
نبذة عن الكتاب:
يُفَكِّك نجم الدين الطوفي في «درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح» أصلَ التحسين والتقبيح العقليين وما يتفرع عليه من مسائل كلامية وأصولية وفقهية، ويرد القول بأن العقل يستقل بإلزام الله تعالى ربط الأحكام والثواب والعقاب بما يدركه من المصالح والمفاسد. وينطلق من تمييز دقيق بين أن يكون العقل وسيلةً للإدراك والهداية وفهم خطاب الشرع، وبين أن يكون حاكمًا مستقلًا يوجب ويحرم؛ فوظيفته عنده الإرشاد والكشف، أما الحكم الملزم للعباد فمرجعه إلى الله تعالى وشرعه. ويعلن منذ المقدمة أن غرض الكتاب إبطال الأصل الذي بنى عليه أهل الاعتزال وغيرهم جانبًا كبيرًا من مقالاتهم، ثم تتسع الرسالة لتتبع آثاره في أبواب متعددة.
ويستهل التأصيل ببحث العقل نفسه قبل استعماله في محل النزاع؛ فيرجع لفظه إلى معنى المنع والحبس، ثم يعرض الأقوال في حقيقته: أهو غريزة، أم علم ضروري، أم جوهر مجرد، أم قوة يتمكن بها الإنسان من الاستدلال؟ ويناقش تعريفات المتكلمين والفلاسفة والمعتزلة، ويرجح أن العقل غريزة يحصل بها العلم وليست هي نفس العلوم، مستدلًا بإمكان عروض الخلل على استعماله مع بقاء أصله، كما يبحث موضعه في الإنسان ويوازن بين القول بأنه في القلب والقول بأنه في الدماغ، ثم يختار الدماغ محلًا له، مع جعل القلب متلقيًا لأثر هدايته. ويحدد فعل العقل في الإرشاد إلى الصواب متى خلا من معارض الهوى والفساد، وبالعقل يفهم المكلف خطاب الشرع وتقوم عليه الحجة.
ثم يعيد بناء محل النزاع في التحسين والتقبيح نفسه؛ لأنه يرى أن الصياغات المتداولة عند الأصوليين وقع فيها إجمال، وأن بعضهم نسب إلى المعتزلة ما لا يطابق تحرير مقالتهم. ويميز بين الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ونفرته، أو بمعنى صفات الكمال والنقص، وهذان قد يعرفان بالعقل أو الحس، وبين الحسن والقبح بالمعنى الذي يترتب عليه الحكم والمؤاخذة والثواب والعقاب. ويستفيد من تقرير القرافي في تصحيح صورة المذهب المعتزلي، فيبين أن التحقيق ليس أنهم يجعلون العقل خالقًا للحكم أو الأوصاف مستقلة بالتشريع، بل يرون أن العقل يجزم بأن حكمة الله تعالى تقتضي طلب المصالح والثواب عليها، ومنع المفاسد والعقاب عليها؛ بينما لا يجعل الطوفي هذا الارتباط واجبًا في العقل.
ويُفَرِّق تبعًا لذلك بين إدراك العقل للمصلحة والمفسدة وبين إلزام الله تعالى بمقتضاهما؛ فقد يدرك الإنسان حسن العدل وإنقاذ الغريق وقبح الظلم والكذب من جهة الملاءمة أو الكمال والنقص، ولكن لا يلزم من هذا عند الطوفي أن العقل يستقل بإثبات حكم شرعي وثواب أو عقاب. فالشرع عنده مؤسس للحكم لا مجرد مؤكد لما حكم به العقل سلفًا، والعقل قبل النبوة يؤدي وظيفة إثبات مقدماتها والنظر في المعجزة، فإذا ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم صار الواجب تلقي ما جاء به، ولو كان من الغيب الذي لا يستقل العقل بإدراك تفاصيله. ومن هنا يجعل الخطأ في تقديم الاعتراض العقلي على الخبر الصحيح ناشئًا من تجاوز العقل حد وظيفته.
ويعرض أدلة الفريقين عرضًا جدليًا موسعًا؛ فيناقش القول بأن حسن العدل وقبح الظلم معلومان بالضرورة قبل ورود الشرع، وحجة إنقاذ الملهوف وترجيح الصدق، والاحتجاج بالمصالح لإثبات القياس، وإشكال معرفة صدق الأنبياء لو لم يكن إظهار المعجزة على الكاذب قبيحًا عقلًا. ويجيب بأن كثيرًا مما يستحسنه العقلاء أو يستقبحونه مرده إلى الطبع والعرف والمصلحة المشاهدة لا إلى حكم شرعي مستقل، ويستشهد باختلاف الأمم في استحسان أفعال واستقباحها لإثبات أن هذا الإدراك ليس معيارًا لازمًا للمؤاخذة الشرعية. ويجعل عمدته في نقض الأصل أن رعاية الأصلح للعباد ليست واجبة على الله تعالى بالعقل؛ فما يراعيه سبحانه من مصالحهم تفضل منه، لا حقًا أوجبه عليه العقل.
وبعد تقرير الأصل يتتبع فروعه في أصول الدين، فيذكر الخلاف في وجوب النظر لمعرفة الله تعالى، وما إذا كان الوجوب عقليًا أو شرعيًا، وما يتصل بخلق الأفعال والقدرة والتكليف ومسائل الوعد والوعيد. كما يربط بالتحسين والتقبيح عددًا من المقالات التي بنيت عند أصحابها على امتناع العبث أو وجوب مراعاة الحكمة والمصلحة عقلًا، ومن ذلك إنكار بعضهم وجود الجنة والنار في الحال بدعوى أن خلقهما قبل الحاجة إليهما عبث، فيقابل هذا بالنصوص ويمنع أصل الحكم العقلي الذي بني عليه الاعتراض.
ويَنقُل البحث بعد ذلك إلى أصول الفقه، فتتفرع المسألة عنده إلى وجوب شكر المنعم، وحكم أفعال العقلاء قبل ورود الشرع، وتكليف ما لا يطاق، وتكليف المعدوم، وتأخير البيان، والنسخ قبل دخول وقت الفعل، وإمكان نسخ الأحكام التي يزعم أصحاب التحسين العقلي أنها حسنة أو قبيحة لذاتها. فيقرر أن شكر المنعم واجب بالشرع لا بمجرد العقل، وأن الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع لا تثبت لها الأحكام التكليفية الشرعية التي يثبتها المعتزلة بالعقل. كما يتوسع في تكليف ما لا يطاق بوصفه أصلًا متوسطًا تتولد منه مسائل عديدة، ويميز فيه بين الجواز العقلي والوقوع الشرعي.
ويستثمر مسألة النسخ لإبراز أثر الخلاف؛ فاعتراض من يمنع نسخ الحكم قبل وقته أو يستشكل نسخ ما عده العقل حسنًا مبني عنده على افتراض لزوم موافقة الأمر للمصلحة المدركة عقلًا. ويرى أن اختلاف مصالح العباد باختلاف الأزمنة يفسح للشرع أن يأمر في وقت ويمنع في آخر من غير تناقض، ويشبه ذلك بتغير علاج الطبيب للمريض بحسب تغير حاله، مع تأكيد أن رعاية هذه المصالح تفضل من الله تعالى لا وجوب عقلي عليه. ويصل الأمر إلى بحث وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم، وهل يتصور نسخ شيء من ذلك من جهة البناء العقلي للمسألة.
ويمد الطوفي أثر الأصل إلى الفروع الفقهية أيضًا، ويرى أن طرائق القياس والتعليل بالمناسبات والمصالح قد تتأثر، من حيث لا يشعر الفقيه، بفكرة أن ما أدرك العقل مصلحته لا يجوز أن يخلو التكليف منه. ولذلك يناقش نماذج فقهية بُنيت على أن الشرع لا يكلف بفعل لا مصلحة فيه، ومن ذلك تعليلات تتصل بالصوم والنية، فيعترض بأن القول «لا يجوز أن يكلف الشرع بما لا مصلحة فيه» إن أريد به الامتناع العقلي عاد إلى أصل التحسين والتقبيح الذي يبطله، وإن أريد به الامتناع الشرعي احتاج إلى دليل من الشرع نفسه.
ويُبقي الطوفي مع ذلك مجالًا واسعًا لاستعمال العقل في معرفة المصالح، وفهم النصوص، والقياس، والاستدلال، ولا يجعل رفضه للتحسين والتقبيح إنكارًا لقدرة العقل على إدراك النافع والضار أو المناسب والمفسد؛ وإنما يرفض انتقال هذا الإدراك من كونه معرفةً واستدلالًا إلى كونه حكمًا لازمًا على الله تعالى أو مصدرًا مستقلًا للثواب والعقاب. ولذلك تدور الرسالة من أولها إلى آخرها على ضبط حدود السلطتين: عقل يهدي ويستدل ويكشف، وشرع ينشئ الحكم ويلزم به، ثم قياس آثار الخلط بينهما في أصول الاعتقاد وأصول الفقه ومسائله الجزئية.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














