مكتبة الكتب الإسلامية

أسرع موقع لقراءة وتحميل الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة

كتاب الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء علي بن عقيل PDF
كتاب الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء علي بن عقيل PDF

نبذة عن الكتاب:

يَصوغ أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي الحنبلي في كتاب «الواضح في أصول الفقه» علمَ الأصول على طريقةٍ فقهية تُقرِّب مسائله من التطبيق والمناظرة، وتفك العبارات التي غمضت في مصنفات المتقدمين على المبتدئين. وقد ألَّفه استجابةً لطلب جماعة من المتفقهة أن يضع لهم كتابًا جامعًا يجمع الإيضاح والبسط وسهولة العبارة، ويستوفي الحدود والعقود، ويفصل المسائل النظرية بأدلتها واعتراضاتها وأجوبتها. ولهذا يتخذ «الواضح» مسارًا مميزًا: يمهِّد بالأصول والقواعد والمصطلحات، ثم يُدخل علم الجدل في صلب صناعة الاجتهاد، وبعد امتلاك هاتين الآلتين ينتقل إلى مسائل الخلاف، فيعرض المذاهب والأدلة والأسئلة والأجوبة والشبه على نحو يدرّب القارئ على النظر نفسه، لا على حفظ النتائج وحدها.
ويُحدِّد أصول الفقه ابتداءً من معنى الفقه نفسه؛ فالفقه في أصل اللغة هو الفهم، وفي الاصطلاح يتعلق بمعرفة الأحكام الشرعية بطريق النظر والاستنباط. وأصوله هي الأدلة التي تُبنى عليها تلك الأحكام على اختلاف مراتبها، فيذكر الكتاب والسنة ومراتب دلالاتهما، والقياس، وقول الصحابي رضي الله عنه على الخلاف في حجيته، واستصحاب الحال. ويَفصل بذلك بين أصول الفقه وبين العلوم التي تسبقها من جهة التأسيس، كأصول الدين واللغة؛ فهذه قد يحتاج إليها في إثبات بعض المقدمات أو فهم الخطاب، لكنها ليست هي الأدلة الفقهية التي يُستخرج منها الحكم مباشرةً.

ويبدأ القسم الأصولي ببيان معنى العلم وأقسامه، ثم ينتقل إلى الأدلة ومراتب دلالاتها، ويجمع طائفة واسعة من الحدود والعقود والمصطلحات التي يحتاج إليها الناظر في الأصول. كما يولي الحروف والألفاظ عناية ظاهرة لما يترتب على معانيها من اختلاف في فهم النص، فيستعين بالشواهد القرآنية والحديثية، وأقوال أهل اللغة، وما ورد في كلام العرب شعرًا ونثرًا، حتى تظل المسألة الأصولية موصولةً باللغة التي تحمل الدليل الشرعي.

ويُرتِّب الأدلة بحسب طبيعتها وقوتها، ويَبحث القرآن من جهة النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب وفحوى الخطاب، ثم السنة ومراتب نقلها ودلالتها، وما يتبع ذلك من مسائل النسخ والإجماع والقياس وسائر طرق الاستدلال. وتظهر في مواضع كثيرة عنايته بالفصل بين مراتب الدلالة؛ ففحوى الخطاب عنده من أقوى وجوه فهم المعنى من النص، ولذلك يناقش إدخاله في القياس، ويعرض قول من يجعله دلالة لفظية مستفادة من قوة الخطاب نفسه، كفهم تحريم الضرب من تحريم التأفيف، لا مجرد إلحاق فرع بأصل عن طريق علة مستنبطة.

ويَمنح قول الصحابي رضي الله عنه موضعًا مستقلًا من النظر؛ فيعرض المذاهب في حجيته، ويفحص دعوى تقويته بالقياس الضعيف، ويرفض أن يصبح ما ليس بحجة في ذاته حجةً لمجرد ضمه إلى دليل ضعيف. كما يذكر الخلاف في تخصيص العموم بقول الصحابي رضي الله عنه، ويربط ذلك بالسؤال السابق عن مرتبته أصلًا: فمن أثبت له الحجية أجاز أن يكون له أثر في صرف العموم، ومن نفى حجيته لم يجعله مخصصًا.
ويبحث النسخ من جهة حقيقته وشروطه والطرق التي يقع بها، مع عناية خاصة بعلاقة القرآن بالسنة. وينقل عن الإمام أحمد أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن، وأن السنة تفسر القرآن، ثم يعرض ما يتصل بقوة الناسخ والمنسوخ، فيجيز نسخ المتواتر بالمتواتر وخبر الواحد بالمتواتر، ويمنع نسخ المتواتر بخبر الواحد. وتكشف هذه المعالجة عن طريقته في رد مسائل النسخ إلى مراتب الأدلة، بدل الاكتفاء بتعريف النسخ على وجه مجرد.

ويُفرد للمفتي والمستفتي مباحث تتصل بأهلية النظر، وبمن يجوز له الإخبار عن حكم الله تعالى، وما يحتاج إليه من العلم بالدليل ووجوه دلالته، وكيف يسأل العامي ومن يسأل. وتأتي هذه المباحث في نهاية التمهيد الأصولي قبل الانتقال إلى الجدل، لأن الفتيا عنده ثمرة لاستعمال الأصول وليست نشاطًا منفصلًا عنها.

ثم يَفتح في «الواضح» بابًا واسعًا للجدل، ويصرح بأن الجدل من أدوات الاجتهاد؛ ولذلك جمع قواعده بعد تمهيد الأصول وقبل مسائل الخلاف. ويتناول حد الجدل وعقوده وشروطه وآدابه ولوازمه، وطريقة السؤال والجواب، وكيفية المنع والمطالبة والنقض والمعارضة، وترتيب الكلام بين الخصمين. وبهذه البنية يجمع الكتاب بين علمين كانا يفترقان في كثير من المصنفات: معرفة الدليل، ثم معرفة الطريق التي يُختبر بها ذلك الدليل عند المناقشة والاعتراض.

ويَجعل حسن العبارة جزءًا من صناعة المناظرة نفسها؛ فالمقصود من الجدل الوصول إلى الحق وإيضاحه، وسوء التعبير قد يحجب المعنى ويصرف الذهن عن الحجة. ولهذا يحث على كثرة الدرس والمذاكرة حتى تذل العبارة للناظر، ويستطيع أن يؤدي المعنى بألفاظ قليلة بينة. ثم يراعي اختلاف أحوال الخصوم؛ فمن كان نظيرًا خوطب بالموازنة، ومن كان أعلى منزلةً تجنبت معه الخشونة المباشرة، لأن نفرة النفس قد تقطع طريق الفهم وتفسد ثمرة المناظرة.
ويتتبع في الجدل ألفاظ الخصم ومسالكه الدقيقة؛ فقول المناظر «يجوز» أو «يمكن» أو «يُتوهم» أو «يُقدَّر» قد يتوقف على أصل غير مسلم، وحينئذ يُعاد الكلام إلى ذلك الأصل قبل السماح ببناء الفرع عليه. ويَظهر في هذه المواضع أن ابن عقيل يريد من الجدل ضبط حركة الاستدلال نفسها: أين يبدأ النزاع، وما الذي سُلِّم، وما الذي يحتاج إلى برهان، ومتى يكون الانتقال إلى الفرع سابقًا لأوانه.

وبعد اكتمال هذه الأدوات يَدخل في مسائل الخلاف، فيبدأ بالأوامر والنواهي، ثم فحوى الخطاب والاستثناء والمجمل والمفسر والمحكم والمتشابه وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والنسخ والأخبار والإجماع والقياس والاجتهاد. وطريقته في هذه المرحلة ثابتة في أصولها: يَفصل المذاهب، ثم يسوق أدلتها، ثم يورد الأسئلة على تلك الأدلة، ثم الأجوبة، ثم الشبهات وما يرفعها؛ وقد صرَّح بأن مقصوده من هذا التنظيم تعليم المبتدئين طريقة النظر.
ويُفصِّل في الأمر والنهي من جهة الصيغة والدلالة وما يقتضيه الخطاب عند التجرد، وعلاقة الأمر بالوجوب والتكرار والفور، وما يتصل بالأمر بالشيء بالنسبة إلى ضده، ثم يقابل ذلك بالنهي وأثره في التحريم والفساد. وتأتي مسائل الاستثناء والمجمل والمفسر والمحكم والمتشابه ضمن بناء لغوي يختبر مقدار وضوح الدلالة وحاجتها إلى بيان أو قرينة، بحيث يرتبط اختلاف الفقهاء بمأخذهم في فهم الخطاب لا بمجرد نقل النتيجة الفقهية.

ويَبحث أفعال النبي صلى الله عليه وسلم من حيث دلالتها على أحكام الأمة، وما يقع منها بيانًا لواجب أو تنفيذًا لحكم أو فعلًا مبتدأً، كما يتناول الأخبار من جهة الثبوت والعمل والتعارض. وفي خبر الواحد تظهر عنايته بالموازنة بين الخبر والقياس، فيعرض أقوال الفقهاء عند وقوع التعارض بينهما، وينقل مذاهب من يقدم الخبر، ومن يقدم القياس في بعض الصور، ومن يفصل بحسب حال الراوي وصلته بالفقه والاجتهاد.

ويستعمل خبر الواحد في مناقشة أصول أخرى أيضًا؛ فمن ذلك إثبات الإجماع بطريقه. ويَفرِّق هنا بين القطع بالحكم الذي ثبت بالإجماع وبين طريق علمنا بوقوع الإجماع نفسه؛ فقد يصل نقل الإجماع بطريق آحاد فيكون علمنا بوقوعه ظنيًا، مع بقاء الحكم المجمع عليه قطعيًا إذا ثبت الإجماع بطريق قطعي. بهذا يميز بين مرتبة الأصل ومرتبة الطريق الناقل له، ويمنع الخلط بينهما.
ويُثبت حجية الإجماع في غير عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويرد على من قصره عليهم، ثم يدرس تغير محل الإجماع وما إذا بقي الحكم السابق بعد تغير الحال. ويُقرِّر أن الإجماع المنعقد على واقعة بصفة معينة لا يلزم أن يشمل صورة تغير فيها الوصف المؤثر؛ فالإجماع على حكم المتيمم حال عدم الماء مثلًا لا يحسم حكمه بعد وجود الماء، لأن الواقعة أصبحت حادثةً أخرى يطلب حكمها من دليلها.
ويَتوسع في القياس من جهة حجيته وأقسامه ومراتبه، ويعرض الجلي والواضح والخفي، ثم يبحث الأصل والفرع والحكم والعلة، وما يصح التعليل به، وطرق معرفة العلة، والاعتراضات التي يمكن أن تتجه إليها. كما يوازن بين القياس وغيره من الأدلة، ويبحث إمكان استناد الإجماع إلى القياس، ويقرر أن كون القياس فرعًا عن الكتاب والسنة لا يمنعه من أن يكون أمارة معتبرة، وأن اتفاق المجتهدين على حكم مستند إليه ينقل المسألة إلى مرتبة أخرى من القوة.
وتظهر النزعة الفقهية في هذه المباحث من خلال كثرة الفروع والأمثلة؛ فالعلة لا تُناقش في فراغ، بل تُختبر في مسائل يتبين بها أثر الطرد والنقض والمعارضة والفارق. كما أن العموم والخصوص والنسخ وخبر الواحد وقول الصحابي رضي الله عنه تُعرض مع نتائجها في الفقه، وهو ما يحقق قصد ابن عقيل في إخراج الأصول من العبارة الكلامية المغلقة إلى «الطريقة الفقهية والأساليب الفروعية».

ويَصل في الاجتهاد إلى صفة الناظر وقدرته على استعمال هذه الأدوات مجتمعةً؛ فالمجتهد يحتاج إلى معرفة النصوص وطرق دلالاتها، ومراتب الأخبار، ومواقع الإجماع، والقياس، ومناهج الترجيح، ثم إلى القدرة على دفع الاعتراضات والتمييز بين السؤال المؤثر وما لا أثر له. ولهذا جاء الجدل في بنية الكتاب سابقًا لمسائل الخلاف: لأن ممارسة الاجتهاد عند ابن عقيل تشمل بناء الدليل واختباره والدفاع عنه، لا مجرد العثور على نص أو قاعدة.

ويتميّز «الواضح» كذلك باستقلال ابن عقيل في الترجيح داخل المذهب الحنبلي وخارجه؛ فيذكر أقوال أصحاب المذاهب، ويحرر محل الخلاف، ثم يختار ما يقوى عنده بدليله. وقد نُقل عنه أن الواجب اتباع الدليل لا مجرد اتباع الإمام أحمد، وتظهر هذه الروح داخل الكتاب في كثرة اعتراضه على الأقوال وتحرير الحجج، مع بقاء انتمائه إلى أصول المذهب الحنبلي واستفادته الظاهرة من «العدة» لشيخه أبي يعلى.
وفي مواضع كثيرة يَفصل بين الخلاف الحقيقي والخلاف الذي لا يجاوز العبارة. ومن أمثلته مسألة إثبات الإجماع بخبر الواحد؛ إذ يرى أن بعض صور النزاع فيها تعود إلى اختلاف التعبير عن درجة العلم، لأن الطرفين يلتقيان على أن خبر الواحد لا يورث القطع بنفسه، وإنما يقع النزاع في تسمية ما يثبت به. وهذه القدرة على تفكيك الخلافات الاصطلاحية من الخلافات المؤثرة إحدى سمات طريقته في تحرير المسائل.

ويُلحق ابن عقيل في آخر مادته جملةً من المسائل التي تتبعها بعد الفراغ من الأبواب الكبرى، وفصولًا التقطها من الكتب والمجالس، فسجل فيها غرائب مسائل لم تستوعبها الخطة السابقة. ويظهر قبيل هذه الإلحاقات تصريحُه بالطريقة التي اتبعها في العرض: تفصيل المذاهب، ثم الأدلة، فالأسئلة، فأجوبتها، فالشبهات والرد عليها، وهو تصريح يكشف أن غرض «الواضح» التعليمي ظل حاضرًا حتى نهاية بناء الكتاب.



إحصائيات الكتاب
قُرئ0مرةحُمِّل0مرة
يقرأه 0 الآنانضم معهم
يحمّله 0 الآنانضم معهم

أبو الوفاء علي بن عقيل
الإمام العلامة البحر، شيخ الحنابلة، أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظَّفَرِي الحنبلي المتكلم، صاحب التصانيف، كان يسكن الظَّفَرِيَّة، ومسجده بها مشهور. ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وسمع أبا بكر بن بِشْرَان، وأبا الفتح بن شِيطَا، وأبا محمد الجوهري، والحسن بن غالب المقرئ، والقاضي أبا يعلى ابن الفَرَّاء، وتفقه عليه، وتلا بالعشر على أبي الفتح بن شِيطَا، وأخذ العربية عن أبي القاسم بن بَرْهَان، وأخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد، وأبي القاسم بن التَّبَّان، صاحبي أبي الحسين البصري، فانحرف عن السنة. وكان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته، وعلق كتاب «الفنون»، وهو أزيد من أربعمائة مجلد، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث. حدث عنه: أبو حفص المَغَازِلِي، وأبو المَعْمَر الأنصاري، ومحمد بن أبي بكر السَّنْجِي، وأبو بكر السَّمْعَانِي، وأبو طاهر السِّلَفِي، وأبو الفضل خطيب الموصل، وابن ناصر، وآخرون. أنبؤونا عن حماد الحَرَّانِي، سمع السِّلَفِي يقول: ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته. تكلم يومًا مع شيخنا إِلْكِيَا أبي الحسن، فقال له إِلْكِيَا: هذا ليس مذهبك. فقال: أكون مثل أبي علي الجُبَّائِي، وفلان وفلان، لا أعلم شيئًا؟! أنا لي اجتهاد، متى ما طالبني خصم بالحجة، كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقوم له بحجتي. فقال إِلْكِيَا: كذاك الظن بك. وقال ابن عقيل: عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم، وما خالطت لَعَّابًا قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم، وأنا في عشر الثمانين أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين، وبلغت لاثنتي عشرة سنة، وأنا اليوم لا أرى نقصًا في الخاطر والفكر والحفظ، وحدة النظر بالعين لرؤية الأهلة الخفية، إلا أن القوة ضعيفة. قال ابن الجوزي: كان ابن عقيل دينًا، حافظًا للحدود، توفي له ابنان، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه، وكان كريمًا ينفق ما يجد، وما خلف سوى كتبه وثياب بدنه، وكانت بمقدار. توفي بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وكان الجمع يفوت الإحصاء. قال ابن ناصر شيخنا: حزرتهم بثلاثمائة ألف. قال المبارك بن كامل: صلي على شيخنا بجامع القصر، فأمهم ابن شافع، وكان الجمع ما لا يحصى، وحمل إلى جامع المنصور، فصلي عليه، وجرت فتنة، وتجارحوا، ونال الشيخ تقطيع كفن، ودفن قريبًا من الإمام أحمد. وقال ابن الجوزي أيضًا فيه: هو فريد فنه، وإمام عصره، كان حسن الصورة، ظاهر المحاسن. قال: قرأت على القاضي أبي يعلى من سنة سبع وأربعين وإلى أن توفي، وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني، وكان أبو الحسن الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها، يعلمني المناظرة، وانتفعت بمصنفاته، ثم سمى جماعة من شيوخه. ثم قال: وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا. قلت: كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة، ويأبى، حتى وقع في حبائلهم، وتجسر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة. قال: وأقبل علي الشيخ أبو منصور بن يوسف، وقدمني على الفتاوى، وأجلسني في حلقة البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخنا في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وقام بكل مؤنتي وتجملي. وأما أهل بيتي، فإنهم أرباب أقلام وكتابة وأدب، وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى، ولم أزاحم فقيهًا في حلقة، ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة عن الفائدة، وأوذيت من أصحابي، حتى طلب الدم، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس. وفي «تاريخ» ابن الأثير، قال: كان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على ابن الوليد، فأراد الحنابلة قتله، فاستجار بباب المراتب عدة سنين، ثم أظهر التوبة. وقال ابن عقيل في «الفنون»: الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي؛ لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك من قلوبهم، زالت الحشمة. قال: فتهافتهم في التشبيه أحب إلينا من إغراقهم في التنزيه؛ لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات، فيخافون ويرجون، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي، فلا طمع ولا مخافة في النفي، ومن تدبر الشريعة، رآها غامسة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ الظاهرة التي لا يعطي ظاهرها سواه، كقول الأعرابي: أويضحك ربنا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، فلم يكفهر لقوله، تركه وما وقع له. قلت: قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل. فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم، حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم خليلًا، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك. والظاهر الآخر، وهو الباطل والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي، والله أعلم. قال السِّلَفِي: سمعت ابن عقيل يقول: كان جدي كاتب بهاء الدولة بن بويه، وهو الذي كتب نسخة عزل الطائع، وتولية القادر، وهي عندي بخط جدي. وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: حكى ابن عقيل عن نفسه، قال: حججت، فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر، فإذا شيخ أعمى ينشده، ويبذل لملتقطه مائة دينار، فرددته عليه، فقال: خذ الدنانير. فامتنعت، وخرجت إلى الشام، وزرت القدس، وقصدت بغداد، فأويت بحلب إلى مسجد، وأنا بردان جائع، فقدموني، فصليت بهم، فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا: إمامنا توفي، فصل بنا هذا الشهر. ففعلت، فقالوا: لإمامنا بنت، فزوجت بها، فأقمت معها سنة، وأولدتها ولدًا ذكرًا، فمرضت في نفاسها، فتأملتها يومًا، فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر، فقلت لها: لهذا قصة. وحكيت لها، فبكت، وقالت: أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول: اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد العقد علي. وقد استجاب الله منه، ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت إلى بغداد. وحكى عن نفسه، قال: كان عندنا بالظَّفَرِيَّة دار، كلما سكنها ناس أصبحوا موتى، فجاء مرة رجل مقرئ، فاكتراها، وارتضى بها، فبات بها وأصبح سالمًا، فعجب الجيران، وأقام مدة، ثم انتقل. فسئل، فقال: لما بت بها، صليت العشاء، وقرأت شيئًا، وإذا شاب قد صعد من البئر، فسلم علي، فبهت، فقال: لا بأس عليك، علمني شيئًا من القرآن. فشرعت أعلمه، ثم قلت: هذه الدار، كيف حديثها؟ قال: نحن جن مسلمون، نقرأ ونصلي، وهذه الدار ما يكتريها إلا الفساق، فيجتمعون على الخمر، فنخنقهم. قلت: ففي الليل أخافك، فجيء نهارًا. قال: نعم. فكان يصعد من البئر في النهار، وألفته، فبينما هو يقرأ، إذا بمعزم في الدرب يقول: المرقي من الدبيب، ومن العين، ومن الجن. فقال: أيش هذا؟ قلت: معزم. قال: اطلبه. فقمت وأدخلته، فإذا بالجني قد صار ثعبانًا في السقف، فعزم الرجل، فما زال الثعبان يتدلى حتى سقط في وسط المندل، فقام ليأخذه ويضعه في الزنبيل، فمنعته، فقال: أتمنعني من صيدي؟! فأعطيته دينارًا وراح، فانتفض الثعبان، وخرج الجني، وقد ضعف واصفر وذاب، فقلت: ما لك؟ قال: قتلني هذا بهذه الأسامي، وما أظنني أفلح، فاجعل بالك الليلة، متى سمعت في البئر صراخًا، فانهزم. قال: فسمعت تلك الليلة النعي، فانهزمت. قال ابن عقيل: وامتنع أحد أن يسكن تلك الدار بعدها. أخبرنا إسحاق بن طارق، أخبرنا أبو البقاء يعيش، أخبرنا عبد الله بن أحمد الخطيب، أخبرنا علي بن عقيل الفقيه، أخبرنا أبو محمد الجوهري، أخبرنا القَطِيعِي، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هَوْذَة، حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال: كنت عند ابن عباس، إذ أتاه رجل، فقال: إنما معيشتي من التصاوير. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صور صورة، عذبه الله يوم القيامة حتى ينفخ فيها، وليس بنافخ فيها أبدًا». المصدر: كتاب سير أعلام النبلاء لشمس الدين الذهبي.
عرض النبذة وكتب المؤلف
كتاب الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء علي بن عقيل PDF - مكتبة الكتب الإسلامية