
نبذة عن الكتاب:
يبحث ابن قيم الجوزية في كتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين» أصول الفتوى والاجتهاد والفقه في النصوص، وينطلق من عِظَم منصب المفتي؛ لأن الفقهاء والمفتين موقِّعون عن رب العالمين، يخبرون بحكمه في الحلال والحرام والواجب وسائر أحكام العباد، ولذلك لا تصلح هذه المرتبة إلا لمن جمع العلم والصدق وحسن السيرة والعدل، وعرف قدر ما يتصدر له ومسؤوليته عنه. ويقسم في مقدمته علماء الأمة إلى حفاظ الحديث ونقاده، وفقهاء الإسلام الذين تدور الفتيا على أقوالهم، ويتتبع المفتين من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم، ثم يعرض ما ينبغي للمفتي من أدوات وشروط، ومتى يسعه أن يقول: لا أدري، ويحذر من التسرع في الفتوى والقول على الله تعالى بغير علم.
ويجعل التمييز بين الرأي الصحيح والرأي المذموم مدخلًا رئيسًا إلى صناعة الفتوى؛ فيجمع ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم والسلف من ذم الرأي، ويقابله بما ثبت عنهم من العمل به، ثم يرفع ما يبدو بين الأمرين من تعارض بتقسيم الرأي إلى رأي باطل، ورأي صحيح، ورأي مشتبه لا يصار إليه إلا عند الحاجة. فالمذموم ليس مطلق النظر والاجتهاد، وإنما يدخل فيه الرأي المخالف للنصوص أو الذي لا تشهد له أصول الشرع، أما الرأي الصحيح فقد استعمله السلف وأفتوا به، وما اشتبه منه يسوغ عند الاضطرار إذا لم يوجد ما يغني عنه. ويبين في سياق الرأي المحمود أن الناظر يطلب حكم الواقعة أولًا من القرآن، ثم من السنة، ثم من أقضية الصحابة رضي الله عنهم، فإذا لم يجد اجتهد ونظر في أقرب المسالك إلى هذه الأصول، ومن هذا الترتيب ينتقل إلى كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في القضاء، فيشرحه فقرةً فقرة، ويجعل عباراته أصولًا تتفرع عنها مباحث واسعة في القضاء والاستدلال.
ويفصل أثناء شرح كتاب عمر رضي الله عنه مسائل البينة والشهادة وطرق الحكم وشهادة القريب والقاذف إذا تاب وغيرها، ثم يصل إلى الأمر بالفهم وقياس الأمور ومعرفة أمثالها، فيتخذ منه مدخلًا إلى واحد من أوسع مباحث الكتاب، وهو القياس. فيعرض أولًا أدلة القائلين به، ويفصل أنواعًا من الأقيسة، ومنها قياس العِلّة وقياس الدلالة وقياس الشبه، ويستخرج أمثلتها من القرآن، ويتوسع في أمثال القرآن وما تحمله من طرق تقريب المعاني والاستدلال، ثم يستعرض أدلة القياس من السنة وعمل الصحابة رضي الله عنهم. وبعد ذلك ينتقل إلى الجهة المقابلة، فيسوق احتجاجات نفاة القياس وما استدلوا به من النصوص والآثار، ويعرض اعتراضاتهم على القياسيين وما وقع لبعضهم من تناقض في الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتماثلات، فلا يقف مع أحد الطرفين عند مجرد عرض دعواه، بل يجعل الباب مناظرة واسعة تكشف مأخذ كل فريق وما له وما عليه.
ثم يحرر موقفًا وسطًا بين من وسع القياس حتى ظن أن النصوص لا تفي بأحكام الحوادث، ومن أنكره مطلقًا، فيقرر شمول النصوص للأحكام، وبطلان الرأي والاجتهاد والقياس عند وجود النص، وفي الوقت نفسه يثبت الحكمة والتعليل والقياس الصحيح، ويبين أن الشريعة لا تأتي بما يخالفه؛ لأن القياس الصحيح يقوم على الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، ولا يلحق فرعًا بأصل إلا مع تحقق العِلّة وانتفاء الفارق المؤثر. ويناقش على هذا الأساس مسائل ظن بعض الفقهاء أنها خارجة عن القياس، كالوضوء من لحم الإبل، والفطر بالحجامة، والحوالة والسلم والإجارة وحمل العاقلة الدية وحديث المصرّاة، ثم يعرض طائفة كبيرة من المسائل التي قيل إن الشريعة فرقت فيها بين المتماثلات أو جمعت بين المختلفات، فيجيب عنها واحدةً بعد أخرى، ويربط أحكامها بالحِكَم والعلل والمصالح التي بُنيت عليها.
ويعقب بحث القياس بتفصيل القول في التقليد، فيقسمه إلى ما يحرم القول والإفتاء به، وما يجب المصير إليه، وما يسوغ من غير إيجاب، ويعرض حجج المقلدين ثم يناقشها في مناظرة مطولة بين المقلد وبين صاحب الحجة المنقاد لما يظهر له من الحق. ولا يجعل الانتماء إلى قول إمام مسوغًا لرد النص أو تقديم الرأي عليه، ولذلك يتبع مبحث التقليد بفصل واسع في تحريم الإفتاء والحكم بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، ويورد عشرات الأمثلة التي يبين بها ما يقع حين تحكَّم آراء الرجال وقواعد المذاهب على السنة. ولا ينحصر بحثه هنا في الفروع الفقهية، بل يناقش أيضًا منزلة السنة من القرآن وحجيتها، وعمل أهل المدينة، وما يتصل بتقديم الدليل على ما استقر من أقوال المذاهب.
ويخص تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد ببحث واسع، ويربطه بأصل جامع في بناء الشريعة على العدل والرحمة والمصلحة والحكمة، بحيث لا يصح أن ينسب إليها ما ينتقل من العدل إلى الجور، أو من المصلحة إلى المفسدة، أو من الحكمة إلى العبث. ويشرح هذا الأصل من خلال مسائل تطبيقية، فيبحث اختلاف الأحكام والفتاوى تبعًا لاختلاف الوقائع والأعراف والنيات والمقاصد، ويتناول الأيمان والإقرارات والنذور والطلاق والمهر وشروط الواقفين وغيرها، ويقرر في أثناء ذلك اعتبار القصود في العقود، وأن الاقتصار على ظاهر الألفاظ مع إهدار مقصود المتكلم قد يؤدي إلى إفساد فهم الواقعة والحكم عليها. ويربط صلاح الفتوى بنوعين من الفهم: فهم الواقع وحقيقته وقرائنه وأماراته، وفهم الحكم الواجب تنزيله على ذلك الواقع، ثم تطبيق أحدهما على الآخر؛ فلا يكفي عنده حفظ الحكم مع الجهل بحقيقة الواقعة، كما لا يكفي إدراك الواقع من غير فقه في حكمه الشرعي.
ومن اعتبار المقاصد ينتقل إلى سد الذرائع، فيقرر أن الوسائل تابعة لمقاصدها في الحكم، فكما أن وسائل الطاعات تتبع ما تفضي إليه من مصالح، فإن وسائل المحرمات تتبع ما تؤدي إليه من مفاسد. ويقسم الذرائع بحسب وضع الوسيلة وقصد فاعلها وغلبة إفضائها إلى المفسدة وموازنة مصلحتها بمفسدتها، ويفصل الحالات التي تمنع فيها الوسيلة من الحالات التي تبقى فيها على الإباحة أو ترتقي إلى الاستحباب أو الوجوب. ثم يصل هذا البحث بالحيل، فيجعل تجويز الحيل المبطلة لمقاصد الأحكام مناقضًا لسد الذرائع، ويطيل في نقل أقوال السلف وحجج أرباب الحيل والرد عليها، ويورد صورًا كثيرة مما يقصد به إسقاط حق أو إثبات باطل أو التوصل إلى المحرم في صورة ظاهرها الجواز. لكنه لا يذم كل حيلة أو مخرج؛ بل يفرق بين الحيل التي تبطل الحقوق وتستحل المحرمات، وبين الطرق المشروعة التي يتوصل بها الإنسان إلى حق أو يدفع بها ظلمًا، وبين المخرج المباح الخفي الذي لا يناقض مقصود الشرع، ويضرب لذلك أمثلة كثيرة.
ويعود بعد ذلك إلى صلة المفتي بالسلف، فيفرد فصلًا لجواز الفتوى بالآثار السلفية وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم، ويجعل فتاواهم أولى بالأخذ من آراء المتأخرين عند عدم المعارض الأقوى، ثم يرتب القرب من عصر النبوة باعتباره مظنة لكثرة الصواب من حيث الجملة لا في كل مسألة وكل فرد. ويعرض الخلاف في حجية قول الصحابي رضي الله عنه إذا لم يعرف له مخالف، ويذكر مذاهب الأئمة وأدلتها، ثم يستدل لاتباع الصحابة رضي الله عنهم ويرد شبه من يمنع الاحتجاج بأقوالهم، مع بقاء النص مقدمًا على قول كل أحد، والبحث عن أقوى الأدلة عند وقوع التعارض.
ويختم القسم التأصيلي بفوائد متتابعة تتعلق بالفتوى والمفتي والمستفتي، فتتناول أنواع أسئلة المستفتين، وحكم الإفتاء عند العلم والجهل، ومواضع وجوب المبادرة إلى الجواب أو جواز الإمساك عنه، ومراعاة حال السائل وما يحتمله فهمه، وجواز أن يعدل المفتي إلى جواب أنفع من عين ما سُئل عنه، وأن يزيد في الجواب ما يحتاج إليه المستفتي، وأن يدل من منعه من طريق محرم على الطريق المباح الذي يحقق مقصوده. كما يناقش آداب صياغة الفتوى وأقسام المفتين، وذكر الدليل فيها، ويجعل الدليل روح الفتوى وزينتها؛ لأن قول المفتي في نفسه ليس هو الذي ينشئ الحجة، وإنما قوته فيما يستند إليه من نص أو إجماع أو أثر أو قياس صحيح.
ثم يختم بجمع فصول من فتاوى النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأحوال المختلفة، ويبرز طرائق البيان النبوي في الجواب؛ فتارة يكون بالنص المباشر، وتارة بضرب المثل، أو بإلحاق المسألة بنظيرها، أو بزيادة بيان يحتاج إليه السائل ولم يصرح بالسؤال عنه. وتظهر في هذه الفتاوى الأصول التي بنى عليها ابن القيم مباحث الكتاب من لزوم النص، وصحة الفهم، ومراعاة واقع المسألة، والتمييز بين القياس الصحيح والفاسد، والنظر في المقاصد والمآلات، وربط الحكم بدليله.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














