
نبذة عن الكتاب:
يَسْتَخْرِج سليمان بن سليم الله الرحيلي في هذا الكتاب المواضع التي تناول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بعض مسائل الأمر الأصولية بالنقد والتحليل، ثم يجمع كلامه المتفرق فيها ويضم بعضه إلى بعض حتى تتضح أصوله ونتائجه. ولا يقصد الكتاب إلى استيعاب جميع مباحث الأمر من صيغه ودلالته على الوجوب والفور والتكرار ونحوها، وإنما يركز على مسألتين ربط ابن تيمية الخلاف فيهما بأصول عقدية أوسع: الإرادة في الأمر، وإمكان اجتماع الأمر والنهي في العمل الواحد. ويجعل متن البحث في الغالب من كلام ابن تيمية نفسه، مع عزو مواضعه في «مجموع الفتاوى» وشرح ما يحتاج إلى بيان وربط الأقوال بأصولها.
ويمهد لذلك ببيان موقفه من تطور علم أصول الفقه، فيعرض نشأته من قواعد الاستنباط التي جرى عليها الصحابة رضي الله عنهم والأئمة، ثم يناقش دخول مباحث كلامية ومنطقية وفلسفية في بعض مصنفاته. ويستند في ذلك إلى انتقادات ابن تيمية للخلط بين الأصول الشرعية والمقدمات الفلسفية والكلامية، ويبرز منهجه في رد المسائل إلى الكتاب والسنة وأقوال السلف، وربط المقالة الأصولية بأصلها الذي نشأت عنه في الاعتقاد أو الكلام. كما يقرر أن نقد ابن تيمية لا يقف عند بيان الخطأ، بل يتبعه بتعيين وجهه وذكر القول الصحيح والاستدلال له.
ويخصص المبحث الأول للإرادة في الأمر، ويبين أن أصل المسألة متصل بمبحث القدر وإرادة الله تعالى. فالإرادة عند أهل السنة والجماعة نوعان: إرادة كونية قدرية خلقية تتعلق بكل ما يقع في الوجود، وإرادة دينية شرعية أمرية ترجع إلى المحبة والرضا. ومن عدم التفريق بين هذين النوعين نشأ الاضطراب في تقرير علاقة الأمر بالإرادة؛ لأن السؤال عن كون الأمر مستلزمًا للإرادة لا يستقيم قبل تحديد أي الإرادتين يراد.
ويعرض في هذا السياق قول من جعل الأمر مستلزمًا للإرادة مطلقًا، وربطه بالقدرية ومنهم المعتزلة، وقول من نفى استلزام الأمر للإرادة بإطلاق، وربطه بالجهمية والأشاعرة، ثم يبرز القول الثالث الذي يراه موافقًا للسلف وأئمة الفقه: أن الأمر يستلزم الإرادة الشرعية الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية القدرية. فالله تعالى يحب ما أمر به ويرضاه إذا وقع، ويريد من المأمور فعله من جهة كونه مأمورًا به، لكن ليس كل مأمور به واقعًا بمشيئته الكونية؛ إذ قد يأمر العبد بالطاعة ولا يشاء كونًا وقوعها منه.
ويستدل لهذا التفريق بالنصوص التي تثبت إرادة الله تعالى الشرعية فيما يحبه لعباده من اليسر والطاعة، وبالنصوص التي تجعل الإرادة الكونية نافذة لا يتخلف مرادها، فيقرر أن الخلط بين الإرادتين أفضى إلى طرفين متقابلين: طرف نفى تعلق الإرادة بالأمر حتى لا يلزمه وقوع كل مأمور به، وطرف ساوى بين ما أراده الله تعالى كونًا وما أحبه ورضيه شرعًا. ويعيد ابن تيمية المسألة إلى أصل جامع يمنع الإشكال: ما شاءه الله تعالى كونًا وقع، أما ما أمر به شرعًا فقد يقع وقد لا يقع بحسب ما سبق به القدر.
وينتقل المبحث الثاني إلى مسألة العمل الواحد: هل يجوز أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه؟ ويربط أصل الخلاف بمسألة الشخص الواحد الذي تجتمع فيه الطاعة والمعصية والإيمان والفسق. فمذهب أهل السنة أن المسلم قد يكون مطيعًا من وجه عاصيًا من وجه، مؤمنًا بإيمانه فاسقًا بمعصيته، ولا يلزم من ارتكابه الكبيرة زوال جميع ما معه من الإيمان. وفي المقابل يجعل البحث موقف الخوارج والمعتزلة من مرتكب الكبيرة أصلًا مؤثرًا في تصورهم إمكان اجتماع جهتي الأمر والنهي في فعل أو شخص واحد.
ويعرض المسألة الأصولية من خلال المثال المشهور بالصلاة في الدار المغصوبة، ويذكر فيها أربعة اتجاهات: امتناع اجتماع الأمر والنهي عقلًا وشرعًا، وجوازه عقلًا مع بطلانه شرعًا، وجوازه عقلًا وشرعًا وهو قول أكثر الفقهاء، واتجاه يقرر الامتناع العقلي مع القول بحصول الإجزاء سمعًا على معنى أن الإجزاء حصل عند الفعل لا به. ويبرز نقد ابن تيمية لهذا الاتجاه الأخير خاصة، كما يرفض جعل المسألة ممتنعة بمجرد دعوى التناقض العقلي قبل التمييز بين جهة المأمور به وجهة المنهي عنه.
ويقرر أن الفعل المعين لا يمكن أن يؤمر به وينهى عنه بعينه ومن الجهة نفسها؛ لأن ذلك جمع بين طلب الفعل وطلب تركه على وجه واحد. أما إذا اختلف مورد الأمر والنهي فلا يمتنع الاجتماع؛ فالمكلف مأمور بالصلاة في الجملة، ومنهي عن الكون في الأرض المغصوبة، فإذا جمعهما باختياره وصلى فيها لم يكن الشارع قد أمره بهذه الصورة المركبة من حيث هي كذلك، وإنما هو الذي جمع بين امتثال الأمر بالصلاة ومخالفة النهي عن الغصب.
ومن هنا يمكن وصف من صلى في الأرض المغصوبة بأنه مطيع من جهة وعاص من جهة؛ فقد أتى بجنس الصلاة المأمور به، واقترن فعله بمحظور مستقل هو الغصب. ويناقش البحث مع ذلك وجهًا آخر يجعل النهي عن الكون في المكان المغصوب متناولًا بعض أفراد الصلاة الواقعة فيه، بالنظر إلى اتصال المكان بالفعل وكون النهي عن الجنس متناولًا لأنواعه. ويظهر أثر هذا التفصيل في الكلام على الصحة والإجزاء والثواب والإثم، وفي إمكان أن يبرأ المكلف بأداء المأمور به مع اقتران فعله بمعصية تنقص ثوابه أو تخل ببعض المقصود.
ويكشف الكتاب من خلال هاتين المسألتين عن طريقة ابن تيمية في نقد بعض التقسيمات الأصولية؛ إذ لا يعالج المسألة بوصفها خلافًا اصطلاحيًّا معزولًا، بل يبحث عن أصلها العقدي ومقدماتها التي بنيت عليها، ثم يميز المعاني التي جُمعت تحت لفظ واحد، ويرد كل معنى إلى حكمه. ففي الإرادة يزول الإشكال بالتفريق بين الكونية والشرعية، وفي اجتماع الأمر والنهي يزول بإثبات اختلاف الجهة؛ فالعمل الواحد يمكن أن يتعلق به أمر من وجه ونهي من وجه آخر، أما اجتماعهما فيه من الجهة نفسها فمتعذر.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














