
نبذة عن الكتاب:
يُؤَصِّل محمد بن حسين الجيزاني في هذا الكتاب جملة القواعد والمناهج الأصولية التي يجمعها تحت منهج أهل السنة والجماعة، قاصدًا إلى جمع جهودهم المتفرقة في هذا العلم، وترتيبها، وتمييز ما اتفقوا عليه مما وقع فيه الخلاف، والتنبيه على المسائل الأصولية التي اتصلت بأصول عقدية يراها مخالفة لمنهج السلف. وقد نشأ الكتاب من رسالة علمية عنوانها «منهج أهل السنة والجماعة في تحرير أصول الفقه»، ثم أعيد ترتيبها وتنقيحها وزيد فيها، مع اعتماد الاختصار، والتأصيل بالدليل، والنقل المباشر من كتب أهل السنة والجماعة قدر الإمكان.
ويمهد لذلك بتعريف أهل السنة والجماعة، ويقصد بهم أهل الحديث والسنة المحضة المتمسكين بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في الاعتقاد والقول والعمل، ويجعل من معالم طريقتهم تقديم الكتاب والسنة، وعرض الآراء والمعقولات عليهما، وترك التعصب للرجال، والجمع بين صحة النقل وصريح العقل. ثم يعرف أصول الفقه بأنه العلم بأدلة الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، ويرد مباحثه الكبرى إلى الأدلة، وطرق الاستنباط، والاجتهاد، والأحكام. ويجعل مصادر قواعده استقراء الكتاب والسنة، وآثار الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وإجماع السلف، واللغة العربية، والفطرة السوية والعقل السليم، واجتهادات العلماء المنضبطة بالشريعة.
ويتتبع تاريخ علم الأصول في ثلاث مراحل؛ تبدأ بتدوين الإمام الشافعي لقواعد الاستدلال في «الرسالة» وما اتصل بها من مؤلفاته في الأخبار والاختلاف والاستحسان، ثم مرحلة برز فيها الاتجاه الحديثي عند الخطيب البغدادي وابن عبد البر، مع الاستفادة من جهود ابن السمعاني وابن قدامة وغيرهم، ثم مرحلة التجديد والنقد عند ابن تيمية وابن القيم. ويبرز في هذه المرحلة الأخيرة عنايتهما بإعادة القواعد إلى نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونقد ما دخل بعض المؤلفات الأصولية من مقدمات كلامية ومنطقية، ومعالجة مسائل مثل تعارض العقل والنقل، والتأويل، والتحسين والتقبيح، ومدى إفادة النصوص للعلم واليقين.
ويبني الباب الأول على الأدلة الشرعية، فينظر إليها أولًا من حيث مصدرها، ومن حيث القطع والظن، ومن حيث النقل والعقل. ويقرر أن الأدلة المتفق عليها أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وأن الأدلة المختلف فيها لا تستقل عنها في أصل حجيتها، بل ترجع إليها، كما ترجع الأربعة في النهاية إلى الوحي. ويشدد على عدم وجود تعارض حقيقي بين الأدلة الصحيحة؛ لأنها جميعًا حق، والحق لا يناقض بعضه بعضًا، وأن التعارض إنما يقع في نظر المجتهد أو بين ظواهر تحتاج إلى الجمع أو الترجيح.
ويجعل القرآن أصل الأدلة، ويتناول ما يتصل بحجيته ودلالته وقراءاته، ثم يبحث السنة من حيث منزلتها من القرآن وحجيتها واستقلالها بالتشريع وبيانها للكتاب، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته، وخبر الواحد والمتواتر وشروط قبول الأخبار. ويؤكد أن السنة الصحيحة حجة يجب المصير إليها، وأن دلالتها لا تدفع لمجرد رأي أو قياس، كما يربط صحة الاستدلال بالنظر في ثبوت الخبر ومعناه جميعًا.
ويبحث الإجماع من جهة حقيقته وإمكانه وحجيته ومستنده، ويربطه باتباع سبيل المؤمنين، ثم يعالج القياس بوصفه من الأدلة المتفق عليها، فيفصل أركانه وشروطه والعلة ومسالك إثباتها، ويقرر أن القياس الصحيح لا يعارض النص الصحيح، بل يكشف عن اشتراك الفرع والأصل في المعنى المؤثر الذي دل عليه الشرع. ويستفيد في هذا الباب من نقد ابن تيمية وابن القيم للأقيسة الفاسدة، فيميز القياس الموافق للنصوص والمقاصد من القياس الذي يتضمن التسوية بين مختلفين أو التفريق بين متماثلين.
ويتناول بعد ذلك الأدلة المختلف فيها: الاستصحاب، وقول الصحابي رضي الله عنه، وشرع من قبلنا، والاستحسان، والمصالح المرسلة. ولا يعاملها على أنها مصادر تشريعية منفصلة عن الوحي، بل يبحث مدى رجوع كل منها إلى أصل شرعي معتبر وشروط صحة العمل به. ومن ثم يقيد الاستحسان بما قام عليه دليل يوجب العدول عن نظير المسألة، ويربط المصلحة المرسلة بمقاصد الشريعة وعدم مخالفة النصوص، ويبحث حجية قول الصحابي رضي الله عنه بحسب وجود المخالف وقوة مستنده.
ويضم إلى مباحث الأدلة النسخ والتعارض والترجيح وترتيب الحجج. فيفرق بين التعارض الحقيقي الممتنع والتعارض الظاهري الذي يقع في فهم المجتهد، ويجعل الجمع بين الأدلة أول الطريق متى أمكن، ثم ينظر في النسخ عند ثبوت التاريخ وتعذر الجمع، ثم في وجوه الترجيح. أما ترتيب الأدلة فيجعل الكتاب أولًا، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس من حيث المنزلة، مع تقرير أن وجوب العمل بالدليل الصحيح ثابت في الجميع، وأن الأدلة المختلف فيها إنما تقبل بحسب ما يثبت اتصالها بتلك الأصول.
وينتقل في الباب الثاني إلى الحكم الشرعي، فيعرض تعريفه وأقسامه التكليفية والوضعية، وما يتصل بالواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، والسبب والشرط والمانع والصحة والفساد والعزيمة والرخصة. ثم يبحث الحاكم ومسألة التحسين والتقبيح العقليين، محاولًا تجنب طرفي النزاع اللذين يجعل أحدهما العقل مستقلًا بالتشريع والثواب والعقاب، ويجرده الآخر من إدراك الحسن والقبح؛ فيثبت للعقل والفطرة إدراك معانٍ من الحسن والقبح مع بقاء التشريع والثواب والعقاب مردهما إلى خطاب الله تعالى.
ويفصل في التكليف وما يتصل بالقدرة والاستطاعة، ويقرر أن الشريعة لا تكلف العبد ما لا قدرة له عليه، وأن الأحكام تتغير بتغير القدرة والعجز في المواضع التي اعتبرها الشارع. ويتناول ضمن قواعد الحكم ما لا يتم الواجب إلا به، والواجب المُخَيَّر، وفرض الكفاية، وأحكام الأسباب والشروط والموانع، مع رد الفروع إلى قاعدة رفع الحرج وارتباط التكليف بالاستطاعة.
ويجعل دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط من صلب العلم، فيبدأ بعلاقة العربية بالشريعة والأسماء الشرعية والاشتراك والترادف ودلالة الاقتران، ثم يميز النص والظاهر والمؤول والمجمل والبيان. ويشدد على أن الأصل في كلام الشارع حمله على ما تدل عليه العربية والسياق والأصول الشرعية، وأن التأويل المقبول يحتاج إلى دليل، فلا يصرف اللفظ عن ظاهره لمجرد احتمال عقلي أو اصطلاح كلامي.
ويفصل الأمر من حيث صيغته ودلالته على الوجوب والفور والتكرار، والأمر بعد الحظر، وعلاقته بالإرادة والنهي عن الضد، ثم النهي ودلالته وما يترتب عليه من فساد المنهي عنه بحسب جهة النهي. ويبحث العام والخاص ومخصصات العموم، والمطلق والمقيد وشروط حمل أحدهما على الآخر، ثم المنطوق والمفهوم، ودلالة الاقتضاء والإشارة ومفهوم الموافقة والمخالفة وشروط الاحتجاج به. وتتحرك هذه المباحث بين القاعدة اللغوية والنصوص الشرعية وآثار السلف، مع نقد ما يراه مبنيًّا على أصول كلامية دخيلة على حقيقة الدلالة.
ويختم بالاجتهاد والتقليد والفتوى، فيفرق بين التشريع الذي هو حق لله تعالى وبين الاجتهاد الذي هو بذل الوسع لمعرفة الحكم الشرعي من أدلته، ويبحث أنواع المجتهدين وتجزؤ الاجتهاد والاجتهاد في العلل والنوازل، ويميز الرأي المحمود المبني على النصوص والأصول من الرأي المذموم المعارض لها. ويشترط للمجتهد العلم بالأدلة ودلالاتها ومواضع الإجماع والنسخ، والقدر الذي يحتاج إليه من العربية والحديث، مع القدرة على الجمع والترجيح وفهم مقاصد الخطاب.
أما التقليد فيجعله مشروعًا في حق من عجز عن معرفة الحكم بدليله، مع ذم التعصب وإلزام العالم بقول شخص بعد ظهور الحجة بخلافه. ثم يضبط الفتوى بشروط العلم والأهلية وفهم الواقعة وحال المستفتي، ويحذر من التسرع في القول على الله تعالى بغير علم. وينتهي إلى الدعوة إلى تجديد علم أصول الفقه بإعادة صياغته، ودراسة الكتب الأصولية وتقويم ما دخلها من مسائل لا تخدم الاستنباط أو قامت على مقدمات عقدية وفلسفية محل نقد، وجمع الآثار الأصولية المفرقة لأئمة أهل السنة والجماعة، ولا سيما أبحاث ابن تيمية وابن القيم.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














