالًا، فتأتي الشواهد لخدمة المسألة التي أثارها بيت الشنفرى لا على سبيل الاستطراد المجرد.
ويلتفت كذلك إلى اختلاف الروايات في ألفاظ القصيدة، فيذكر أحيانًا أكثر من صيغة للبيت أو للكلمة، ثم يبين ما يترتب على كل رواية من اختلاف في الاشتقاق أو الإعراب، وقد يصرح بأن رواية أجود من أخرى، أو بأن لفظًا مرويًا غلط إذا خالف ما يثبته من اللغة. وهو لذلك لا يتعامل مع نص القصيدة على أنه ألفاظ ثابتة لا اختلاف فيها، بل يوازن بين الروايات حين تصل إليه، ويختبرها بموازين اللغة والتصريف والنحو، كما يفعل في تمييز بعض الألفاظ المتقاربة وفي تفسير الأسماء التي تحتمل أكثر من أصل.
ويمضي الشرح مع موضوعات القصيدة نفسها؛ فيعالج الأبيات التي يعلن فيها الشنفرى مفارقته قومه واستبداله بهم صحبة الوحوش، ثم أبيات صبره على الجوع وخشونته واستغنائه، ووصف الذئب والقطا ورحلات الصحراء، وما يذكره من مطاردة وثأر وشدة احتمال، ثم وصف الحر والليل والقفار وشعره وهيئته، حتى ينتهي إلى مشهد الأراوي التي تدور حوله في الجبل. وفي كل ذلك تبقى عناية العكبري منصبة على تفسير اللغة وإقامة المبنى النحوي، وإن كان يوضح المعنى الإجمالي حيث يحتاج الإعراب إليه أو يتوقف فهم الصورة الشعرية عليه.
ويختم العكبري شرحه بالبيت 68 من القصيدة، بعد أن يعرب ألفاظه وما فيه من أحوال ونعوت وظروف، ثم يصرح بتمام القصيدة وشرحها «على حسب الطاقة والاجتهاد». وبذلك يقدم «إعراب لامية الشنفرى» شرحًا لغويًا نحويًا متصلًا لجميع أبيات اللامية، يجمع تفسير غريبها، وتحرير أبنيتها الصرفية، وتفصيل أوجه إعرابها، ومناقشة اختلاف الروايات والمذاهب النحوية، والاستشهاد بالقرآن الكريم وكلام العرب، بما يكشف دقائق تركيب القصيدة إلى جانب ما فيها من ثراء لغوي.