
نبذة عن الكتاب:
يُفْرِد أبو حامد محمد بن محمد الغزالي في هذا الكتاب جانبًا دقيقًا من مباحث القياس الأصولي، مركزًا على الطرق التي تُعرف بها علة الحكم، وعلى التمييز بين المؤثر والمناسب والمُخَيَّل والشَّبَه والطَّرْد، وما يلابس هذه المصطلحات من اشتباه في كلام الفقهاء والأصوليين. ولا يقصد إلى استيعاب جميع أبواب القياس، بل يخص بالعناية المسائل الأغمض والأشد حاجة في النظر والمناظرة، ويحيل فيما استغنى عنه إلى ما سبق له تقريره في «المنخول»، مع توسع ظاهر في الأمثلة الفقهية والأسئلة والاعتراضات والأجوبة التي تمتحن صحة القواعد عند التطبيق.
ويمهد للبحث بتحديد القياس والعلة والدلالة والفروق بينها؛ فالقياس عنده إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم، والعلة جزء من القياس وليست مرادفة له، كما أن كل علة يمكن أن تكون دلالة على الحكم، ولا تكون كل دلالة علة؛ لأن الدليل قد يكشف عن الحكم من غير أن يكون الوصف الذي عُلِّق به الحكم سببًا له. ثم يقسم النظر في القياس إلى خمسة أركان: طريق معرفة علة الأصل، والعلة نفسها، والحكم، والأصل المقيس عليه، والفرع الملحق به، ويجعل الركن الأول أوسعها وأدقها لكون صحة القياس متوقفة على ثبوت الوصف الجامع علةً للحكم.
ويستقصي في طرق إثبات علة الأصل، مبتدئًا بالنص الصريح على التعليل، ثم بالإيماء والتنبيه اللذين يُفهم منهما اعتبار وصف معين في الحكم من غير تصريح بلفظ العلة. ومن صور ذلك ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب، وذكر الحكم عقب واقعة عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم، وإقحام وصف في سياق الحكم بحيث يصبح ذكره بلا فائدة لو لم يكن معتبرًا، والتفريق بين صورتين بصفة فاصلة، وجعل وصف غاية للحكم أو استثناءً منه، والنهي عن فعل لكونه مانعًا من واجب. ويبين أن هذه الأساليب تثبت أصل اعتبار الوصف، مع بقاء النظر بعد ذلك في كونه علة لذاته أو لما يتضمنه من معنى؛ فالنهي عن قضاء القاضي حال الغضب، مثلًا، يفتح البحث في تعليق الحكم بعين الغضب أو بما يصاحبه من اضطراب الفكر وضعف القدرة على استيفاء النظر.
ويحرر بعد ذلك التأثير والمناسبة وما يتصل بهما من الإخالة؛ فيجعل المؤثر وصفًا ثبت بالنص أو الإجماع كونه علة للحكم في موضعه أو في غيره، ويفصل المناسب من حيث اشتماله على معنى يلائم تصرف الشرع ومقاصده في جلب المصالح ودفع المفاسد. ويجعل ألفاظ المُخَيَّل والمشعر والمؤذن بالحكم عائدة في أصلها إلى معنى المناسبة، ثم يميز المناسب عن المؤثر وعن الملائم، ويناقش مراتب المناسبة وقوة الاعتماد عليها. ويتصل بهذا الاستدلال المرسل، حيث يكثر من الأمثلة لتحديد ما يصلح من المصالح للاعتبار وما يفتقر إلى شاهد شرعي يؤيده.
ويَخْتَبِر مسلك الاطراد والانعكاس، ثم يجعل التمييز بين الشَّبَه والطَّرْد من أعقد مسائل الكتاب؛ لأن الوصف غير المناسب قد يُتخذ علامة على الحكم مع خفاء وجه المصلحة فيه، وقد يكون مجرد وصف طَرْدِيّ لا يستحق الالتفات. ومن هنا يناقش اصطلاح الفقهاء في «قياس الشَّبَه»، ويبين أن مجرد خلو الوصف من المناسبة لا يكفي للفصل بين الشَّبَه والطَّرْد، وإنما العبرة بما يقوم من دليل على صلاحية الوصف للاعتماد. كما يفرق بين قياس الشَّبَه الأصولي وبين استعمال «الشَّبَه» في بعض الفروع، كجزاء الصيد، ويعالج ما يقع عند اجتماع مناطين أو تركب المسألة من شائبتين، وكيفية تغليب أحدهما على الآخر.
ويصل من تحليل الأوصاف إلى «تنقيح مناط الحكم»، فيفصل بين الأوصاف التي اقترنت بالواقعة وبين ما له أثر حقيقي في الحكم، حتى يستخلص الوصف الذي يدور عليه التعليل بعد حذف ما لا مدخل له فيه. ثم يعرض أشكال البراهين الجارية في المسائل الفقهية، فيقسمها إلى برهان اعتلال، وبرهان استدلال، وبرهان خلف. ويرد برهان الاعتلال إلى مقدمتين ونتيجة، ويفرق بين النزاع في ثبوت الحكم للأصل والنزاع في اندراج الفرع تحت الوصف الجامع، موضحًا أن الأول يفتقر إلى دليل شرعي، بينما قد يستند الثاني إلى الشرع أو العقل أو اللغة بحسب نوع الدعوى.
ويخصص الركن الثاني للعلة وأحكامها، فيبحث معنى إضافة الحكم إليها، وتخصيص العلة، واجتماع علتين على حكم واحد، والعلة القاصرة التي لا تتعدى محلها، وتعليل الحكم في محل النص. ثم يميز العلة عن محل الحكم من خلال فروع فقهية تتشعب عنها آثار دقيقة في الضمان والكفارات والطلاق وغيرها، مبينًا أن الخلط بين الوصف المؤثر والمحل الذي يقوم به الحكم يفسد بناء القياس ويغير جهة الإلحاق.
ويبحث في ركن الحكم ما يجوز إثباته بالقياس وما يمتنع، ويناقش تعليل الأسباب والأحكام وما يتفرع عنه، ثم يفرد للنفي الأصلي طريقًا مختلفًا عن قياس العلة؛ إذ يجعل الوصول إليه من طريق الاستدلال بالسبر أو الدلالة أو الاستصحاب. وفي ركن الأصل يضع شروط ما يصح القياس عليه، ويناقش الحكم الثابت بالعقل أو اللغة أو القياس، ومسألة القياس على الأصل المعدول به عن سنن القياس، وما يقصده الفقهاء بقولهم إن مسألة ما «خارجة عن القياس»، والمواضع التي تصح فيها هذه الدعوى والمواضع التي لا تستقيم.
ويختم بركن الفرع، فيبحث علاقة تقدمه وتأخره عن الأصل، واشتراط ألا يكون الحكم المطلوب إثباته فيه منصوصًا عليه على وجه يغني عن القياس، ثم يدفع ما قد يظهر من مناقضة بعض الأقيسة لهذا الشرط، كإلحاق كفارة الظهار بكفارة القتل في اشتراط الإيمان، وإلحاق قتل العمد بقتل الخطأ في إيجاب الكفارة. وبهذه المسائل يتم ما قصده من الأركان الخمسة، بعد أن جعل مدار الكتاب على تحرير الشَّبَه والمُخَيَّل وطرق التعليل، والفصل بين الأوصاف التي تصلح مناطًا للحكم وما لا يتجاوز مجرد الاقتران أو الطَّرْد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














