
نبذة عن الكتاب:
يُحَرِّر حمد بن ناصر بن عثمان بن مُعَمَّر في رسالة «حكم التقليد» أحوال الناس في معرفة الأحكام الشرعية، وحدود ما يلزم كل طبقة منهم من الاجتهاد أو النظر أو التقليد، جوابًا عن أسئلة تتصل بوجوب معرفة طالب العلم دليل المسألة، وحكم تقليد العامي، ومدى صحة دعوى وجوب تقليد أحد المذاهب الأربعة. ويبدأ من أصل حاكم على جميع هذه المسائل، وهو أن الطاعة المطلقة إنما تجب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن أحدًا من الأئمة لا تجب طاعته في كل ما يقول، مستشهدًا بنصوص الأئمة الأربعة أنفسهم في النهي عن تقليدهم إذا ظهر الدليل بخلاف قولهم.
ويُفَرِّق بين مراتب المكلفين بحسب قدرتهم على النظر؛ فالمجتهد الذي استكمل آلته فرضه الاجتهاد ولا يسوغ له العدول عنه إلى التقليد، والعامي أو المتفقه العاجز عن معرفة الدليل والتمييز بين الأقوال له أن يقلد أهل العلم، أما من كان بين المرتبتين، وقد حصل من الفقه وآلات النظر ما يمكّنه من إدراك قوة الدليل وترجيح قول على آخر، فلا يجعله في عداد المقلدين المحض، بل يوجب عليه أن ينظر بحسب قدرته وأن يعمل بما ظهر له رجحانه، ولو خالف المشهور في المذهب الذي ينتسب إليه. وهذه المرتبة هي التي عُبِّر عنها عند طائفة من العلماء بمرتبة «الاتباع».
ويجعل التقليد المذموم على صورتين بارزتين: إحداهما أن يستمر المرء على قول إمامه بعد قيام الحجة وظهور السنة بخلافه، والثانية أن يكون قادرًا على البحث والاستدلال ثم يترك ما يقدر عليه ويركن إلى قول غيره بلا نظر. ففي الصورة الأولى لا يبقى عنده محل للاجتهاد أو التقليد أصلًا بعد ظهور النص، وفي الثانية يجب على المتفقه أن يبذل من وسعه ما تسمح به آلته، لأن التكليف عنده تابع للاستطاعة، ولا يُسوَّى بين من يملك أسباب النظر ومن عجز عنها. ويعترض بذلك على التصور الذي يحصر الناس في مجتهد مطلق ومقلد محض، ويُلغي مرتبة واسعة من طلاب العلم القادرين على فهم الدليل والترجيح في بعض المسائل دون بعض.
ولا يطلب من المتفقه أن يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق قبل أن ينظر في شيء من الأدلة؛ بل يقرر إمكان تَبَعُّض الاجتهاد، فيكون العالم قادرًا على الاجتهاد في باب أو مسألة دون غيرهما بحسب ما أحاط به من أدواتها. كما يجوِّز الاعتماد في الحكم على صحة الحديث أو ضعفه على الأئمة المعروفين بالجرح والتعديل، وعلى الكتب التي اعتمدها أهل العلم في نقل الأحاديث وتصحيحها، فلا يشترط في كل طالب أن يعيد بنفسه فحص جميع الأسانيد والرواة. وبهذا يوازن بين وجوب النظر على القادر وبين الاستفادة من خبرة أهل الاختصاص فيما لا يملك آلته.
أما التقليد السائغ فيجعله عند العجز عن معرفة الدليل، ويدخل فيه العامي الذي لا معرفة له بالفقه والحديث، والمتفقه الذي حصل طرفًا من العلم لكنه لم يملك في مسألة بعينها القدرة على تمييز الراجح. فالعامي يسأل من يثق بعلمه ودينه ويعمل بفتواه، والمتفقه القاصر يقلد في الموضع الذي عجز عنه؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. ولا ينافي ذلك أن يكون المتفقه في مسائل أخرى قادرًا على النظر، إذ قد تختلف أهليته من باب إلى باب ومن مسألة إلى أخرى.
ويُلزم العامي مع ذلك بشيء من التحري فيمن يسأله، فيقصد من يراه أعلم وأوثق، ولا يجعل التقليد بابًا لاتباع الهوى. ومن هنا يمنع تتبع الرخص بأن يأخذ المرء من كل مذهب أيسر أقواله لمجرد موافقة غرضه، ويفرق بين هذا وبين الأخذ بالرخص الشرعية التي ثبت سببها. كما لا يوجب على العامي أن ينتسب إلى مذهب واحد ويلتزم جميع عزائمه ورخصه، بل الغرض في حقه أن يصل إلى حكم الله تعالى بواسطة من يسأله من أهل العلم، لا أن يجعل الانتساب المذهبي التزامًا لا يجوز الخروج عنه.
ويولي الرسالة عناية خاصة بالتفقه على كتب المذاهب؛ فلا يرفض المختصرات ولا يرى الاشتغال بها في نفسه مذمومًا، وإنما يعترض على تحويل الوسيلة إلى غاية. فالمتون وضعت لتصوير المسائل، وضبط الشروط والقيود، وترتيب الفقه في ذهن الطالب، والاستفادة من تراكم تحريرات الفقهاء، لكنها لا ينبغي أن تصرفه عن الكتاب والسنة والآثار متى تمكن من النظر فيها. ولذلك يدعو إلى مسلك يجمع بين الانتفاع بالموروث الفقهي للمذاهب الأربعة وبين الدربة على الاستدلال والترجيح وتعظيم النصوص، فلا يُهجر الفقه المدون بدعوى الاقتصار على النصوص، ولا تُهجر النصوص بسبب الانكباب على عبارات المذهب.
ويبحث بعد ذلك دعوى انعقاد الإجماع على وجوب تقليد أحد الأئمة الأربعة، فينفي أن يكون هذا هو المراد من كلام من نُسب إليه نقل الإجماع، ويخص بالذكر ما حُكي عن ابن هبيرة. فالمقصود عنده جواز تقليد المذاهب الأربعة لما حظيت به من التدوين والتحرير واستقرار النقل عن أئمتها، لا إيجاب الانتساب إلى واحد منها وتحريم الخروج عنه، ولا القول بانقطاع الاجتهاد بعد استقرارها. ويبين أن عبارة ابن هبيرة وردت في سياق النظر في القضاء ونفاذ حكم المقلد بعد استقرار المذاهب، لا في تقرير وجوب التمذهب على جميع الناس.
ويزيد هذا المعنى وضوحًا حين ينقل أن تقليد المذاهب الأربعة أولى من تقليد غيرها من جهة انضباطها وتحريرها وتدوين أقوال أئمتها وأصحابهم، لكنه لا يجعله واجبًا لذاته. بل يذكر أن القاضي لا ينبغي أن يتعصب لمذهب واحد بحيث لا ينظر إلى غيره، وأنه إذا أمكنه تحري مواضع الاتفاق أو ما عليه جمهور الأئمة كان ذلك أولى من اتباع قول انفرد به إمامه لمجرد كونه مذهبه أو مذهب أهل بلده.
وتنتظم الرسالة كلها حول هذا التفريق بين العجز والقدرة: فمن عجز عن الدليل جاز له التقليد، ومن ظهر له الدليل لم يجز له تركه، ومن كان قادرًا على النظر في بعض المسائل لزمه أن يستعمل قدرته فيها، ولا يطالَب فيما عجز عنه بما يطالب به المجتهد المطلق. وعلى هذا الأساس لا يجعل التمذهب خصمًا للاتباع، ولا طلب الدليل مرادفًا لترك المذاهب، وإنما يجعل كتب الفقه طريقًا إلى الفهم، وأقوال الأئمة وسائل للاستنارة، مع بقاء النص الشرعي هو المرجع عند ظهور حجته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














