
نبذة عن الكتاب:
يَشرح شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي في كتاب «الفوائد السنية في شرح الألفية» منظومته «النبذة الألفية في الأصول الفقهية» شرحًا موسعًا يَحوِّل أبياتها الموجزة إلى بحث أصولي قائم على تحرير محل النزاع، وجمع الأقوال، وذكر أدلة كل مذهب، ومناقشتها، والترجيح بينها، وربط القواعد الأصولية بفروع الفقه. وكانت الألفية قد نَظَمها البرماوي بعد كتابه «النبذة الزكية في القواعد الأصلية»، ثم وضع شرحها هذا بعد نحو 10 سنوات، وقد بلغت منظومته 1032 بيتًا، وقال عن مادتها إن أكثر هذا الكتاب جملة ما حصَّله في طول عمره.
ويختلف الشرح عن أصل المنظومة اختلافًا بيّنًا؛ فالبرماوي اقتصر في «النبذة الزكية» والألفية على المختار من الأحكام من غير استيعاب للخلاف والأدلة، أما في «الفوائد السنية» فيَذكر مواضع الاتفاق والخلاف، وأدلة الأقوال والاعتراضات والأجوبة، ثم يُرجِّح ويَستدل لاختياره. ولذلك يَطيل حين تستحق المسألة البسط؛ كالإجماع السكوتي، وبعض دلالات الحروف، والمسائل التي يترتب عليها حكم خطير، ويَعرض في أثناء ذلك فروعًا فقهية ناشئة عن القاعدة الأصولية.
ويَرتب الكتاب على مقدمة و4 أبواب مترابطة: المقدمة في تعريف أصول الفقه وفائدته واستمداده وما يتصل بذلك؛ والباب الأول في أدلة الفقه وتفسيرها؛ والباب الثاني فيما يتوقف عليه الاستدلال بهذه الأدلة؛ والباب الثالث في تعارض الأدلة وما يترتب عليه؛ والباب الرابع في المستفيد من الأدلة، أي المجتهد، وفي مقابله المقلد. ويَشرح البرماوي وجه هذا البناء بأن موضوع أصول الفقه هو الأدلة، ثم لا يمكن الانتفاع بها إلا بمعرفة شروط الاستدلال، وقد يقع بينها التعارض فيحتاج إلى حكمه، ولا يستطيع ممارسة ذلك كله إلا من تحققت فيه أهلية الاجتهاد.
ويُمهِّد لتعريف الفقه وأصوله والحكم الشرعي وما يتصل بالتكليف؛ فيَبحث العلم والظن والعقل والإدراك، والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم عليه، وأقسام الأحكام وما يلحقها من الصحة والفساد والرخصة والعزيمة والأداء والقضاء ونحوها. ولا يَساير التطويل الاصطلاحي حيث تقل فائدته؛ بل يصرح في مواضع متعددة بأن بعض الخلافات أو الأسئلة لا تستحق البسط لقلة أثرها في الفقه والاستدلال، ويَختار في مباحث اللغة كذلك طريقًا وسطًا بين الاختصار المخل والتوسع في أحكام نحوية لا تخدم الاستنباط.
ويَظهر انتماؤه الشافعي في عنايته بتحرير أصول الشافعية والرجوع إلى نصوص الشافعي في كتبه، لكنه لا يَحصر البحث فيها؛ بل يَعرض مذاهب الأصوليين من المدارس المختلفة وأدلتهم ويُناقشها ثم يختار ما يترجح. وقد صرَّح في مقدمة نظمه بمراعاة «أصولنا»، وأوضح في الشرح أنه سيذكر ما يظهر من التفريعات الفقهية على هذه الأصول، فاجتمع في الكتاب تقرير المذهب الشافعي مع المقارنة الواسعة بغيره.
ويَجعل أدلة الفقه المتفق عليها القرآن الكريم والسنة والإجماع والقياس، ثم يُلحق بها الأدلة المختلف فيها. ففي القرآن الكريم يَبحث حجيته ودلالاته والقراءات وما يتعلق بالنص الشرعي، وفي السنة يتناول أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ودلالات أفعاله واختصاصاته والتأسي به، وما يقع بين القول والفعل أو بين فعلين من تعارض ظاهر، مميزًا بين ما يَصلح للنسخ أو التخصيص وما لا يتحقق فيه تعارض أصلًا.
وتَظهر خبرته الحديثية بصورة خاصة في مباحث السنة والأخبار؛ فهو لا يكتفي بالاحتجاج بالحديث كما يوجد في كثير من كتب الأصول، بل يَبحث طرقه وتصحيحه وتضعيفه وأحوال رواته، ويَتعقب الخلط بين الروايات. ومن ذلك تمييزه بين حديث بئر بضاعة وبين الرواية التي زيد فيها تغير اللون والطعم والريح، وتعقبه لمن دمج بين الخبرين، كما يُصحِّح نسبة بعض الآثار إلى الوقف ولا يَقبل رفعها إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يثبت، ويُناقش تصحيح الحاكم لبعض الأحاديث ولا يتبعه فيه عند قيام سبب الضعف.
ولهذا يَتوسع في أبواب الرواية التي تتصل مباشرة بحجية السنة: المتواتر والآحاد، وشروط الراوي، والعدالة والجهالة، وألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها، وتحمل الصغير، والإجازة، والمستور، وما يُقبل من طرق النقل وما يُرد. ويَنقل في مراتب التعديل عن أئمة الحديث، ويُرجِّح في سن تحمل الصغير اعتبار التمييز لا مجرد بلوغ 5 سنوات، ويَناقش دعاوى الاتفاق في قبول الإجازة بما نُقل عن شعبة وأبي زرعة وإبراهيم الحربي.
ثم يَبحث الإجماع من جهة إمكانه وحجيته ومن يعتبر قوله فيه، وانقراض العصر، والإجماع السكوتي وما يثبت به. وقد اعتنى بالإجماع السكوتي عناية خاصة حتى صرح بأنه أطال فيه لأنه من أمهات الأصول، فلا يَكتفي بإثبات القول أو نفيه بل يُحرِّر معنى السكوت وشروط نسبته إلى الموافقـة، ومدى انتشار القول، وإمكان الإنكار، وما يترتب على ذلك من حجية أو عدمها.
ويُفصِّل في القياس وأركانه وشروطه والعلة ومسالك إثباتها، وما يجوز القياس فيه، ويَناقش القياس الشرعي واللغوي والعقلي والفرق بينها. ولا يَلتزم الشروط التي يَذكرها غيره لمجرد ورودها في كتب الأصول، بل يَختبر مدى الحاجة إليها في حقيقة القياس، فيرفض إدخال بعض القيود في حد القياس إذا كانت متعلقة بمجال استعماله لا بصحته من حيث هو قياس. ويُكثر في هذا الباب من رد الفروع إلى الأصول لإظهار أثر العلة أو الفارق في النتيجة الفقهية.
ويَختم الكلام على أدلة الفقه ببحث الأدلة المختلف فيها، ومن بينها الاستقراء، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي رضي الله عنه، والاستصحاب والاستحسان وما يتصل بها من وجوه الاستدلال. وفي الاستقراء يَفرِّق بين التام والناقص ويَناقش مقدار ما يفيده كل منهما، وفي شرع من قبلنا يبحث هل الحكم الثابت في شريعة نبي سابق يكون شريعةً لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يقرره أو ينسخه، وفي قول الصحابي رضي الله عنه يَحرِّر اختلاف النقل عن الشافعي ويَبحث موضع الاحتجاج به وصلته بمجال الرأي والقياس.
أما الباب الثاني فيَجمع ما لا يَستقيم الاستدلال بالأدلة إلا به، ويبدأ من جهة ثبوت المنقول بالسند، ثم ينتقل إلى مباحث الألفاظ ودلالاتها وما يتصل بفهم خطاب الشارع. ومن هنا تمتد مباحث الكتاب إلى الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والحقيقة والمجاز، ودلالات الحروف، والنسخ، وغيرها من القواعد التي تحدد كيف يُفهم النص وكيف يُجمع بين أجزائه ومقيداته ومخصصاته. وقد ربط البرماوي بين كثير من هذه المسائل وبين الفقه العملي؛ حتى إن الخلاف الأصولي عنده كثيرًا ما يُتبَع بسلسلة من الفروع التي تتغير أحكامها بتغير القاعدة.
ويَظهر ذلك مثلًا في تحريره علاقة العام والخاص والمطلق والمقيد؛ فلا يَجعل كل ذكر لوصف خاص مخصصًا للحكم العام، بل يَبحث هل للخاص مفهوم، وهل ورود الحكم في صورة معينة يمنع شمول اللفظ المطلق أو العام لغيرها. ويَنقل في هذا الباب كلام ابن دقيق العيد في النهي عن مس الذكر باليمين، ويُفرِّق بين باب الإثبات وباب النهي، لأن إبقاء الحكم العام في النهي يختلف عن حمل المطلق على المقيد في سياق الأمر.
ويَجعل كثرة الفروع الفقهية جزءًا مقصودًا من صناعة الشرح؛ فيقول بعد عرض جملة منها إنما ذكر نموذجًا «تُستحضَر به القواعد وتتمهد»، ويَربط بالخلاف الأصولي مسائل في العقود والعبادات والأيمان والوصايا والعموم واليقين والشك وغيرها. وقد يَذكر قاعدة ثم يعرض ما استثناه الفقهاء منها، أو يَجمع مسائل مضطربة في كتب المذهب ويُعيدها إلى أصل واحد، أو يَبين أن خلاف الفقهاء في فرع يَناظر خلاف الأصوليين في القاعدة التي بُني عليها.
ثم يَخصص الباب الثالث لتعارض الأدلة، ويبدأ من إمكان الجمع بينها؛ لأن الجمع متى أمكن كان مقدمًا على إسقاط أحد الدليلين. ثم يَبحث النسخ والترجيح والتوقف بحسب مراتب الأدلة وإمكان معرفة المتقدم والمتأخر وقوة الدلالة والسند. كما يَعرض وجوه الترجيح الكثيرة بين الأخبار والأقيسة والدلالات، مستفيدًا في الترجيح الحديثي من علم الرجال ودرجات الرواية، وفي الترجيح الدلالي من قوة الظهور والخصوص والقرائن وغيرها.
ويُخصِّص الباب الأخير للاجتهاد والتقليد، فيُعرِّف الاجتهاد بأنه استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بحكم شرعي، ويُبيِّن أن فقيه النفس ليس حافظًا للمسائل فحسب، بل صاحب ملكة تمكِّنه من استخراج الحكم والتصرف في الأدلة بالجمع والتفريق والترتيب والتصحيح والإفساد. ويشترط فيه العقل والبلوغ والقدرة العلمية، ومعرفة القدر الكافي من العربية والبلاغة وأصول الفقه والكتاب والسنة، ولا يشترط بلوغ الغاية في كل هذه العلوم، بل الدرجة التي تُمكِّنه من فهم خطاب الشرع والاستنباط منه.
ويَفرق بين الصفات اللازمة للمجتهد من حيث هو مجتهد، وبين ما يجب عليه معرفته عند مباشرة اجتهاد معين؛ فيحتاج في الواقعة إلى معرفة ما يتعلق بها من الإجماع والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، ومراتب الأخبار والصحيح والضعيف وأحوال الرواة، ولا يلزمه استيعاب جميع هذه العلوم في كل أبواب الشريعة. ويُجيز الاعتماد في نقد الأسانيد في عصره على أحكام أئمة الحديث المتخصصين. كما لا يَشترط في نفس ملكة الاجتهاد الذكورة أو الحرية أو العدالة، وإن كانت العدالة معتبرةً في قبول فتوى المفتي، ولا يجعل علم الكلام ولا حفظ تفاريع الفقه شرطًا في أصل الاجتهاد.
ويُقسِّم أهل النظر إلى المجتهد المطلق، ثم مجتهد المذهب القادر على التخريج على نصوص إمامه وأصوله، ثم مجتهد الفتوى المتمكن من الترجيح بين أقوال المذهب. كما يُثبت إمكان تجزؤ الاجتهاد، فيبلغ العالم مرتبته في باب أو نوع من المسائل إذا استكمل ما يحتاج إليه فيه وإن لم يكن مجتهدًا في سائر الأبواب، ويَبحث كذلك فرضية الاجتهاد عينًا أو كفايةً ومواضع ندبه.
ويَتناول اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم واجتهاد غيره في عهده، فيَعرض مذاهب الأصوليين في الجواز والوقوع، ويفصل بين تصرفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالفتوى والقضاء والإمامة والرسالة؛ لأن الحكم المستفاد من الفعل أو القول قد يختلف باختلاف الجهة التي صدر عنها. ويُمثِّل لذلك بإحياء الموات، وقضية هند بنت عتبة رضي الله عنها، واستحقاق قاتل المشرك سلبه، مبينًا أن التردد في كون التصرف فتوىً عامةً أو حكمًا قضائيًّا أو تصرفًا إماميًّا هو منشأ اختلاف الفقهاء في بعض هذه المسائل.
ثم يَبحث التقليد وأحكام المستفتي، فيُفرِّق بين من بلغ رتبة الاجتهاد فلا يَعدل عن حكم ظهر له بدليله، وبين العامي الذي فرضه سؤال أهل العلم. ويَناقش تقليد الأفضل والمفضول، وتقليد الميت، وكيف تُعرف أهلية المفتي، وحكم إفتاء المجتهد في المذهب ومن دون مرتبته، وإمكان خلو العصر من المجتهد، وهل يلزم العامي التمذهب بمذهب واحد في جميع مسائله. ويَنقل اختيار النووي أن الدليل لا يوجب التزام مذهب بعينه، مع منع تتبع الرخص لمجرد اختيار الأسهل من كل مذهب.
ويَنتهي البحث الأصولي عند مسألة تتبع الرخص؛ فيمنع أن يجعل المقلد همه التقاط أخف الأقوال من المذاهب، ثم يَذكر فائدةً تَراعي حال المكلف نفسه: فمن ابتُلي بالوسواس أو القنوط فالأولى في حقه الأخذ بالأخف والترخص حتى لا يشتد به المرض، ومن كان متساهلًا قليل الاحتياط كان الأخذ بالعزيمة والأثقل أنسب حتى لا يزداد تفريطه. وبعد هذه المسألة يذكر البرماوي تمام نظمه وتاريخ فراغه منه، ثم فراغه من تسويد الشرح وتحقيقه وقراءته.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














