
نبذة عن الكتاب:
يشرح سعد الدين التفتازاني في «التلويح في كشف حقائق التنقيح» كتاب «التوضيح في حل غوامض التنقيح» لعبيد الله بن مسعود المحبوبي المعروف بصدر الشريعة، وهو الشرح الذي وضعه صدر الشريعة على متنه «تنقيح الأصول». ولذلك يجتمع في هذا المصنف متن «التنقيح»، وشرح مؤلفه عليه في «التوضيح»، ثم تعليقات التفتازاني التي لا تقف عند فك العبارة، بل تزيد تقرير القواعد، وتحرير مواضع النزاع، ومناقشة التعليلات والاعتراضات، وتصحيح ما يراه محتاجًا إلى التحقيق. وقد صرح التفتازاني بأنه أراد أن يصير المتن مشروحًا وأن يزداد الشرح بيانًا ووضوحًا، وأن يجمع في عمله تقرير قواعد الفن وتفسير مقاصد الكتاب وتنقيح ما بسطه صدر الشريعة وتوضيح ما اختصره.
ويكشف الكتاب منذ مقدمته عن طبيعة البناء العلمي لمدرسة أصول الحنفية في مرحلة امتزجت فيها طريقة الفقهاء بمباحث المتكلمين والمنطق؛ فصدر الشريعة يصف «التوضيح» بأنه مؤسس على قواعد المعقول، مشتمل على تعريفات وحجج وتفريعات مرتبة، بينما يشرح التفتازاني هذه الصناعة ويصل مسائل الأصول باللغة والمنطق والكلام والفقه. ولهذا لا تقتصر المناقشات على الحكم الأصولي المجرد، بل تمتد إلى تركيب الحد وصحة التقسيم ودلالة العبارة والاعتراض على المقدمات وتحديد موضع الخلاف، وهو ما يجعل «التلويح» شرحًا تحقيقيًا لـ«التوضيح» لا مجرد حاشية لفظية عليه.
ويبني صدر الشريعة القسم الأول من الكتاب على الأدلة الشرعية، ويجعلها أربعة أركان: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم يضم إليها ما يتصل بتعارض الأدلة وترجيحها والاجتهاد. ويبدأ بالكتاب، فيجعل البحث في كيفية دلالة نظمه على الأحكام أساسًا لمباحث الألفاظ، ثم يقسم اللفظ باعتبارات متعددة بحسب وضعه للمعنى وظهور دلالته وخفائها وكيفية استعماله وكيفية الوقوف على المراد منه. وتحت هذه التقسيمات تدخل مباحث الخاص والعام والمشترك والمؤول والظاهر والنص والمفسر والمحكم والخفي والمشكل والمجمل والمتشابه والحقيقة والمجاز والصريح والكناية وغيرها، في بناء اصطلاحي حنفي دقيق.
ويفصل في طرق دلالة النص عند الحنفية وما يندرج تحت عبارة النص وإشارته ودلالته واقتضائه، مبينًا أن الحكم قد يفهم من اللفظ لأنه المقصود بالسياق، أو لأنه لازم لما سيق الكلام لأجله، أو لأن معنى النص يدل على إلحاق غير المنطوق به من غير حاجة إلى قياس مستنبط. ولهذا يفرق بين دلالة النص والقياس؛ فإلحاق الأكل والشرب بالجماع في بعض الأحكام أو إلحاق القتل بالمثقل بغيره قد يجعل عند الحنفية من دلالة النص إذا كان المعنى المفهوم من النص كافيًا في التعدية، لا من القياس المبني على علة يستنبطها المجتهد استقلالًا.
ويبحث الأمر والنهي من جهة الصيغة وما تقتضيه عند التجرد من القرائن، وما إذا كان الأمر موضوعًا للوجوب أو يستعمل في الندب والإباحة بقرينة، ويتتبع أثر ذلك في الفروع. ولا يكتفي التفتازاني بإعادة تقرير مذهب صدر الشريعة، بل يحلل كيفية استعمال صيغة الأمر في غير الوجوب، فيفرق بين ما تدل عليه الصيغة بنفسها وما يثبت بواسطة القرينة أو بحكم الأصل، ويعيد الخلاف أحيانًا إلى تصور معنى الصيغة نفسها لا إلى مجرد تعداد الأحكام التي استعملت فيها.
ويتوسع في العام والخاص والاستثناء وسائر المخصصات، ويربطها بمسائل البيان والتعارض بين الدلالات. وفي الاستثناء يناقش المتصل والمنقطع وشروط صحة الاستثناء وموضع رجوعه، كما يتعرض للمسائل التي تتصل بانفصال الاستثناء عن الكلام، ولا يمر على الاستدلالات من غير فحص في كونها أدلة على الحكم محل البحث أو على صورة مختلفة عنه. وتظهر في هذه المواطن طريقة التفتازاني في قول مثل «ولقائل أن يقول» أو «الأقرب أن يقال»، ثم إعادة تركيب الدليل بما يراه أدق في دفع الاعتراض.
ويجعل السنة الركن الثاني، ويعرّفها في باب الأدلة بما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، ثم يركز على كيفية اتصالها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيبحث التواتر والمشهور وخبر الواحد، والانقطاع، وحال الراوي وشروطه، والسماع والضبط والتبليغ والطعن في الرواية، ثم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم والوحي وشرائع من قبلنا وأقوال الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وبذلك يجمع هذا الركن بين أصول الرواية ودلالات السنة وموقع ما يتصل بها من الأدلة المختلف فيها.
ويميز في الأخبار بين المتواتر والمشهور وخبر الواحد تمييزًا مؤثرًا في مرتبة المعرفة والعمل؛ فالمتواتر يوجب علم اليقين، والمشهور يفيد علم الطمأنينة الذي هو فوق أصل الظن ودون اليقين، وخبر الواحد يفيد غلبة الظن عند استكمال شروطه وتكفي هذه المرتبة لوجوب العمل. ويناقش التفتازاني شروط التواتر، فلا يجعل العدالة أو اختلاف البلدان شرطين مستقلين متى بلغ الجمع حدًا يمتنع معه التواطؤ على الكذب، كما يبين أن خبر الواحد في هذا الاصطلاح لا ترفع مرتبته بمجرد وجوب العمل به إلى مرتبة العلم اليقيني.
ويفصل في الرواة والجرح والتعديل، وما يعد طعنًا مؤثرًا وما لا يعد كذلك، ويجعل قبول الجرح المبهم متعلقًا بحال الجارح نفسه؛ فإن كان ثقة بصيرًا بأسباب الجرح ومواضع الخلاف ضابطًا لها أمكن قبول جرحه، وإلا فلا. ثم ينتقل إلى أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وما يعرف منها على جهة القربة أو العادة أو الخصوصية، وما يقتضي التأسي، لتتصل عنده مباحث الرواية بكيفية الاستدلال بالفعل النبوي بعد ثبوته.
ويجعل الإجماع الركن الثالث، ويعرفه باتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على حكم شرعي، ثم يقسم بحثه إلى ركن الإجماع، وأهلية من ينعقد بهم، وشروطه، وحكمه، وسنده. ويقيد الاعتبار بالمجتهدين دون العوام، ويناقش هل يثبت الإجماع بالسكوت، ويورد لذلك وقائع من مشاورات الصحابة رضي الله تعالى عنهم لبيان أن سكوت المجتهد قد يصدر مع مخالفته الباطنة، فلا يكون مجرد الصمت في كل حال كالتصريح بالموافقة. كما يعترض التفتازاني على بعض محاولات قصر فائدة الإجماع على نوع معين من الأحكام، ويرى أن بعض القضايا العقلية الظنية قد تصير قطعية بالاتفاق.
ويبحث مراتب الإجماع وسنده وكيفية نقله، ويقرر أن اتفاق المجتهدين إذا انعقد على الوجه المعتبر يصير حجة لا تجوز مخالفتها، مع تمييزه بين نفس الدليل الذي أدى إليه المجتهدون وبين الإجماع الذي انعقد بعد استنباطهم؛ فقد يكون المستند في أصله ظنيًا ثم يكتسب الحكم بعد الإجماع مرتبة أخرى. ومن هنا لا يجعل قوة الإجماع تابعة بالضرورة لكون سنده قطعيًا، لأن معنى الحجية عنده متعلق بانعقاد الاتفاق المعتبر نفسه.
ويجعل القياس الركن الرابع، ويعرفه من جهة مساواة الفرع للأصل في علة الحكم، مع مناقشة العبارة المشهورة في كونه «تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع». ويبين التفتازاني أن الحكم نفسه لا ينتقل حقيقة من محل إلى محل، وإنما يثبت في الفرع حكم مماثل لحكم الأصل بسبب وجود العلة الجامعة، ولذلك يناقش ألفاظ التعريف وما إذا كانت العلة وحدها ركن القياس أو كانت أركانه الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع. كما يصرح بأن حكم الفرع ثمرة القياس، لا جزء سابقًا عليه.
ويقرر أن القياس يفيد غلبة الظن، ثم يفصل شروطه وشروط الأصل والفرع والحكم، ويفرد للعلة بحثًا واسعًا في حقيقتها وأوصافها ومسالك معرفتها. ويناقش النص والإجماع والمناسبة وغيرها من طرق إثبات العلة، والعلة القاصرة والمتعدية، وما إذا كان الأصل في النصوص التعليل، وما يصح من الأوصاف أن يكون مناطًا للحكم. ويظهر هنا اعتماد الكتاب على تخريج الفروع الفقهية في اختبار القواعد، فلا تكاد مسائل العلة تبقى في مستوى التعريف المجرد، بل تطبق على الربا والزكاة والصيام والطهارة والنكاح والجنايات وسائر أبواب الفقه.
ويتتبع الاعتراضات الواردة على القياس والعلة، مثل النقض والممانعة والمعارضة والقلب وغيرها، ويبين متى يكون الاعتراض قادحًا ومتى يكون مجرد منازعة لا تهدم الدليل. ويفرد كذلك لما سماه العلل الطردية والحجج الفاسدة فصولًا تكشف أخطاء المناظرة الأصولية، ثم يرد المسائل إلى القضية المركزية: هل ثبت الوصف علة للحكم؟ وهل تحقق في الفرع؟ وهل وجد مانع يقطع التعدية؟ ومن ثم يصبح باب القياس في «التوضيح» و«التلويح» بحثًا في صناعة الاستدلال والمناظرة بقدر ما هو بحث في حجية القياس نفسه.
ويفرد بابًا للمعارضة والترجيح بعد استكمال الأدلة، لأن قوة الدليل لا تعرف دائمًا بمجرد ثبوته؛ فقد تتقابل الأخبار أو الأقيسة أو جهات الدلالة فيحتاج المجتهد إلى معرفة ما يقدم وما يؤخر. ولهذا يبحث وجوه الترجيح بين الأدلة، ثم الترجيح بين الأقيسة خاصة، وما يقع عند تعارض وجوه الترجيح بعضها مع بعض، ويذكر كذلك وجوهًا يرفض اعتبارها مرجحات صحيحة، حتى لا يتحول الترجيح إلى مجرد ميل لا يقوم على جهة معتبرة.
ويختم مباحث الأدلة بباب الاجتهاد، ويعرفه باستفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي، بحيث يبذل تمام طاقته ولا يجد في نفسه قدرة على مزيد من الطلب. ويشترط للمجتهد معرفة ما يحتاج إليه من الكتاب بمعانيه اللغوية والشرعية وأقسام دلالاته، ومن السنة متنًا وسندًا مع معرفة طرقها وأحوال رواتها، ومن القياس شروطه وأقسامه ومقبوله ومردوده، وينبه التفتازاني إلى ضرورة معرفة مواضع الإجماع كذلك حتى لا يقع اجتهاده مخالفًا له. ولا يشترط حفظ جميع نصوص الأحكام عن ظهر قلب، بل معرفة مواقعها والقدرة على الرجوع إليها عند الحاجة.
ولا يشترط التبحر في علم الكلام للاجتهاد عند هذا التقرير، كما لا يجعل معرفة الفقه نتيجةً سابقةً لا بد منها من حيث الأصل؛ لأن الفقه ثمرة الاجتهاد، وإن كان التمرس بالفروع في العصور المتأخرة طريقًا عمليًا إلى تكوين ملكة الاجتهاد. كما يقر إمكان تجزؤ الاجتهاد؛ فالمجتهد المطلق يحتاج إلى الآلة العامة، أما من يجتهد في باب أو حكم معين فيكفيه استكمال ما يتصل بذلك الباب بشرط ألا يخفى عليه نص أو إجماع مؤثر في المسألة التي ينظر فيها.
ويناقش بعد ذلك مسألة تصويب المجتهدين، فيعرض أربعة مذاهب في وجود حكم معين لله تعالى قبل الاجتهاد وفي وجود دليل عليه ومرتبته، ثم يجعل المختار عند صدر الشريعة أن لله تعالى في الواقعة حكمًا معينًا وعليه دليل ظني، فمن أصابه فقد أصاب الحكم، ومن لم يصبه بعد استفراغ الوسع أخطأ لكنه معذور مأجور. ويحرر التفتازاني عبارة أبي حنيفة في أن «كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد» بأن الإصابة قد تكون بالنظر إلى أداء وظيفة الاجتهاد واستكمال طريق الدليل، مع إمكان الخطأ في نفس الحكم الذي هو عند الله تعالى.
ثم ينتقل القسم الثاني من الكتاب من الأدلة إلى الحكم نفسه، فيبحث أقسام الحكم وما يتعلق به من السبب والشرط والمانع والعلة والعلامة والعزيمة والرخصة، ويجعل هذه المباحث أساسًا لتخريج كثير من الفروع. ومن أبرز ما يظهر فيها التفريق الدقيق بين السبب الذي يترتب الحكم عليه، والشرط الذي يتوقف الحكم على وجوده من غير أن يستقل بإيجاده، وبين الحكم التكليفي والحكم الذي يتصل بتعلق شيء بشيء آخر. كما يفصل مراتب الرخصة، وما يبقى فيه سبب التحريم مع سقوط حكمه وما يبقى فيه أصل الحرمة مع الترخيص في الفعل عند الضرورة.
ويبحث بعد ذلك «المحكوم به» ثم «المحكوم عليه»، فينتقل من حقيقة الحكم إلى فعل المكلف ومن يتوجه إليه الخطاب. ويجعل الأهلية قسمين: أهلية وجوب وأهلية أداء، ثم يتتبع ما يطرأ عليهما من العوارض. وتسمح له هذه البنية بأن يفسر اختلاف الأحكام باختلاف الذمة والعقل والتمييز والبلوغ والقدرة والقصد والرضا، فلا يعالج الصبي والمجنون والنائم والمريض والمكره بوصفها مسائل متناثرة، بل بوصفها حالات تؤثر بدرجات مختلفة في أهلية ثبوت الحقوق أو صحة الأداء أو نفاذ التصرف.
ويقسم العوارض إلى سماوية ومكتسبة؛ فيبحث من السماوية الجنون والصغر والعته والنسيان والنوم والإغماء والرق والحيض والنفاس والمرض والموت، ثم ينتقل إلى المكتسبة فيتناول الجهل والسكر والهزل والسفه والسفر والخطأ، ثم الإكراه بوصفه عارضًا صادرًا من الغير. ويبين في كل عارض ما يبقى من الأهلية وما يسقط، وما يتعلق بحقوق الله تعالى أو حقوق العباد، وما يوجب الضمان وإن سقط الإثم أو العقوبة، وهي مباحث تختلط فيها القاعدة الأصولية بالتطبيق الفقهي تفصيلًا.
ويفرق في الخطأ مثلًا بين قصد الفعل وقصد محله؛ فمن رمى صيدًا فأصاب إنسانًا قصد أصل الرمي ولم يقصد المحل المصاب، ولذلك يكون الخطأ عذرًا في بعض حقوق الله تعالى وشبهة تسقط العقوبات الكاملة كالقصاص، لكنه لا يزيل حقوق العباد المالية، لأن ضمان المتلف لا يتوقف على الإثم. ويظهر أثر هذا التحليل كذلك في مسائل الطلاق والبيع عند الخطأ، حيث يقارن الكتاب بين مذهب الحنفية ومذهب الشافعي في مقدار الاعتداد بالقصد والاختيار والرضا.
ويطيل في الإكراه لأنه آخر العوارض وأشدها تشعبًا، فيقسمه إلى ملجئ وغير ملجئ، ويفرق بين زوال الرضا وفساد الاختيار، وبين الأقوال التي لا يمكن نسبة مباشرتها إلى غير المتكلم والأفعال التي يمكن أن يجعل فيها المكره آلة للمكره. ومن هذا يبني أحكام الإقرار والبيع والطلاق والإتلاف والقتل وغيرها، ويقارن بين أصول الحنفية والشافعية في نسبة الفعل وآثاره. فالإكراه قد لا يسقط أهلية الخطاب نفسها، وإنما يغير أثر الفعل أو نسبته أو حكم الإقدام عليه بحسب نوع الإكراه ونوع الحق.
وتنتهي مسائل الكتاب عند تقسيم المحرمات حال الإكراه؛ فمنها ما لا تسقط حرمته ولا تدخله الرخصة كالاعتداء على نفس الغير، ومنها ما تسقط حرمته عند الاضطرار كأكل الميتة ونحوه، ومنها ما تبقى حرمته مع ثبوت الرخصة، ثم يفرق داخل ذلك بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد. وآخر التطبيق في إتلاف مال المسلم تحت الإكراه؛ فمع إمكان الترخيص للمكره عند الإكراه الملجئ تبقى عصمة مال المالك، ولذلك يجب الضمان على من نسب إليه الإتلاف.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














