
نبذة عن الكتاب:
يَبْسُط شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي في كتاب «شرح تنقيح الفصول في علم الأصول» المسائل التي أجملها في متنه «تنقيح الفصول»، فيعيد بناء عباراته المختصرة بالشرح والتعليل والاعتراض والجواب، ويستدرك عليها بالفوائد والقواعد والفروق والتفريعات التي لم يتسع لها المتن. وقد امتزج الشرح بالمتن امتزاجًا شديدًا حتى صار الاثنان في بنائهما العلمي وحدة واحدة؛ فعبارة «التنقيح» تمثل أصل المسألة، ثم يتولى القرافي كشف حدودها ومآخذها ومناقشة الأقوال فيها، مع ظهور شخصيته العلمية في الاختيار والتصحيح والاعتراض، لا في مجرد حل ألفاظ كتاب سبق تأليفه.
وينتظم الكتاب في عشرين بابًا تضم نحو مائة فصل، ويجري بناؤه العام من المقدمات الاصطلاحية إلى دلالات الخطاب، ثم إلى الأدلة والاجتهاد. فأبوابه الأولى تتناول الحدود والاصطلاحات التي يحتاج إليها الأصولي، وتفسير أصول الفقه، والحقيقة والمجاز والدلالة والمشترك والمطلق والظاهر والمجمل والمبين والأمر والنهي والحكم، ثم معاني الحروف التي يحتاج إليها الفقيه وتعارض مقتضيات الألفاظ. ويكشف أول الشرح عن عناية القرافي المبكرة بالحدود؛ فهو لا يكتفي بتعريف الحد، بل يبحث سبب تقديمه، وشروط الجامعية والمنع، والفرق بين الحد والرسم، وأسباب فساد التعريف، وإمكان دخول المجاز والمشترك فيه إذا دلت القرينة، ثم يعترض على حدود العلماء ويختبرها بالأمثلة والنقوض.
وتنتقل المادة بعد هذه المقدمات إلى صميم الاستدلال اللفظي، فتبحث الأوامر والنواهي، والعموم، وأقل الجمع، والاستثناء، والشرط، والمطلق والمقيد، ودليل الخطاب أو مفهوم المخالفة، والمجمل والمبين. ولا تظهر هذه الأبواب باعتبارها دراسة لغوية مستقلة، بل من حيث أثر اللفظ في إنتاج الحكم: ماذا تقتضي صيغة الأمر؟ وما الذي يلزم النهي؟ وبأي وجه يخصص العام؟ ومتى يعمل بالمطلق؟ وما الذي يدل عليه القيد أو الشرط أو الاستثناء؟ وكيف يفهم المسكوت عنه من المنطوق؟ ولهذا كانت مباحث الدلالات عنده أداة استثمار النصوص، تتصل بعدها اتصالًا طبيعيًا بمباحث السنة والإجماع والقياس والاجتهاد.
ثم يتناول فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فيُفَرِّق بين فعله الواقع بيانًا لمجمل، وما يدل على التشريع، وما يتعلق بخصوصه صلى الله عليه وسلم، ويتصل بذلك البحث في اتباع أفعاله وشرع من قبلنا. ويعقبه النسخ، ثم الإجماع، فالخبر وما يتصل بثبوته ودلالته، قبل أن يفسح للقياس مجالًا واسعًا لما يتطلبه من تحرير الأصل والفرع والحكم والعلة وطرق إثباتها والقوادح الواردة عليها. وبعد ذلك يأتي التعارض والترجيح، ثم الاجتهاد بما يندرج تحته من حقيقته وحكمه وشروطه وزمانه ونقض الاجتهاد، والتصويب والتخطئة، والاستفتاء والتقليد.
ويختم القرافي أبواب الأدلة بجمع ما يستعمله المجتهد من الطرق التي وقع الخلاف في الاحتجاج بها، ومنها قول الصحابي رضي الله عنه، والاستصلاح، والاستحسان، والاستصحاب، والعرف، مع عناية خاصة بما اشتهر نسبته إلى المذهب المالكي. وهو لا يقبل دائمًا تصوير الخلاف المذهبي على صورته الشائعة؛ ففي العرف مثلًا يقرر أنه ليس خاصًا بالمالكية، بل العمل به موجود في المذاهب، وفي المصلحة المرسلة يلاحظ أن من يصرح بإنكارها قد يبني فروعه على مجرد المناسبة من غير شاهد خاص بالاعتبار، كما يقسم الذرائع ويبحث القدر المتفق عليه والمختلف فيه منها. ثم يضم إلى آخر الكتاب جملة من تصرفات المكلفين واصطلاحاتهم الفقهية كالقبض والإقباض والإسقاط والالتزام والشركة والإذن والإتلاف، انتقالًا من صناعة الدليل إلى آثارها في التصرف الفقهي.
وتظهر الصبغة المالكية في الكتاب من غير أن تحوله إلى أصول مذهب مغلق؛ فقد قصد القرافي إلى بيان مذهب الإمام مالك في الأصول حتى يعرف الفقيه وجه اتصال الفروع بأصولها، ولذلك يرصد الأقوال المالكية ويصحح نسبتها ويدافع عنها عند الحاجة، لكنه لا يمتنع من مخالفة ما ينقل أو من مناقشة غير المالكية وإنصاف حججهم. ومن أمثلة ذلك تصحيحه بعض ما نُسب إلى مالك في دلالة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومناقشاته للمصلحة والعوائد والذرائع، بحيث تصبح المقارنة المذهبية طريقًا لاختبار الأصول لا مجرد تسجيل لمواضع الاختلاف.
ويستمد الكتاب قدرًا كبيرًا من بنيته من «المحصول» لفخر الدين الرازي، الذي لازم القرافي دراسته واختصاره وشرحه في أكثر من مصنف، إلا أن «شرح تنقيح الفصول» لا يختزل في كونه شرحًا مصغرًا للمحصول. فقد اعتمد القرافي كذلك على مصادر مالكية، من أبرزها «الإفادة» للقاضي عبد الوهاب، و«الإشارة» للباجي، وكلام ابن القصار، واستفاد من كتب الأصول والفقه والتفسير والحديث واللغة والنحو. ومع اتباعه ترتيب الرازي في مواضع كثيرة، يحذف ما لا يراه نافعًا، ويزيد مسائل، ويصحح بعض التقارير، ويتمم النقص، ويضيف المادة المالكية والفروق والقواعد التي أكسبت الكتاب شخصية مستقلة.
ولا تجري مناقشاته على نمط واحد من النقل، بل يكثر فيها إنشاء السؤال المحتمل على المسألة ثم تفكيك الإشكال والجواب عنه، وقد يصرح أحيانًا ببقاء الإشكال إذا لم يظهر له جواب يطمئن إليه. كما يعتني بتفريق المسائل التي قد تتشابه صورتها مع اختلاف حقائقها، ويثبت خلال الأبواب فوائد وتنبيهات وفروعًا وقواعد قد تتجاوز أصل المسألة إلى تطبيق فقهي أو لغوي أو منطقي. ولهذا يرد في كلامه كثير من صور «فإن قلت قلت»، والنقض والمعارضة، واختبار الحد بالمثال المضاد، والتمييز بين الخلاف الحقيقي والخلاف الناشئ عن اختلاف الاصطلاح أو محل الكلام.
وتتجلى هذه الطريقة منذ أول الكتاب حين يناقش تعريف الفقه نفسه، فلا يثبت الحد ثم يمضي، بل يورد عليه اعتراضات تتصل بكون أكثر الفقه ظنيًا، وبالأحكام المتعلقة بالقلوب، وبحال المقلد، وبمدلول الاستغراق في «الأحكام»، ثم يحاول دفع هذه الاعتراضات أو يختار صياغة يراها أدق. وهذه الروح نفسها تمتد في الكتاب إلى مباحث الخبر والنسخ والقياس والتعارض والاجتهاد: عرضُ القول لا ينفصل عند القرافي عن امتحانه بحدوده ولوازمه وآثاره في الفروع، ولا عن مقارنة ما يقرره في المسألة بما تنبني عليه الأحكام الفقهية.
ويبلغ هذا المنهج مداه في المواضع التي يجمع فيها بين القاعدة الأصولية والثمرة الفقهية؛ فالحد عنده أداة لمنع اختلاط الحقائق، ودلالات الألفاظ طريق لفهم النص، والقياس وسيلة لإلحاق الحوادث بأصولها، والترجيح لتمييز أقوى الأدلة عند التعارض، والاجتهاد هو المجال الذي تعمل فيه هذه الآلات مجتمعة. وفي آخر الكتاب يتسع النظر إلى الأدلة المختلف فيها وتصرفات المكلفين، فيظل الشرح متصلًا بما بدأ به من ضبط الاصطلاح والمعنى، لكنه ينتهي إلى استعمال ذلك الضبط في عمل المجتهد والفقيه وفي تنزيل الأحكام على صورها المختلفة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














