
نبذة عن الكتاب:
يُؤَصِّل محمد بن إدريس الشافعي في كتاب «جماع العلم» منزلةَ السنة من التشريع، ويبحث الطرق التي يثبت بها العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يترتب على قبول الأخبار من فهم الكتاب والعمل بأحكامه والاجتهاد فيما لا نص فيه. وينطلق من أصل يراه محل اتفاق بين أهل العلم: أن الله تعالى فرض اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه، وأن القول الملزم مرده إلى كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عداهما تابع لهما. ثم يجعل موضع النزاع في كيفية إثبات الخبر النبوي وحدود الاحتجاج به، فيحاور طوائف رفضت الأخبار كلها، وأخرى قبلت أصل السنة لكنها ردت «خبر الخاصة» وما لم يبلغ عندها درجة الإحاطة.
ويجري الكتاب في جانب كبير منه على طريقة المحاورة؛ يعرض الشافعي حجة المخالف في صورتها القوية، ثم يلزمه بما يترتب عليها، وينقل الحوار من أصل إلى أصل حتى يكشف التناقض بين مقدماته ونتائجه. فأول مناظريه يحتج بأن القرآن تبيان لكل شيء، وأن الأخبار يرويها أفراد يجوز عليهم الوهم والخطأ، فلا ينبغي أن تجعل أساسًا لتخصيص القرآن أو بيان مراده. ويجيبه الشافعي بأن تفاوت طرق العلم لا يمنع الاحتجاج بما دون اليقين المطلق إذا دل الشرع على وجوب العمل به، كما يقضي الحاكم بالبينة مع احتمال خطأ الشاهدين، ولا يمتنع الحكم لمجرد إمكان الوهم. ويستثمر هذا الفرق بين «الإحاطة» والعمل بالدليل الظاهر في بناء جانب كبير من حجته.
ويستدل على حجية السنة ابتداءً من القرآن نفسه، فيفسر «الحكمة» المقترنة بالكتاب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستشهد بالأوامر القرآنية التي أوجبت طاعته والتحاكم إليه والأخذ بما آتى والانتهاء عما نهى. ثم يقرر أن من لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم لا سبيل له إلى امتثال هذا الفرض إلا بواسطة الخبر عنه، فكان فرض اتباع الرسول مستلزمًا لقبول الطريق الذي تنقل به سنته. ويطبق ذلك على بيان المجمل وتخصيص العام ومعرفة الناسخ والمنسوخ؛ إذ إن جملة من أحكام القرآن لا يستقيم فهمها ولا تعرف حدودها العملية إلا بالسنة، كأحكام الفرائض والصلاة والزكاة والميراث وغيرها.
ويشرح من خلال ذلك طبيعة البيان في القرآن ولسان العرب؛ فاللفظ قد يخرج عامًا ويراد به العموم، وقد يخرج عامًا ويراد به بعض أفراده، ويكون بيان الخصوص تارة في القرآن نفسه وتارة في السنة. لذلك يناقش من ينكر تخصيص ظاهر القرآن بالسنة، ويضرب أمثلة بالفرائض وأحكام المواريث وما أخرجته السنة من بعض العمومات، ليبين أن رد الأخبار يؤدي إلى اضطراب في العمل بالنصوص نفسها؛ لأن الرافض للسنة يعجز عن تحديد عدد من الفرائض وأوقاتها وصفاتها، كما يعجز عن تمييز الناسخ من المنسوخ والعام من الخاص فيما لا يبينه القرآن استقلالًا.
ثم ينتقل من أصل قبول السنة إلى مرتبة «خبر الخاصة»، فيناقش من لا يقبل إلا ما تناقلته العامة أو ما انعقد عليه إجماع لا يحتمل الخطأ. ويُفَرِّق الشافعي بين «علم العامة» الذي تشترك الأمة في معرفته، كجمل الفرائض وعدد الصلوات، وبين «علم الخاصة» الذي يحمله أهل العلم وتختلف فيه طرق الرواية والنظر والاجتهاد. ولا يرى أن اختلاف مرتبة العلم يسقط حجية الخبر الخاص إذا ثبت بطريق معتبر، بل يحتج بأن السلف والتابعين كانوا يروون الأخبار عن أفراد ويعملون بها مع وجود من يخالفهم، فلا يصح جعل عملهم حجة ثم إبطال الطريق الذي ثبت به جانب من علمهم.
ويحرر في هذا السياق معنى الإجماع وحدود دعواه تحريرًا شديد الاحتياط. فهو يقبل الإجماع في الأمور التي لا يعرف فيها مخالف، وبخاصة جمل الفرائض وأصول العلم المشتهرة بين المسلمين، لكنه يرفض التوسع في إطلاق اسم الإجماع على مسائل علم الخاصة التي عُرف فيها الاختلاف أو لم يثبت فيها قول جميع أهل العلم. ويختبر دعاوى الإجماع بسؤال المخالف: من هم العلماء الذين يعتبر اتفاقهم؟ وكيف يثبت اتفاق أهل البلدان؟ وما حد الأكثر الذي ينزل منزلة الجميع؟ ويكشف أن الاقتصار على الأكثر أو على فقهاء بلد بعينه لا يصح تسميته إجماعًا، وأن إثبات اتفاق الغائبين أنفسهم يحتاج إلى نقل، فإذا رُفض خبر الخاصة تعذر الطريق إلى العلم بهذا الاتفاق.
ويصل البحث بعد ذلك إلى الاجتهاد والقياس، فيقرر أن العالم لا يجوز له أن يحلل أو يحرم بمجرد الاستحسان أو الخاطر، وإنما يقول بنص من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو إجماع، فإن لم يجد نصًا في الواقعة اجتهد بطلب معناها في أصل ثابت وقاس عليها. ويستدل لمشروعية هذا الاجتهاد بالتوجه إلى القبلة عند غياب عين الكعبة؛ فالمكلف مأمور ببذل وسعه في طلب الجهة بالدلالات من النجوم والطرق وغيرها، لا بإحاطة يستحيل تحصيلها، وكذلك الحكم في مثل الصيد الذي أمر الله تعالى ذوي العدل بتقديره. فالاجتهاد عنده طلبٌ منضبط لعين الحكم بواسطة علامة ودليل، لا إباحة للرأي المجرد.
ويربط صحة الاجتهاد بأهلية المجتهد؛ فمن لا يعرف الكتاب والسنة وما قاله أهل العلم ولا يملك آلة النظر لا يحل له أن يقول في العلم. ويقرب هذا المعنى بقياس أهل الخبرة في تقويم السلع والعيوب: فاجتهاد العارف مبني على معرفة السوق وأوصاف الأشياء ومقايسة النظائر، أما اجتهاد الجاهل فتعسف ولو كان كلاهما غير محيط بالنتيجة إحاطة قطعية. ومن هنا يميز بين الخطأ المحتمل من أهل النظر المعتبر وبين القول الصادر بلا أصل، ويجعل إمكان الخطأ في الاجتهاد غير مانع من مشروعيته، مستشهدًا بحديث أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
ويُفَصِّل أخيرًا بين موضعٍ لا يسوغ فيه الاختلاف وموضعٍ يسوغ؛ فما ثبت فيه نص من كتاب الله تعالى، أو سنة لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع للمسلمين، لم يجز لمن علمه أن يخالفه، أما ما خلا من ذلك فيجتهد فيه أهل العلم برد الحادثة إلى معنى كتاب أو سنة أو إجماع، وقد يختلف اجتهاد اثنين إذا احتمل الأمر وجهين مختلفين. وبذلك يضبط الشافعي مجال الخلاف نفسه: لا يتقدم الاجتهاد على النص، ولا يستقل الرأي عن أصل، ولا تتحول دعوى الإجماع إلى وسيلة لإلغاء الخبر الصحيح أو الخلاف المعلوم، وإنما يعمل كل طريق في مرتبته التي أثبتها له الدليل.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














