
نبذة عن الكتاب:
يشرح بدر الدين الزركشي في كتاب «تشنيف المسامع بجمع الجوامع» متن «جمع الجوامع» لتاج الدين السبكي شرحًا يُراد به حل عباراته الدقيقة، وبيان مقاصده، والكشف عن مواضع الإشكال فيه، مع اجتناب الاختصار المخل والإطناب الممل. وقد وصف الزركشي «جمع الجوامع» بأنه كثير العلم، وجيز النظم، مشتمل على نقول غريبة ومسائل دقيقة وحدود محررة، وهو ما حمله على وضع شرح يفتح مغلقه ويوضح مشكله ويبرز ما تضمنه من غرائب المسائل ودقائقها.
ويبدأ الشرح من المقدمات التي يتوقف عليها علم أصول الفقه، فيفسر الحدود والمصطلحات ويحرر قيودها، ولا يكتفي بنقل تعريف المصنف، بل يتتبع ما يترتب عليه من إشكالات. ومن ذلك مناقشته تعريف أصول الفقه بأنه «دلائل الفقه الإجمالية»، والخلاف في كون أصول الفقه نفس الأدلة أو معرفتها، وتمييزه بين الإطلاق الإضافي واللقبي للمصطلح، وبحثه معنى الإجمالية، وما يدخل في الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، ثم تعريف الأصولي وطرق الاستفادة من الأدلة وصفة المستفيد منها.
ويتتبع الزركشي أثناء شرحه ما يورده السبكي من حدود وتقسيمات، فيناقش ألفاظها ومآخذها، وينبه على اختلاف الاصطلاح بين الفقهاء والمتكلمين والأصوليين حيث يترتب عليه اختلاف في العبارة لا في حقيقة الحكم. ومن أمثلة ذلك حديثه عن معنى «الأصل» في باب القياس، إذ ينقل اختلاف الفقهاء والمتكلمين في إطلاقه، ثم يبين أن النزاع يمكن رده إلى اختلاف جهة الاعتبار، وينبه كذلك على اختلاف استعمال المصطلح نفسه بين المقدمات وباب القياس.
ويعرض مباحث الأدلة ودلالات الألفاظ عرضًا مفصلًا، فيتناول الكتاب والسنة والإجماع، ثم ما يتصل بفهم الخطاب من الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، والمفهوم، والتخصيص، والتأويل، والنسخ، وغيرها من مسائل الدلالة. ويستحضر في هذه المباحث مذاهب الأصوليين واعتراضاتهم، ويوازن بين الأقوال بحسب مأخذها، كما يظهر في مناقشته لحجية المفهوم، وما نقل فيه من تفصيل بين خطاب الشارع واستعمال الناس، مع عرض اعتراضات من سبقه على بعض وجوه التفريق.
ويفصل في الإجماع من جهة حقيقته وشروطه ومن يعتد بقوله فيه، فيبحث أثر العدالة والاجتهاد، وحكم مخالفة الواحد أو العدد القليل، واختصاص الإجماع بالصحابة رضي الله عنهم أو عدم اختصاصه بهم، واشتراط المستند الشرعي لانعقاده. كما يبين أن مستند الإجماع قد يكون من الكتاب أو السنة، ويناقش ما يتصل بانعقاده عن القياس، ويصل بين كل قيد في تعريف الإجماع وبين ما يترتب عليه من قبول المخالف أو عدم الاعتداد به.
ويعالج القياس من تعريفه وحجيته وأركانه وشروطه، فيبحث الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، وما يشترط في كل واحد منها، ويعرض الخلاف في إطلاق اسم الأصل بين الفقهاء والمتكلمين، ثم ينتقل إلى مسالك إثبات العلة وما يرد عليها من اعتراضات. كما يقرر دخول القياس في أصول الفقه، ويناقش الحجة التي تبني إخراجه على كونه ظنيًا، مبينًا أن الدليل لا ينحصر في القطعي، وأن القياس قد يكون قطعيًا في بعض صوره.
ويعقد بعد الأدلة المتفق عليها كتابًا للاستدلال، ويعرفه بما ليس نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا، ويدخل فيه ما اختلف الأئمة في اعتباره من وجوه الاستدلال. ويبين سبب إفراده عن الأدلة السابقة بأن تلك الأدلة قام أصل الاحتجاج بها على وجه لم يقع فيه نزاع معتبر، أما هذا الباب فيتناول ما أثبته كل إمام باجتهاده من استصحاب واستحسان وغيرهما.
ويؤخر التعادل والترجيح إلى ما بعد الفراغ من الأدلة؛ لأن معرفة الأدلة لا تستغني عن معرفة كيفية العمل بها عند التعارض. فيبحث إمكان تعادل القواطع والأمارات، ووجوب العمل بالراجح، ووجوه الترجيح بين النصوص والمفاهيم والأقيسة، ويقرر أن المرجحات لا تنحصر، وإنما مدارها على ما يورث غلبة الظن. كما يفصل في تراجيح الأقيسة، فيجعل الترجيح متعلقًا بالأصل والفرع والعلة وما يخرج عنها، ويذكر من وجوهه قوة دليل حكم الأصل، وقوة الدلالة، وما يترجح به أحد القياسين على الآخر.
ويجعل الاجتهاد خاتمة البناء الأصولي؛ لأنه متوقف على معرفة الأدلة وعلى إدراك وجوه التعادل والترجيح بينها. فيشرح تعريف الاجتهاد باستفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بحكم، ويبين أن القطعيات ليست محلًا له، ثم يحرر شروط المجتهد وما يحتاج إليه من أهلية وملكة. ويصحح في هذا السياق بعض النقول، فمن ذلك تنبيهه إلى أن ما نسب إلى الشافعي من جعل الاجتهاد هو القياس ليس على ظاهره، وأن مراد كلامه في «الرسالة» تقارب معنى الاجتهاد والقياس من جهة التوصل بهما إلى حكم غير منصوص عليه.
ويمتد الشرح مع امتداد «جمع الجوامع» نفسه إلى ما ضمه من أصول الفقه وأصول الدين وخاتمة التصوف، وقد نبه الزركشي عند بيان بنية المتن إلى اشتماله على فني الأصول، وفسر ذلك بأصول الفقه وأصول الدين، مع ما أضيف إليهما في آخر الكتاب. ومن ثم يجمع «تشنيف المسامع» بين شرح العبارة، وتحرير الاصطلاح، وجمع الأقوال، ومناقشة أدلتها، والتنبيه على ما يظهر من اعتراض أو تعارض بين المواضع، في صورة شرح واسع لمتن بالغ الاختصار والدقة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














