
نبذة عن الكتاب:
يضمُّ كتاب «الفوائد التَّفسيريَّة» جملةً من تدبُّرات عبد الرَّحمن بن يحيى المُعلِّمي اليماني وبحوثه المتفرِّقة في آيات القرآن الكريم، وقد رُتِّبت هذه الفوائد بحسب ترتيب السُّور. وتتفاوت مادَّتها بين الملاحظات الموجزة والبحوث المطوَّلة، فلا تمثِّل تفسيرًا متتابعًا للقرآن، وإنَّما تتناول آياتٍ ومواضع مخصوصة أثارت عند المُعلِّمي مسألةً تحتاج إلى تحرير، أو معنى يحتمل النَّظر، أو إشكالًا في التَّفسير، أو فائدةً عقديَّة أو فقهيَّة أو لغويَّة. ويعتمد في معالجتها على تدبُّر السِّياق والنَّظم، ودلالة المفردات والتَّراكيب، ومقارنة الآيات بعضها ببعض، والاستفادة من السُّنَّة وكلام المفسِّرين والاستعمال العربي، مع مناقشة الأقوال والتَّرجيح بينها أو التَّوقُّف فيما يبقى محتملًا.
وتبدأ الفوائد بسورة الفاتحة، حيث يناقش المُعلِّمي مسألة البسملة ويقرِّر كونها آيةً من الفاتحة، مستدلًّا بحديث السَّبع المثاني وبكتابتها في المصحف، ويناقش القول بأنَّها كُتبت لمجرَّد الفصل بين السُّور، ويفرِّق بين كونها جزءًا مستقلًّا من السُّورة وبين كونها متَّصلةً بما بعدها. ثمَّ تتَّسع فوائد سورة البقرة لتشمل مسائل متنوِّعة؛ فيتأمَّل مناسبة قوله تعالى في الصَّفا والمروة: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} لما قد يُتوهم من الاقتصار على نفي الجناح، ويناقش دلالة آيات كتمان البيِّنات على لعن المعيَّن، ويربط استثناء التَّائب بتقييد اللَّعن بمن استمرَّ على حاله حتى الموت، كما يستنبط من آيات المطاعم النَّهي عن تحريم ما أحلَّ الله تعالى، ويناقش كتمان العلم وأخذ المقابل على إخفاء الحقِّ أو الإفتاء بما يوافق هوى السَّائل.
ويتأمَّل في السُّورة نفسها قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}، فيحمله على الصَّبر على الطَّريقة المفضية إليها، ثمَّ ينظر في آيات الإفاضة من عرفات، وفي قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} وما يتَّصل باختلاف النَّاس وبعث الأنبياء عليهم السَّلام وإنزال الكتاب للحكم بينهم. ويناقش قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وما يستفاد منه في الرَّجعة، ثمَّ يقف طويلًا عند آيات الصَّدقة، فيبحث أثر المنِّ والأذى في إبطالها، ودلالات الأمثال المضروبة للمنفق رياءً وللمنفق ابتغاء مرضاة الله عزَّ وجلَّ، وما تشير إليه الآيات من تعويض المتصدِّق، ومنزلة المستحقِّ للصَّدقة، والنَّهي عن قصد الخبيث في الإنفاق، ومقابلة وعد الشَّيطان بالفقر بوعد الله تعالى بالمغفرة والفضل.
ويعالج كذلك قوله تعالى في الفقراء المتعفِّفين: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}، فيناقش العلاقة بين نفي السُّؤال ونفي الإلحاف، ويعرض جواب الزَّمخشري وما يرد عليه من جهة دلالة القيد، ويستعين بالشَّواهد الشِّعريَّة واللُّغويَّة في تحرير المسألة. كما يستنبط من آية الدَّين احتمال وجوب الكتابة من غير أجرة في بعض الأحوال، فتظهر في هذه المواضع عنايته باستخراج الأحكام من دقائق التَّركيب القرآني، وعدم اقتصاره على شرح المعنى الإجمالي للآية.
وينتقل في فوائد سورة آل عمران إلى معنى المحكمات والمتشابهات، فيفرِّق في دلالة «الإحكام» بين إحكام الإنسان العلم بالآية وبين إحكام الله عزَّ وجلَّ آيات كتابه، ويتأمَّل معنى التَّشابه من جهة تشابه المعاني. ويناقش ما ورد في تحريم إسرائيل عليه السَّلام بعض الطَّعام على نفسه، وما يثيره تفسير ذلك بالنَّذر من إشكال، ثمَّ يقف عند قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، فيناقش وظيفة الحال مع النَّفي، ويفرِّق بين ترك الذَّنب مع العلم بقبحه وتركه من غير هذا العلم، وما يترتَّب على ذلك في دلالة التَّرك على خشية الله تعالى.
ويفصِّل في سورة النِّساء الكلام على آية التَّيمُّم، فيجعل المراد بالصَّلاة حقيقتها الشَّرعيَّة، وبـ{عَابِرِي سَبِيلٍ} المسافر، ثمَّ يحلِّل بناء الآية وترتيب أعذار التَّيمُّم، ويجعل المرض والسَّفر وعدم وجود الماء أعذارًا مذكورةً في نظم الآية، ويناقش علاقة السَّفر بعدم وجود الماء وما تولَّت السُّنَّة بيانه. كما يتأمَّل مجموعة الآيات المتعلِّقة بالقتال والحسنة والسَّيِّئة وطاعة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، ويعتمد على اتصال السِّياق في تعيين المخاطبين، ويرفض فصل بعض الآيات عمَّا قبلها وما بعدها من غير دليل، ويميِّز بين الحسنة والسَّيِّئة بمعنى الأحكام الموافقة للهوى والمخالفة له، وبينهما بمعنى النِّعم والمصائب.
ويتناول في سورة المائدة عددًا من الاستنباطات الفقهيَّة واللُّغويَّة، فيناقش المراد بالطَّيِّبات في سياق المطاعم، وما يستفاد من آية الوضوء في أحوال الحدث ووجود الماء وعدمه، ويتأمَّل دلالة قوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ}، كما يستدلُّ بقوله تعالى: {أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} في بحث ما يسوِّغ القتل. ويخصِّص بحثًا لحرف «مِن» في قوله تعالى: {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ}، فيدرس احتمال التَّبعيض والبيان وأثر نوع النَّفي في تحديد المعنى.
ويربط بهذا البحث قوله تعالى في أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ}، فيحلِّل معنى المعيَّة في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ مَعَهُ}، ويستدلُّ بالسِّياق والأوصاف الواردة في الآية على المراد بهم، ثمَّ يناقش جعل «مِن» للتَّبعيض وما يترتَّب عليه. ويعرض في أثناء ذلك حديث الحوض وما قد يُستدلُّ به في هذا الباب، ثمَّ يبحث احتمال ورود صيغة ظاهرها إثبات التَّبعيض مع كون المقصود تحقيق انتفائه، مستعينًا بنظائر من الأساليب العربيَّة والقرآنيَّة.
ويتدبَّر في سورة الأنعام قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، ويعرض جوابين عن استبعاد عودة من شاهد عذاب الآخرة إلى ما أوجب له ذلك العذاب؛ فيحتمل أن يعود إلى الدُّنيا من غير تذكُّر ما شاهده مع بقاء الخبث الرَّاسخ في نفسه، ويحتمل أن يبقى تذكُّره ولكن تغلبه دواعي الفساد والتَّسويف والتَّعلُّل بالتَّوبة. ويقارن ذلك بأحوال من يعاين ضرر جريمته وعقوبتها ثمَّ يعود إليها بعد زوال العقوبة.
ويستخرج من المقارنة بين آيتي الأنعام والنِّساء في النَّهي عن مجالسة الخائضين في آيات الله تعالى دلالةً على دخول الأمَّة في الخطاب الموجَّه إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما لم يدلَّ دليل على الخصوص، كما يستدلُّ بالمقارنة نفسها على إمكان حكاية القرآن للأقوال بالمعنى. ويناقش المراد بالظُّلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}، ويستدلُّ بسياق محاجَّة إبراهيم عليه السَّلام لقومه على أنَّ المراد بالظُّلم في هذا الموضع الشِّرك، ثمَّ يتأمَّل قوله تعالى: {هَذَا رَبِّي} في قصَّة إبراهيم عليه السَّلام وما يحتمله من معنى في سياق النَّظر في صلاحيَّة الكواكب للعبادة.
وتتوالى بعد ذلك فوائد في سور الأعراف والأنفال والتَّوبة وهود وغيرها، وتتفاوت بين السَّطر والبحث المستقلِّ. ففي الأنفال يتأمَّل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، وفي التَّوبة يناقش استعمال «الوعد» في الشَّرِّ كما يستعمل في الخير، مع احتمال حمله على التَّهكُّم، وفي هود يبحث الاستثناء في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}، ثمَّ يتأمَّل معنى قوله تعالى: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} وعلاقته بقابليَّة البشر للاختلاف.
ويبرز في فوائد السُّور التَّالية اهتمام المُعلِّمي بالدَّلالة اللُّغويَّة والبلاغيَّة، فينظر في معاني الحروف والمفردات، ومراجع الضَّمائر، والحذف والتَّقدير، وعلاقات الجمل بعضها ببعض، وما يقتضيه السِّياق من حمل اللَّفظ على معنى دون آخر. ولا يفصل هذا النَّظر اللُّغوي عن التَّفسير؛ فقد يبدأ الإشكال عنده من حرفٍ أو قيدٍ أو ترتيبٍ في الجملة، ثمَّ ينتهي إلى ترجيح معنى الآية أو استخراج حكمٍ منها، كما يستحضر مواضع أخرى من القرآن لتفسير بعضها ببعض ويستفيد من استعمال العرب في اختبار الاحتمالات التَّفسيريَّة.
ويخصِّص بحثًا للآيات التي ورد فيها أنَّ اليوم عند الله تعالى كألف سنة، فيقارن بين آية الحجِّ وآية السَّجدة وما ورد في مقدار يوم القيامة، ويناقش المقصود من هذه المقادير وما إذا كان المراد خصوص العدد أو تقريب معنى طول الزَّمن. ثمَّ ينتقل في سورة المؤمنون إلى تحديد مرجع قوله تعالى: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} في قصَّة نوح عليه السَّلام، ويعالج في سورة النُّور آية القذف والاستثناء الوارد بعدها وما يتعلَّق بالتَّوبة وقبول الشَّهادة، مستمرًّا في طريقته القائمة على تحليل تركيب الآية قبل بناء الحكم عليها.
ويتناول في مواضع أخرى آياتٍ ذات صلة بالأحكام والآداب والقصص، فينظر في الاستئذان، وفي دلالات بعض القصص القرآنيَّة وما يمكن استنباطه منها، وفي الآيات التي تتعلَّق بالابتلاء والإيمان وأحوال المؤمنين. كما يناقش بعض المواضع التي وقع فيها خلافٌ تفسيري أو عقدي، ويستعين بالسِّياق والضَّمائر وصيغ الأفعال والأسماء لتعيين الأقرب، فلا تأتي فوائده على نسقٍ موضوعي واحد؛ إذ قد تتجاور الفائدة الفقهيَّة مع البحث النَّحوي، والتَّدبُّر العقدي مع الملاحظة البلاغيَّة، تبعًا للآية التي كانت محلَّ نظره.
ويواصل هذه الوقفات في السُّور المتأخِّرة، فيتناول بعض آيات الشُّورى والواقعة والحديد والحشر، ويستخرج منها فوائد في المعاني والأحكام ودلالة الألفاظ. ثمَّ يقف في سورة التَّغابن عند تسمية يوم القيامة بـ«يوم التَّغابن»، ويربطها بالقصاص بالحسنات وما يظهر يومئذٍ من عظم خسارة من انتقلت حسناته إلى غيره بسبب ظلمه. وفي سورة الملك يبحث معنى «مناكب» الأرض في قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}، ويناقش أصل اللَّفظ واحتمال استعارة مناكب الأرض من منكب الإنسان أو العكس.
ويتأمَّل في سورة المزَّمِّل قوله تعالى في قيام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وطائفةٍ من أصحابه: {أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ}، ويناقش ما أورده المفسِّرون في توجيه المقادير، ثمَّ يقترح أن تكون «أدنى» بمعنى دانيًا وقريبًا، لا على معنى المفاضلة، ليجمع بذلك بين المقادير المذكورة في الآية. وتستمرُّ عنايته في السُّور الأخيرة بدقائق التَّركيب، وما ينشأ عنها من احتمالات في المعنى، مع مناقشة ما ينقله من كتب التَّفسير وعدم التزامه بقول المفسِّر إذا ظهر له فيه إشكال.
ويبحث في سورة القيامة قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}، فيحمل «لا» على النَّفي، ويربط الأسلوب بالاستفهام الإنكاري التَّعجُّبي، ثمَّ يفسِّر النَّفس اللَّوَّامة بالنُّفوس يوم القيامة، ويصل ذلك بفكرته عن كون أقسام القرآن استدلاليَّة، فلا يحسن الاحتجاج على الخصم بما يجحده أصلًا. وينتقل إلى قوله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} وغيره من مواضع السُّورة، محافظًا على طريقته في وصل الدَّلالة اللُّغويَّة بالغرض الذي ينتظم الآيات.
وتنتهي هذه الفوائد بمواضع من قصار السُّور، ثمَّ بفائدة تتعلَّق بإعجاز القرآن وحكايته لأقوال غيره، فيناقش كيف يحكي القرآن كلام أشخاصٍ لم تكن ألفاظهم في الأصل على هذه المرتبة من الفصاحة، أو كانوا يتكلَّمون بغير العربيَّة. ويفرِّق في ذلك بين اللَّفظ المحكي والمعنى المحكي، ويستفيد من اختلاف الصِّياغة القرآنيَّة للقول الواحد في مواضع متعدِّدة لإثبات إمكان حكاية الكلام بالمعنى، وبذلك يرتبط هذا البحث بما تكرَّر في الفوائد من عنايته بالنَّظم والسِّياق ودلالة الصِّياغة القرآنيَّة نفسها، لا بمجرَّد نقل الأقوال التَّفسيريَّة الجاهزة.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














