
نبذة عن الكتاب:
يفسِّر عبد الرَّحمن بن يحيى المعلِّمي اليماني في هذه الرسالة قول الله عزَّ وجلَّ: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، ويركِّز على تعيين ما يتعلَّق به النَّهي في قوله: {وَلَا تُسْرِفُوا}: أهو راجع إلى الأكل، أم إلى إيتاء الحقِّ، أم هو نهي عامٌّ عن كلِّ إسراف؟ ثمَّ تتفرَّع عن ذلك مسائل الأكل من الثَّمر قبل الحصاد وبعد اكتمال صلاحه، وما يتركه الخارص لصاحب الثَّمر، ودلالة التَّبعيض في بعض الآيات، والجمع بين النَّهي عن الإسراف والنُّصوص الواردة في الإيثار وبذل المال.
يرجِّح المعلِّمي ابتداءً رجوع قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا} إلى الأكل المذكور في صدر الآية، لأنَّ الإذن بالأكل هو المحتاج إلى تقييد مقداره حتى لا يتجاوز حدَّ الاعتدال. ويستأنس لذلك بقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}، حيث يعود النَّهي عن الإسراف إلى الأكل والشُّرب. أمَّا الحقُّ المأمور بإيتائه يوم الحصاد فهو مقدار معلوم بيَّنه الشَّرع، فلا تظهر فائدة في تقييد أدائه بعدم الإسراف ما دام المأمور به هو ذلك الحقَّ المقدَّر نفسه.
ويناقش في مقابل ذلك تفسير السُّيوطي في «الجلالين»، الذي حمل النَّهي على إعطاء جميع الثَّمر بحيث لا يبقى للمتصدِّق وعياله شيء. ويعارض هذا الحمل بما ورد في مدح الإيثار، ومنه قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}، وبما رُوي عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه من التَّصدُّق بجميع ماله. ويرى أنَّ جعل النَّهي متعلِّقًا بصدقة التَّطوُّع أبعد من إرجاعه إلى الأكل المذكور صراحةً في الآية، ولا سيَّما أنَّ صدقة التَّطوُّع ليست مذكورةً في السِّياق.
ويبحث المعلِّمي مقدار ما يجوز لصاحب الثَّمر أن يأكله قبل الحصاد، مستدلًّا بأمر النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم الخرَّاصين أن يدعوا الثُّلث أو الرُّبع. ويفهم من ذلك أنَّ صاحب الثَّمر يُترك له قدر يأكل منه ويتصدَّق ويهدي قبل حلول وقت الحصاد، مع تقدير الزَّكاة بالخرص. ويرى أنَّ ما بقي من المقدار المتروك حتى جاء وقت الحصاد تجب فيه الزَّكاة، أمَّا ما أكله قبل ذلك فلا تلزمه زكاته، ويجعل الحكم في سائر التَّصرُّفات الجائزة في هذا المقدار تابعًا لحكم الأكل.
أما نهاية زمن هذا الإذن فيربطها بقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. فمتى تمَّ صلاح الثَّمر حتى صار مستحقًّا للحصاد، يظهر من الآية عنده انتهاء الإذن السَّابق بالأكل منه على الوجه الذي لا تدخل زكاته في الحساب، ولو لم يقع الحصاد بالفعل. وبذلك يظلُّ الأكل والتَّصرُّف في المقدار المتروك جائزًا إلى استحقاق الحصاد، فإذا بلغ الثَّمر تلك المرحلة تعلَّق به حكم الحقِّ الواجب يوم الحصاد.
ويعرض وجهًا آخر في قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا}، وهو أن تكون الجملة مستأنفةً لا تتعلَّق بشيء مخصوص ممَّا قبلها، فيكون النَّهي عامًّا في جميع أنواع الإسراف. ويقوِّي هذا الوجه من جهة اللُّغة أنَّ حذف معمول الفعل قد يفيد العموم. غير أنَّ هذا التَّفسير يُدخل إعطاء جميع المال في صدقة التَّطوُّع تحت عموم النَّهي، فيحتاج حينئذ إلى تخصيصه بالأدلَّة التي تمدح الإيثار وبذل المال كلِّه في بعض الأحوال. ومع إمكان هذا الوجه يبقى رجوع النَّهي إلى الأكل هو المتبادر والرَّاجح عند المعلِّمي بالنَّظر إلى السِّياق والأدلَّة التي سبقت.
ويتَّصل بهذه المسألة تفسير قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، إذ يناقش المعلِّمي الاستدلال بـ«مِنْ» التَّبعيضيَّة على منع الإنسان من إنفاق ماله كلِّه. ويقرِّر أنَّ فائدتها ليست النَّهي عن بذل الجميع، وإنَّما بيان أنَّ الأجر والمدح يحصلان بإنفاق بعض المال، فلا يتوقَّف الثَّواب على بذله كلِّه. فإذا كان إنفاق البعض موجبًا للمدح، كان إنفاق الأكثر أو الكلِّ أولى بذلك متى انتفت الموانع الأخرى. ويستشهد لهذا المعنى بحديث الأمر باتِّقاء النَّار ولو بشقِّ تمرة.
ويصوغ المعلِّمي هذه الدَّلالة في إطار أصوليٍّ، فيبيِّن أنَّ تخصيص بعض المال بالذِّكر في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} لا يقتضي مفهوم مخالفة يمنع حكم الإنفاق عمَّا زاد عليه، لأنَّ للتَّخصيص فائدةً ظاهرةً غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وهي إثبات المدح لمن أنفق بعض ماله. ثمَّ يدلُّ المعنى على أنَّ زيادة البذل تقتضي زيادة المدح، فيكون حكم المسكوت عنه ثابتًا بطريق مفهوم الموافقة، بل من باب فحوى الخطاب؛ لأنَّ إنفاق الأكثر أولى بالمدح من إنفاق الأقلِّ من هذه الجهة.
ويراجع المعلِّمي بعد ذلك ما ورد في «حاشية الصَّاوي على الجلالين» من تفسير الإسراف بإخراج جميع الثَّمر للفقراء، أو ترك إخراج الحقِّ أصلًا، أو إنفاق المال في المعاصي، وما نُقل في سبب نزول الآية من أنَّ ثابت بن قيس رضي الله عنه جذَّ نخله ووزَّعه حتى لم يبق له ثمر. ولا يرى ثبوت هذا السَّبب مانعًا من رجوع {وَلَا تُسْرِفُوا} إلى {كُلُوا}، لأنَّ مناسبة سبب النُّزول يمكن أن تكون في قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ}، كما يحتمل أن يعود النَّهي إلى الأكل وإيتاء الحقِّ معًا.
ويفرِّق في آخر البحث بين الإيثار بالنَّفس والإيثار بحقوق من تلزم الإنسان نفقتهم. فبذل المرء ماله كلَّه مع تحمُّله هو نتيجة ذلك يدخل في النُّصوص التي تمدح الإيثار، ومن هذا الباب يحمل قصَّة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه. أمَّا إذا تعلَّق بالمال حقٌّ لأهل المتصدِّق، فتصدَّق به كلِّه من غير رضاهم وأضاع حقوقهم، فلا يكون ذلك من الإيثار المحمود، بل يكون ظلمًا لهم. وعلى هذا يجمع المعلِّمي بين أدلَّة الإيثار وبين النُّصوص الآمرة بأن يبدأ الإنسان بمن يعول، وبينها وبين النَّهي عن الإسراف في الآية إذا ثبت سبب النُّزول المنقول في ثابت بن قيس رضي الله عنه.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:














