
نبذة عن الكتاب:
يَشْرَح زكريا الأنصاري في كتاب «غاية الوصول إلى شرح لب الأصول» مختصره «لُبّ الأصول»، الذي اختصر فيه كتاب «جمع الجوامع» لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي، قاصدًا إلى بيان حقائق المختصر وتوضيح دقائقه وتذليل عباراته وكشف معانيه. ويصرح باعتماده في كثير من الشرح على عبارة جلال الدين المحلي لما تمتاز به من السلاسة وحسن التأليف، كما يوضح أن «لُبّ الأصول» لم يكن مجرد تقليص لـ«جمع الجوامع»، بل أبدل فيه بعض ما لم يعتمده أو رآه محتاجًا إلى إيضاح، وأضاف زيادات، ونبّه إلى مواطن الخلاف، ثم جاء «غاية الوصول» لفك تلك العبارة المكثفة وتحرير ما تضمنته من حدود وتقسيمات واختيارات.
ويجعل أصول الفقه علمًا بأدلة الفقه الإجمالية، وطرق استفادة الأدلة التفصيلية منها، وحال المستفيد وهو المجتهد، ثم يميز بينه وبين الفقه الذي يتعلق بمعرفة الحكم الشرعي العملي المكتسب من دليله التفصيلي. ويشرح مبادئ العلم وموضوعه ومسائله، ويتوسع في الحكم الشرعي من حيث تعلق خطاب الله تعالى بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا، ثم يفصل الأحكام التكليفية من إيجاب وندب وتحريم وكراهة وخلاف الأولى وإباحة، ويتناول الفرض والواجب، والمندوب والسنة والمستحب والتطوع، والشروع في المندوب، وما يترتب على اختلاف الاصطلاحات بين الأصوليين والفقهاء.
ويضم إلى ذلك خطاب الوضع بما يندرج تحته من السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان والفساد، ويميز الإجزاء عن الصحة، والأداء عن القضاء والإعادة، ثم يشرح الرخصة والعزيمة ومراتب كل منهما. ويتصل بهذا بحث التكليف وشروطه، وحال الغافل والمُلْجَأ والمكره، وتعلق الخطاب بالمعدوم، والحسن والقبح، وشكر المنعم، ومسألة الحكم قبل ورود الشرع. كما يعرض مباحث الدليل والنظر والعلم والاعتقاد والظن والشك والوهم والحد، فيمزج المقدمات الأصولية بجملة من القضايا الكلامية والمنطقية التي يحتاج إليها في تفسير بنية الاستدلال ومعنى الدلالة والحكم.
ويرتب المقصود الأصلي للكتاب في سبعة كتب، خمسة منها في أدلة الفقه: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، ثم كتاب في التعادل والتراجيح، وكتاب في الاجتهاد وما يتبعه من التقليد وآداب الفتيا وبعض مسائل أصول الدين وخاتمة في التصوف. ويبحث في الكتاب والسنة جملة واسعة من دلالات الألفاظ؛ فيتناول الأمر والنهي، وصيغ العموم والخصوص، والمخصصات المتصلة والمنفصلة، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، ومفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، ويوازن بين الاحتمالات اللغوية والشرعية والعرفية عند تفسير الخطاب.
ويعتني على نحو خاص بعلاقة الأدلة بعضها ببعض عند التخصيص والبيان والنسخ؛ فيبحث تخصيص الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب، والتخصيص بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره، وبالقياس ومفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، ويقرر في مواضع متعددة أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما متى أمكن الجمع. كما يفرق بين التخصيص والنسخ بحسب زمن ورود الخاص بالنسبة إلى وقت العمل بالعام، ويناقش حالة العموم والخصوص من وجه، وما يحتاج عندئذ إلى مرجح خارجي، فتظهر في الشرح عناية دقيقة بضبط أثر التاريخ وقوة الدلالة وإمكان الجمع في توجيه النصوص المتعارضة ظاهرًا.
ويبحث الإجماع من جهة حجيته ومن يعتد بقوله في انعقاده وأحوال الاتفاق السابق واللاحق، ثم يفصل القياس وأركانه وشروط الأصل والفرع والحكم والعلة. ويولي العلة عناية كبيرة من حيث مسالك إثباتها وقوتها، فيعرض النص والإيماء والسبر والتقسيم والمناسبة والشَّبَه والدوران، وما بينها من مراتب، ويبين القياس في معنى الأصل القائم على نفي الفارق أو تنقيح المناط. كما يناقش ما يرجح به قياس على آخر، من قوة دليل حكم الأصل، وكثرة الأصول الشاهدة للعلة، وذاتية الوصف، وقلة أوصاف العلة، وقوة الطريق المثبت لها.
ويفرد للاستدلال كتابًا مستقلًا، ويعرفه بما كان دليلًا خارجًا عن النص والإجماع والقياس الشرعي، فيدخل فيه جملة من صور الاستدلال العقلي والمنطقي كالقياس الاقتراني والاستثنائي وما يقوم على التلازم بين القضايا. ومن خلال هذا الباب يتسع نطاق النظر الأصولي من الأدلة الأربعة المشهورة إلى الوسائل العقلية التي يستفاد منها إثبات الأحكام أو نفيها، مع بقاء البحث منضبطًا بقواعد الاستدلال ومراتب الحجج، لا بمجرد الاحتمال الذهني المجرد.
ويجعل التعارض والترجيح مرحلةً لازمة عند تعذر الجمع بين الأدلة، فيقرر أن العمل بالدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما ما دام الجمع ممكنًا، ولا يجعل الكتاب مقدمًا على السنة لمجرد كونه كتابًا ولا السنة مقدمة على الكتاب من حيث النوع، بل ينظر إلى قوة الدلالة والخصوص والعموم وغير ذلك من المرجحات. وإذا تعذر الجمع، انتقل إلى الترجيح بما يرجع إلى السند أو المتن أو المدلول أو أمر خارج، فيقارن بين كثرة الرواة وضبطهم، وبين المنطوق والمفهوم، والنص والظاهر، والحقيقة والمجاز، والإجماع والنص، وبين مراتب العلل والقياسات، ويقرر أن المرجحات لا تنحصر في عدد معين، وإنما مدارها على ما يورث غلبة الظن وقوة الدلالة.
ويختم مباحث الأصول بالاجتهاد، فيعرفه باستفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بالحكم، ثم يبين صفات المجتهد وما يحتاج إليه من الملكة والمعرفة بمدارك الأحكام واللغة والأدلة وطرق دلالتها والترجيح بينها. ويربط به التقليد وأحكامه، وآداب الفتيا، وما يتصل بالمفتي والمستفتي، ثم يلحق بذلك مسائل في أصول الدين تفتتح بالكلام على التقليد فيها، وتنتهي بخاتمة مناسبة في التصوف. وبهذا يظل «غاية الوصول» شرحًا تحليليًّا لعبارة «لُبّ الأصول»، لا يقتصر على حل ألفاظه، بل يكشف وجوه اختياراته، ويقارن الأقوال، ويبين مأخذ الترجيح، ويصل بين مباحث الدليل ودلالته وبين وظيفة المجتهد في الاستنباط عند الاتفاق والاختلاف والتعارض.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














